عبدالكريم كاصد - الطريق إلى عدن (1): لم يكن الطريقُ إلى عدن آمناً.

حملت أمتعتي وتوجّهت برفقة مودعيَّ إلى مبنى لأعلن لشرطته أنّ إقامتي في بلدهم الكويت غير شرعيةٍ، لكن بدلاً من إيداعي في التوقيف طلبوا مني الحضور في وقتٍ آخر لانشغالهم. رجعتُ إلى مودعيّ معتذراً راجياً منهم ألاّ يقيموا حفلة توديعٍ لي ثانيةً.
تكرر المشهد في اليوم التالي ولكن بخاتمة سعيدة: إيداعي في السجن حاملاً معي هويتي الجديدة: يمني، وتذكرة سفري، بل أن رجال الأمن أسرفوا في كرمهم إذ وضعوا الأغلال في يديّ وأنا في طريقي إلى السجن شخصاً آخر: مواطن يمنيّ قدم إلى بلدهم عبر البحر، في مركبٍ، قبل سنين وأقام فيها وعمل، بشكل غير قانونيّ، وها هو الآن لديه ما يثبت ذلك. ها هي وثيقته، وها هي تذكرة سفره، وكلّ ما يطلبه هو العودة إلى بلده: اليمن.
كان السجن أو التوقيف أو ما شئت أن تطلق عليه من أسماء سوراً عالياً في صحراء لا يعبرها غير غيوم الرمل، وفي جانب أو جانبين منه ثمة غرف بلا أبواب.. غرف مظلمة رغم وهج الشمس، غير أن السجناء نادراً ما يأوون إليها متكدسين بالمئات في باحته الواسعة أفواجاً يجيئون ويذهبون.. أقوام شتى: عرب، إيرانيون ومن قوميات أخرى.. يستيقظون صباحاً على وقع عصيّ تعدّهم كالخراف وحين يخطئ شرطيّ في العدّ يتكرر وقع العصيّ. نظام دقيق سرعان ما يتحوّل إلى فوضى عارمة بعد العدّ، وشجارٍ عند الظهيرة حين يصل العدس.. كلّ يوم .. كأنه جزء من نظام كونيّ لا يعرف خرقاً حتّى في فوضاه المكرورة.. المنضبطة التي تستحيل عراكاً مكروراً له قوانينه أيضاً. ثلاث (صواني) من العدس أو أربع لمئات الموقوفين.. في بلدٍ يشكو من غناه لا فقره. لم أقترب منها يوماً واكتفيت بنظامي الخاص: أكل الدجاج المشويّ كلّ يوم بعد أن تأتي طلائع المقاولين إلى الباحة صائحين لتسجيل من يرغب في دجاجهم المشويّ.
دعوتُ يوماً صعيدياً جاء هارباً مثلي من العراق عبر الصحراء أن يشاركني مائدتي فاعتذر وهو الجائع بحياء لم تتخله كبرياء، بل وداعة وامتنان.
وفي المساء يذرع السجناء الباحة يقطعون مئات الكيلومترات فيها غادين رائحين يحملون كاسيتاتهم الضاجة، ويتلقفون أسماءهم كالخبز حين ينادون عليهم من باب السجن الصغير لاستلام ما يجلبه معارفهم إليهم من أشياء.
أحياناً يفد المئات من الإيرانيين دفعة واحدةً، ليملأوا باحة السجن فلا محط لقدمٍ: يخلعون ثيابهم القديمة ليرتدوا الثياب الجديدة، وسط ضحك الموقوفين وتعليقاتهم، منتظرين تسفيرهم إلى بلدهم الذي جاءوا منه وهم محملون بالهدايا.
كانوا يأتون في مراكب تقذفهم قريباً من الساحل فيصلونه سباحةً حاملين في أيديهم المرفوعة الطالعة من الماء صرر ثيابهم. وقد تفاجئهم دوريات الشرطة بأنوارها الكاشفة التي تسمّرهم كأسماك ميتة فيجلبونهم، شباباً وكهولاً، إلى هذا السجن الصحراوي، لكنهم لا يكترثون.
قال لي أحدهم ضاحكاً: "سنرجع ثانيةً".
ما أثار استغرابي في هذا السجن هو وجود عراقيّ دائم يتنزّه في باحته وكأنه يتنزه في باحة بيته بدشداشته البيضاء، وحركاته الأنثوية وألفته مع المكان والعاملين فيه من شرطة ورجال أمن وصوته المزغرد وفرحه المعلن كلّ لحظةٍ طوال النهار، عبر تعليقاته الضاجة ومزاحه البغيض. اتخذ له غرفة من غرف السجن يدخلها ويخرج منها وكأنه عريس أو عروس أو الاثنان معا.
نُقلنا، بعد أيام، إلى سجن المطار الذي أمضينا فيه ليلة مرهقة بسبب أرضيّته الإسمنت التي تجعل الجلوس أو النوم مستحيلاً. وكم كانت دهشتي ونحن في مثل هذا المأزق أن يفقد أحدنا وهو شاب عراقي أعصابه فيهتاج ويضرب باب الزنزانة بقبضتيه ضربا متواصلا محتجاً، وقد شجعه على فعلته هذه ما أبداه يمنيّ، هو اليمنيّ الحقيقيّ الوحيد بيننا، من تأييد واستنكار لوحشة المكان الذي يبدو وكأنه مهجور، فما كان منّي إلا أن وجهت لومي لهذا اليمني البالغ الذكاء في فهم ما قصدت إذ كنتُ أعني به العراقيّ الشاب الذي سرعان ما هدأ (كم كان حزني شديداً حين جاءني خبر استشهاده فيما بعد). وكانت المفاجأة الأخرى حين قدم إلينا شرطيّ وديع مسالم أبدى تعاطفاً مؤثّراً معنا فلم يبخل بجلب الشاي لنا.
صباحاً في ردهات المطار، قبل إقلاع طائرتنا كان هناك متسع للاغتسال والتخلص من اللحى الثقيلة السوداء، وما التصق بأجسادنا من غبار أيام ماضية فشعرت بخفة حتى أحسست كأنني قادرعلى الطيران.
لعلّ اللحظات التي أمضيتها في الطائرة وأنا أرتشف البيرة هي أجمل اللحظات التي عشتها في حياتي.
وصلنا عدن في المساء وكان في استقبالنا أصدقاء حميمون:
عدن الجميلة العينين
تنتصب الآن كالساعة الرملية
وتسير في زفةٍ من الأحجار
كان الفندق الذي حللتُ فيه والذي يتوسط عدن غاصّا بالعراقيين المنفيين. باشر الكثير منهم أعمالهم المعتادة: محررو صحف، عمال مطابع، موظفون في دوائر مختلفة، أما أنا فالتحقت بمجلة (الثقافة الجديدة) محرراً مع محرّرَين يمنيَين آخرَين هما: رضيّة شمشير وسعيد البطاطيّ. باشرت أول عملي بإجراء لقاء مع الدكتور حسين مروة الذي كان في زيارة لعدن، وندوة شارك فيها صديقي الشاعر السوداني الراحل جيلي عبدالرحمن حول كتاب مروّة (النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية) الذي اطلعتُ عليه من قبل.
اقترح نائب وزير الثقافة أن يُدفع راتبي بالعملة الصعبة لأن ثمة عقوداً خارجية قد تضيع، فرفضتُ وأقنعته بأسباب رفضي، إذ لم أكن أرغب أن أكون، كما فعل البعض، استثناءً بين رفاقي المنفيين الذين ارتضوا أن يُعاملوا معاملة اليمنيين.
كان لمساءات عدن الجميلة أثرها في نفسي: عطورها التائهة عند البحر، شبابيكها المرشوشة بالورد، روائحها الفائحة بأطعمة الباعة الجوالين، وأغانيها التي بدت لي كلماتها في سباق محموم مع ألحانها. وبدت هذه المساءات، بعد فترةٍ، أجمل عند وصول حبيبتي الراحلة التي اقترنت بها هناك وقد رافقني شاهدان: ابن عمها المنفيّ معنا الفنان قاسم البصريّ (أبو شمس)، وصديقان آخران: فلاح الخفاجي، و الشاعر العراقي صديق العمر: مهدي محمد علي، إلى مكتب شيخ ليس هناك أخف من روحه ومرحه ما أشاع جوّاً من البهجة شاركتنا فيه الطبيعة التي بدت ذلك المساء ندية وهي تستقبلنا بنسائمها الخفيفة وقلائد الفلّ يحملها البائعون الأطفال.
ولم تشفّ هذه الأمسيات مثلما شفت في رمضان حيث الناس يسهرون حتى ساعة متأخرة من الليل. ولا أنسى أبداً محلات بيع الأقمشة في عدن بألوانها ورقتها ولمعانها في الضوء الذي استحال نهاراً وسط زحام الناس وانبهار زوجتي المسحورة بالأقمشة المجلوبة من الهند.. كأننا رحالة يهبطون جزراً غريبة نائية وقد زيّنتْ عنقَ حبيبتي قلادةُ الفل.
بعد سنة فقط اختفت الأمسيات كأنها لم تكن. أين اختفت؟
هل استحالت ذكرى حقّاً؟
في رمضان تفتحُ الشوارعُ عيونَها في الليل
وتنام في النهار
بعيدةً عن الناس
*
يا لبهجة العابر في الليل
بين فوانيس الباعة
وظلال المارين
_______________________
من كتاب(باتجاه الجنوب شمالاً)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى