الهاشمي دعاه لاهتمام أكبر بالقصيدة الطويلة .. أحمد العواضي يكتشف اليمن على إيقاع الشعر

أحمد العواضي يكتشف اليمن على إيقاع الشعر ..
الهاشمي دعاه لاهتمام أكبر بالقصيدة الطويلة


المنامة - جعفر الديري:

أحيا الشاعر اليمني أحمد العواضي أمسية شعرية الثلاثاء 29 مايو 2007 في الملتقى الثقافي الأهلي بالعاصمة المنامة، ألقى فيها مجموعة من قصائده الحديثة والقديمة، جسدت حضور الشاعر في القديم من تراث بلده وفي الجديد مما يجري فيها، كما عبر عن الكثير مما يشغل ذهن الإنسان العربي واليمني خاصة.

تحدث العواضي في مداخلاته مع الحضور عن المشهد الإبداعي والثقافي في اليمن، فقال: بعد تحقيق الوحدة اليمنية العام 1990، حصل تطور كبير على المشهد، وطرأ تشريع حول المصنفات والطباعة والنشر في اليمن، وكان من اشتراطات الوحدة توافر نوع من الحرية، فكان هناك قانون الحق الفكري والنشر الذي أقره البرلمان اليمني لأنه ليست هنالك رقابة مسبقة أو لاحقة على الكتاب، وإنما هناك احتساب إذا رأى أن هذا الكتاب هو ضد المعتقد أو ذو ملاحظات اجتماعية، فيمكن أن يحتسب في المحكمة.

وأضاف العواضي: إن عدم وجود رقابة سابقة ولاحقة على الكتاب، ساعد في ازدهار الإصدارات والطباعة في اليمن، فالمؤلف أو الشاعر أو الأستاذ الجامعي لا يحتاج إلى تصريح أو مراجعة أو إذن من رقابة المطبوعات، وكل ذلك أدى إلى ازدهار طباعة الكتب بشكل ملحوظ في اليمن، ولنا أن نتخيل أن ما صدر في العقد التسعيني إلى الآن أكثر بثلاثة أضعاف من كمية الكتب التي صدرت في العقود الأربعة الماضية، وهي تتنوع بين شعر ومعمار وزراعة وسياحة، لكننا نعاني من محدودية الإمكانات والقدرة الاقتصادية لدى الأدباء والمثقفين وذلك يجعلهم غير قادرين على طباعة كل أعمالهم، لكن هناك عشر جامعات حكومية في اليمن وكليات الآداب تقدم المساعدات الفكرية والندوات وبالتالي هناك حراك اجتماعي، ومع رحيل الشاعر عبدالله البردوني ورحيل محمد حسين هيثم ورحيل الروائي زيد مطيع دماج فقدت اليمن مجموعة من أعلامها، ورغم ذلك لا زالت الحداثة تبرعم وتتبلور بكل الغموض والمشكلات التي تصاحبها، فهي تفرض نفسها بقوة لأن لها جمهورها الكبير.

إهتمام أقل بالرواية

وبشأن الاهتمام بالشعر مقابل اهتمام أقل بالرواية في اليمن، قال العواضي: إن لدي علاقات عديدة مع كتاب القصة والرواية، وتوجد في اليمن تجارب جيدة بهذا الخصوص، ولكن يبدو أن مزاج الناس في اليمن مزاج عربي يميل إلى الشعر، وكتابة القصيدة في صفحة ونشرها في صحيفة واستلام مقابل مادي جيد في اليمن أسهل بكثير من كتابة القصة القصيرة التي تحتاج إلى طباعة فالرواية لا بد أن تنشر في كتاب وبالتالي حركة الرواية صعبة، لكن في اليمن نادي المقهى وهو من أهم الأندية التي تؤسس للعمل الروائي وفيه جيل جديد يتبرعم منهم نادية الكوكباني ولها روايات كثيرة كما قدمت هدى العطاس مجموعات قصصية، كذلك الغربي عمران ووجدي الأهدل، لكن عموماً مشكلة الفن السردي في اليمن ليست رهناً بالعقد التسعيني فهي مشكلة متأصلة، ولا يوجد في اليمن غير أسماء محدودة من أيام السبعينيات والثمانينيات، يكادون يتوقفون عند محمد عبد الولي وزيد دماج.

إن جثّت الحركات

من ناحيته أشاد الناقد البحريني د. علوي الهاشمي في مداخلته، بأهمية تجربة أحمد العواضي، كونها تشكل مع تجربة البردوني والمقالح أهم التجارب اليمنية التي عرف بها الشعر اليمني. وبهذا الشأن قال د. الهاشمي: أتذكّر أنني قبل خمس عشرة سنة كنت أول من اشتغل على شعر أحمد العواضي، ولم ألحظ وقتها أي مقالات نقدية عنه، وكنت في الحقيقة لا أعرف هذا الشاعر وقرأت له قصيدة في صحيفة الحياة بعنوان (إن جثّت الحركات)، فأدهشتني القصيدة، وقدمت قراءة نقدية موسعة عنها، ثم كانت هي الأساس لكتاب (ظاهرة التعالق النصي في الشعر السعودي الحديث) لأنها كانت مثار نقاش طويل بينها وبين قصيدة للشاعرة السعودية لطيفة قاري، ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم أعتقدت أن أحمد العواضي واحد من أهم شعراء ثلاثة في اليمن - إذا استثنينا الزبيري - فالشعر اليمني عرف على الأقل في السنوات الأخيرة على يد عبد الله البردوني منذ مطلع السبعينات، الذي تعرفنا عليه في المهرجانات العربية، ثم عبدالعزيز المقالح، وأعتقد أن الاسم الثالث هو أحمد العواضي، وهذا لا يعني عدم وجود أسماء شعرية أخرى جيدة وعميقة في اليمن، لكن وصولها كان أقل وصولاً من هؤلاء الثلاثة.

قصيدة ذات قماشة مدروسة

وقال د. الهاشمي: أحببت طرح مسألة نقدية على العواضي، وهي أن القصيدة الطويلة لديه ذات قماشة مدروسة دقيقة ولديه نفس ملحمي قادر على ربط مفاصل القصيدة بشكل عميق، وكنت أتمنى أن يعطي القصيدة الطويلة حقها في تجربته الشعرية، فمن الممكن أن تكون القصيدة القصيرة ضحية لهذه القدرة الشعرية في القصيدة الطويلة، لأنها تكون دائماً جزءاً من مشهد لا يكتمل في القصيدة القصيرة، في حين تكون أمامه القصيدة الطويلة ممدودة لا لاكتمال المشهد وإنما كي تكون المخيلة واسعة وتفترش بصور متوالدة وبناء محكم، وأتمنى من الشاعر أن يهتم بالقصيدة الطويلة بصورة خاصة، لأني أرى أن قوة تجربته ستكون في القصيدة الدرامية، فلو تبنى القصيدة الطويلة بشكل أساسي وأنتبه إلى خطورتها في التعبير عن تجربته لاهتدى إلى أهم حاجة بالنسبة إلى أي شاعر وهو اليمن نفسها.

وتابع د. الهاشمي: ان اليمن نفسه قصيدة ليست ثم أعمق منها ولا أجمل منها في الشعر العربي، وفي رأيي أن الشاعر العربي عندما يزور اليمن لابد وأن تتفجر لديه قصيدة تكاد تكون قصيدة بكر في تجربة أي شاعر عربي، كما وجدنا عند الشاعر أدونيس في قصيدته المهمة (المهد) التي لولا اليمن ورؤيته لليمن ومعرفته باليمن لما تفجرت منه هذه القصيدة، وشعراء آخرون أيضاً مثل جودت فخر الدين عندما كتب قصيدته (صنعاء)، والآن عندما يخرج شاعر من اليمن وهو ابن اليمن التي يعيش لحظاتها هو أولى بها لأنه أعرف بدقائقها الصغيرة يوماً بيوم ولحظة بلحظة بالإضافة إلى كونه مسكوناً بذاكرتها، ففي تجربة العواضي لم ألحظ سمات اليمن في تجربته، وأنا أريد اليمن وصحيح أنني أتخيلها أو هي تتخايل في كثير من قصائده فهي ليست غائبة، وأنا أعترف بذلك على صعيد نقدي، لكن اليمن بواقعها وبنسيجها تستحق من العواضي تجربة أعمق.

نُشر في صحيفة الوطن البحرينية، العدد (537) الخميس 31 مايو 2007.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى