أبو يوسف طه - الملاَّح

كلما ذهبت إلى جامع الفنا ، أدخل إلى الملاح مستعيدا صورة طفل يحمل حُقًّا مليئا بنوى المشمش ليبيعها لمواطن مغربي يهودي ويعود بحلوى هشة ملونة يحذق اليهود وحدهم إعدادها بما كسبه من فرنكات ، أتذكره يتأمل كُتَّابا وصبيانا وفقيها يهوديا ، ويتسمَّع متعجبا تلاوة التوراة الشبيهة بما في كتاتيب المسلمين ، أو يقف أمام دكان يحدق في شيخ ذي لحية مسترسلة وعيناه تنظران إلى كتاب مفتوح بين يديه ، استغرق في التأمل ، رفع اليهودي رأسه ونظر إليه ثم أمره بالدنو واستفسره ، ماذا تريد ياولدي ؟ أجاب الطفل الذاهل وهو يشير بسبابته الرفيعة إلى الكتاب ، أدنى الشيخ الكتاب من وجه الطفل الذي أُخِذَ بأشكال معقدة لاتشبه حروف مايتعلمه في الكتاب . قال الطفل ، ماهذا ؟
أجاب الشيخ ، قرآن اليهود ، تحرك الطفل مغادرا ، وهو ينظر إلى قرويين يبيعون مافوق ظهور حمرهم من بسباس وخبيزة وخرشف وقزبور ومقدنوس وأشياء لايعرفها ، ورديف هذا شراء ديدان القز من أطفال فرنسيين كان يدخل منازلهم الصغيرة بدوار العسكر المفتوحة على السماء ويلعب الكرة وإياهم دون الإحساس في الحالتين بأي تميز ، وأتذكر كيف تابعت قراءة أسماء تلاميذ يهودا ذكورا وإناثا في ابتدائية عرصة المعاش ، وأسماء قليلة لرفقائهم من المغاربة المسلمين ، ويدور في ذهني تساؤل عن مصائرهم ، وإلى أين أخذتهم دوامة الحياة بعد الهجرة
كنا براء من النار التي أججها الكبار باستعمار المغرب ، والوكالة الصهيونية التي اقتلعت عائلات من منبتها وزجت ببعض أفرادها في أتون صراع لم يخمد بعد
ليت العالم كان أبدي الطفولة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى