أدب أندلسي صلاح فضل - وبيضة خدر

قبل أن نورد المقطع الأخير من موشحة ابن غرلة التي يجاهر فيها بصيده الغزالة من مراتع الأسود؛ وهي إشارة واضحة لعشقه للأميرة رميلة أخت الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي، يجدر بنا أن نتذكر قطعة فريدة وشهيرة من معلقة امرئ القيس يقول فيها:
“وبيضة خدر لا يرام خباؤها
تمتعت من لهو بها غير معجلِ
تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا
عليّ حراصا لو يسرون مقتلي
إذا ما الثريا في السماء تعرضت
تعرض أثناء الوشاح المفضل
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها
لدي الستر إلا لبسة المتفضل
فقالت: يمين الله ما لك حيلة
وما إن أرى عنك الغواية تنجلي”

وقد امتلأ تاريخ الأدب ونقد الشعر بصفحات طويلة تجلو شعرية هذا النص الجميل وتكشف عن جسارته عندما يتحدث عن الحبيبة المصونة التي لا يمكن لأحد أن يطمع في اقتحام خبائها سوى الشاعر الأمير كي ينعم باللهو بها على مهل، ثم لا ينسى أن يقدم صورة بديعة لجمال الليل في اللحظة التي يختلي فيها بمحبوبته، ولا تخلو هذه الصورة الطبيعية الرائقة من علاقته بالمحبوبة التي يجتمع فيها سمو السماء بترف الأرض، وإن كان الشاعر يسجل تفاصيل مغامرته الجريئة من لحظة دخوله على المحبوبة وقد تخففت من ثيابها وبقيت في رداء نومها الشفيف فلا تزيد على أن تقول بنبرة الترحيب الخفي واللوم الظاهر إنه لا حيلة لي فيك وأنت لا تكف عن غوايتك. ولننظر إلى الوشاح الأندلسي المغاربي وكيف يسوق قصته المشابهة فيستحضر أبيات امرئ القيس الشهيرة قائلاً:
“رب ذات ليلة/ زرتها وقد نامت
والرقيب في غفلة/ والنجوم قد مالت
رمت منها قبلة/ عند ضمها، قالت
قرّ قرّ واهدا/ لا تكن متعدي
تكسر النبالا/ وتفرط لي عقدي”

فنلاحظ أولاً تخفف الوشاح من الصيغ والأوزان المطولة، واعتماده على الاقتصاد في السرد المباشر والوصف الدقيق، مستخدما المعجم الغزلي الشائع في عصره الجامع لكل عناصر الصورة المحكية؛ فهو يروي ما حدث ذات ليلة، زارها فيها وكانت قد نامت بالفعل، بينما كان الرقيب المقابل للحرس في غفلة توازي النوم، والنجوم قد بدأت تميل للمغيب، وهو يراودها على قبلة بينما هي في حضنه، فلا تزيد على أن تدعوه كي يستقر ويهدأ ولا يكون متعدياً، ثم تستخدم كناية لطيفة عن هذا التعدي هي كسر النبال من جانب وفرط العقد من جانب آخر. وعلى الرغم من الطابع الحسّي المباشر الذي يهيمن على المشهدين، وبروز تداخل النصين واستفادة الوشاح من تجربة امرئ القيس ومحاورته له فإن شخصية الوشاح تظل واضحة في إيقاعاته وطريقة تخيله للمشهد والكلمات التي يجريها على لسان الطرفين، مما يجعل مذاق الموشحة متميزاً مهما امتصت وتشربت وتناصت مع الشعر المسيطر قبلها على ذاكرة القراء.


صلاح فضل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى