إبراهيم محمود - عبدالسلام بنعبدالعالي ومقال الكذب " نقد فلسفي"

في النطاق المدرسي، تعلَّمنا أن الفكر لا يوجد إلا بوجود مشكلة، ونُسيَ، أو أنُسيَ جهلاً، أن الفكر لا ينقطع، فهو وليدٌ كوني، أي بما أنه ينتمي إلى الوجود الذي لا يكف، باعتباره نهر هيراقليطس، عن طرح المشاكل أجناساً وأنواعاً، أسماء ومسمّيات، وبالتالي، فإن ما يجعل الفكر فكراً هنا هو طابع الجدّة فيه، بحيث إن المشكلة التي يتضمّنها، تظهَر اكتشافاً من لدنه، فيكون المفكّر مفكّراً فيما يتحرى أمره، ينقّب فيه، ليصبح موضوع البحث ممضياً باسمه، إنه مخاضه وحياضه معاً. إنه شيئه وقد حمّل باسمه، من هنا، وهنا، نسلّم بجِدّة الفكر، وحداثته.
ومقالي يتركز على هذا المنحى الخطير في أي عملية بحث، أو درس فكري، أو فلسفي، من خلال نموذج، تعرضت له في أكثر من مقال، وكتاب، وهو الباحث في الفلسفة عبدالسلام بنعبدالعالي " ويعرَّف به بأنه مفكّر مغربي، مواليد 1945 " وله حضور لافت في الساحة الثقافية " الفلسفية " العربية، ومن خلال مجموعة كتب له، إلى جانب كونه مترجماً عن الفرنسية، وكيف أنه في مجمل ما يتناوله، يعتمد على سواه " من فلاسفة الحداثة وما بعدها في الغرب : جاك دريدا، خصوصاً ."، كما في بحثي عنه " احتراف الفلسفة وإتلافها؟ قراءة في كتابات عبدالسلام بنعبد العالي " المنشور في موقع " مدارات فلسفية " المغربي، سنة 2009 . وما أثيره في مقالي هذا يندرج في سياق هذه المكاشفة/ المقاربة النقدية له.
والذي يشكل خميرة البحث هنا، ما تناوله في مقالات ثلاثة، تتمحور حول الكذب، وهو الموضوع الذي شكّل محتوى كتاب المفكر الفرنسي جاك دريدا "1930- 2004 "، أي " تاريخ الكذب، ترجمة وتقديم: رشيد بازي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2016 "، وفي نصه الفرنسي لديه " أي بنعبدالعالي " ويسهل الرجوع إلى مقالاته انترنتياً، وهي:
في " الكذب السياسي " منشور في 20 أيلول 2012 "، و" التاريخ والكذب " منشور في 23 أيلول 2014 "، و" رغبة في الخداع.. ولو بقول الحقيقة " منشور في 28 كانون الثاني 2018 "، وهو الأطول هنا، وقد ذيّل المقال في الأسفل بأن هذا النص فصل من كتابه " جرح الكائن " الصادر حديثاً عن دار توبقال المغربية .
ثمة نقطتان رئيستان تلمستُهما في هذه المقالات الثلاثة، هي أنها تكاد تلخص أفكاراً واردة في كتاب دريدا السالف الذكر، والذي اعتمدت عليه في عملية المقارنة، وكيفية ورود الاقتباس لديه، إلى جانب أنها تتكرر، وبنوع من التأخير والتقديم، كما لو أن ليس من رابط بين مقال وآخر، والفكرة واحدة، وهي مقولة الكذب: ما هذا الذي نسمّيه كذباً؟ كيف يكون الكذب كذباً؟ ما هي ألوانه، أبيضه وأسوده تباعاً؟ كيف يُتقاسَم بشرياً؟ وإذا كان كذباً، فهل هو كذب؟ وما هي حدوده، جغرافيته، مناخاته في الثقافة التي تعنيه؟ كيف يمارس مهامه في فتق الحقائق الكبرى ورتقها على طريقته، وباختلاف الأشخاص ومواقعهم، المجالات الثقافية وتوجهاتها الإيديولوجية؟
بنعبدالعالي، يكرر فقرات طويلة، في المقالات الثلاثة، وليته حافظ على سياق الترتيب، إنما يشطب من هنا، ويضيف من هناك، يورد مقتبساً بين قوسين، ويتابع الكتابة في مقال الكذب، كما لو أن الذي يتكلم أو يكتب هو وليس سواه، بينما الكاتب الرئيس، المتكلم باسمه والفارد/ الفارض ظله هو دريدا، وبتفعيل من متخيل دريدا الثقافي، أو من خلاله. كيف يقيَّم الكذب هنا؟
سأورد هذه الفقرات من مقاله الأول، وهي تشكل مجمَله:
( ربما لا يصح الحديث عن كذب سياسي بإطلاق. ذلك أن مفهوم الكذب بصفة عامة، والكذب السياسي على الخصوص، قد عرف تغيّراً عبر العصور. فهناك، كما أشار دريدا بعد حنة آرندت، «تاريخ للكذب». وربما كانت الحداثة مقترنة بتحول طبيعة الكذب السياسي بالضبط. ذلك أن هذا الكذب، كما كتبت آرندت «لم يعد تستراً يحجب الحقيقة، وإنما غدا قضاء مبرماً على الواقع، وإتلافاً فعلياً لوثائقه ومستنداته الأصلية». لم يعد الكذب إخفاء للحقيقة، وإنما صار إتلافاً لها، لم يعد مكراً تاريخياً، وإنما غدا مكراً بالتاريخ.
معنى ذلك أولاً أن هناك، كما يشير دريدا، «جدة تاريخية في تداول التعارض صدق/ كذب، إن لم يكن في ماهية الكذب ذاته». لذا فربما لم يعد يكفينا أن نتساءل: ما هو الكذب؟ وإنما ما الذي يقوم به فعل الكذب؟ وما الذي يرمي إليه؟ ليس الكذب مجرد قول محرف، وإنما هو قول فاعل، إذ يتوجب على الكاذب أن يكون على علم بما يعمل، وأن يرمي من كذبه القيام بفعل، وإلا فهو لا يكذب. يتعلق الكذب بإخراج القول إلى الفعل، أو بالرغبة في ذلك.. ..
ما يزيد الأمر صعوبة هو أن الكذب لا يتعارض فحسب مع الصدق والحقيقة. كان مونتيني قد أشار إلى أن «قفا الحقيقة يتخذ ألف شكل، ويتوزع في حقل لا حدود له». من هنا تعذّر التمييز بين الكذب و «جيرانه» المتعددين. الكلمة الإغريقية التي تدل على الكذب تعني في الوقت نفسه الخطأ والمكر والغلط والخداع والتدليس، مثلما تعني الإبداع الشعري، وكلنا يعلم أن «أعذب الشعر أكذبه».
ميز القديس أوغسطين الكذب عن مجرد الوقوع في الغلط، وذلك بالتشديد على القصدية في فعل الكذب. فالكذب هو الرغبة في خداع الغير، حتى وإن اقتضى الأمر، في بعض الأحيان، قول الحقيقة.... إذ ليس من الكذب أن يصدر عنا الغلط إذا ما كنا نظن أنه صواب. فليس الكذب هو القول الخاطئ، ليس هو الخطأ. يمكننا أن نكذب بقول الحقيقة. الكذب خداع قبل كل شيء، إنه حمل على الاعتقاد.
..كما لو أن الحقيقة، بمجرد أن تسكن الكلام وتغدو موضع حوار حتى تفقد جزءاً من يقينها، وتكتسي رداء الكذب، أو على الأقل، تتصف بدرجة منه.
بهذا المعنى يمكن أن نتكلم عن سوء نية أصلي، وخداع سيميولوجي يتجاوز الفاعلين ويتحدى الأخلاق. وبهذا المعنى أيضاً ينبغي أن نفهم إتلاف الحقيقة الذي تتحدث عنه آرندت على أنه ليس فحسب ما قامت به مختلف التوتاليتاريات من تزوير للحقائق وغرس للكذب في العقول والمكر بالتاريخ نفسه، وإنما حتى ما غدا يتخذ شكلاً «سلمياً» «ديموقراطياً» في مجتمعاتنا المعاصرة، حيث أصبح، لا قضاء مبرماً على الواقع و «إتلاف وثائقه ومستنداته»، وإنما تفتيتاً للحدث وحلّه إلى وقائع جزئية تغيّب معناه وتذيب دلالاته.
إنه لم يعد إتلافاً للحقيقة، وإنما أصبح إتلافاً للمعنى. ...)
في مقاله الثاني ترتيباً، نقرأ التالي، ومن خلال الفقرات المقابلة للسالف الذكر:
( علاقة الكذب بالتاريخ متعددة الأوجه، ففضلا على أن مفهوم الكذب نفسه قد عرف تغيّرا عبر العصور، إذ أن هناك، كما أشار جاك دريدا بعد حنة آرندت، «تاريخا للكذب»، فإن الشكل الذي أصبح الكذب يتخذه اليوم، جعله يتجاوز الفرد والأخلاق ليطال الجماعة والسياسة فيعْلق بالتاريخ. وربما كانت الحداثة مقترنة بهذا التحول الجذري الذي لحق طبيعة الكذب، والكذب السياسي على وجه الخصوص حيث لم يعد، كما كتبت آرندت «تسترا يحجب الحقيقة، وإنما غدا قضاء مبرما على الواقع، وإتلافا فعليا لوثائقه ومستنداته الأصلية». لم يعد الكذب إذن إخفاء للحقيقة، وإنما صار إتلافا لها، لم يعد مكرا تاريخيا، وإنما غدا مكرا بالتاريخ.
معنى ذلك أولا أن هناك، كما يشير دريدا، «جدة تاريخية في تداول التعارض حقيقة/ كذب، إن لم يكن في ماهية الكذب ذاته». لذا فربما لم يعد يكفينا أن نتساءل: ما هو الكذب؟ وإنما ما الذي يقوم به فعل الكذب؟ وما الذي يرمي إليه؟ ليس الكذب مجرد قول محرف، وإنما هو قول فاعل، إذ يتوجب على الكاذب أن يكون على علم بما يعمل، وأن يرمي من كذبه القيام بفعل، وإلا فهو لا يكذب.
ما يزيد الأمر صعوبة هو أن الكذب لا يتعارض فحسب مع الصدق والحقيقة. كان مونتيني قد أشار أن «قفا الحقيقة يتخذ ألف شكل، ويتوزع في حقل لا حدود له». من هنا تعذر التمييز بين الكذب و»جيرانه» المتعددين. الكلمة الإغريقية التي تدل على الكذب تعني في الوقت نفسه الخطأ والمكر والغلط والخداع والتدليس، مثلما تعني الإبداع الشعري، وكلنا يعلم أن «أعذب الشعر أكذبه».
ميز القديس أوغسطين الكذب عن مجرد الوقوع في الغلط، وذلك بالتأكيد على القصدية في فعل الكذب. فالكذب هو الرغبة في خداع الغير، حتى وإن اقتضى الأمر، في بعض الأحيان، قول الحقيقة. يمكن أن يصدر عنا قول خاطئ من غير أن نكذب. لكن بإمكاننا أن نقول الحقيقة بهدف الخداع، أي الكذب. إذ ليس من الكذب أن يصدر عنا الغلط إذا ما كنا نظن أنه صواب. فليس الكذب هو القول الخاطئ، ليس هو الخطأ. يمكننا أن نكذب بقول الحقيقة. الكذب خداع قبل كل شيء، إنه حمل على الاعتقاد.
فكما لو أن الحقيقة، بمجرد أن تسكن الكلام وتغدو موضع حوار حتى تفقد جزءا من صدقها، وتكتسي رداء الكذب، أو على الأقل، تتصف بدرجة منه. وبطبيعة الحال من يقول اللغة، بقول كل شيء، يقول التاريخ في امتداده، بل يقول الكائن في كليته.
يتضح لنا قصور أخلاق النية بشكل أكبر إن نحن أخذنا بعين الإعتبار ما آلت إليه آليات الخداع في مجتمعاتنا المعاصرة. لا أشير هنا فحسب إلى ما تتحدث عنه آرندت عندما تكشف عما قامت به مختلف التوتاليتاريات من تزوير للحقائق وغرس للكذب في العقول والمكر بالتاريخ نفسه..
هاهنا لايعود الكذب محتاجا إلى صخب وتدليس وإخفاء. إنه يصبح كذبا «سلميا» «ديموقراطيا» في غنى عن «إتلاف وثائق وإحراق مستندات»، ولا حتى «قضاء مبرم على الواقع»، ليكتفي بتفتيت الأحداث وحلها إلى وقائع جزئية تغيّب معناها وتذيب دلالاتها.)
في المقال الثالث، نقتطف التالي، بغية المقارنة لمن يريد:
( ينبهنا جاك دريدا فى كتيّبه عن «تاريخ الكذب» إلى أنه لم يعد يكفينا أن نتساءل: ما هو الكذب؟ وإنما ما الذى يقوم به فعل الكذب؟ وما الذى يرمى إليه؟ إذ «لا يمكن اعتبار الكذب على أنه حدث أو حالة، بل هو فعل مقصود». ليس الكذب مجرد قول محرّف، وإنما هو قول فاعل، و«فعل إنجازي» لا يبدّل الخطاب، ولا يحرّف المعانى فحسب، وإنما يحوّل الواقع ذاته، ولا يتوقف مفعوله عند مضمون القول. الكذب إخراج القول إلى الفعل، أو على الأقل، رغبة فى ذلك. وهو فعل واع بذاته مدرك لمراميه. إذ يتوجب على الكاذب أن يكون على علم بما يعمل، وأن يرمى من كذبه إلى القيام بفعل، وإلا فهو لا يكذب.
يتبنى دريدا التمييز الذى يقيمه القديس أوغسطين بين الكذب وبين مجرد الوقوع فى الغلط، وذلك بتأكيده، هو كذلك، على النية والقصد فى فعل الكذب. فالكذب هو الرغبة فى خداع الغير، حتى وإن اقتضى الأمر، فى بعض الأحيان، قول الحقيقة. فليس من قبيل الكذب أن يصدر عنا الغلط إذا ما كنا نظن أنه صواب، ليس الكذب هو القول الخاطئ، ليس هو الخطأ، الكذب خداع قبل كل شيء، إنه حمل على الاعتقاد. نقرأ فى الكتاب: «الكذب على الآخرين يتضمن الرغبة فى خداعهم وذلك حتى إن كانت أقوالنا حقا، والحال أنه بإمكاننا أن ننطق بأقوال خاطئة دون أن نكون كاذبين، وأن نقول أقوالا حقة الهدف منها خداع الآخرين، آنذاك نكون كاذبين». يمكن أن يصدر عنا قول خاطئ من غير أن نكذب. لكن بإمكاننا أن نقول الحقيقة بهدف الخداع، أى الكذب.
لا يخفى الدور الذى تلعبه وسائل الإعلام فى هذا الحفظ والإتلاف، وبالتالى فى تحديد الكذب السياسى وتحليله. كتب دريدا: «من المحقق أن وسائل الإعلام، من حيث إنها تشكل الموضع الذى يُجمع فيه ويُنتج الخطاب العمومى وتُودع كذلك الأرشيفات الحافظة له، تلعب دورا حاسما فى تحليل الكذب السياسي، وكل معالم التزوير التى يشهدها فضاء الشأن العام».
لا يكتفى دريدا بهذه الإشارة، بل يأخذ بعين الاعتبار، مع حنة آرندت، «لا تطور وسائل الإعلام فحسب، بل وكذلك البنية الإعلامية الجديدة، التى أفضت إلى تحوّل فى حكم البديل الأيقونى والصورة والفضاء العمومي".... لقد طرأت على الأيقونات تحولات ذات طابع تقني، «فلم تعد مجرد مظهر خداع للشيء، بل أصبحت الشيء نفسه، أى أنها لم تعد تكتفى بتمثيله، بل صارت تحل محله وذلك بنقضه. وهكذا تصبح - فى الآن ذاته - الأرشيف الوحيد الذى يحفظ الحدث، والحدث المحفوظ نفسه".
لعل هذا هو ما أصبح يشكل فى حياتنا المعاصرة نوعًا من الكذب «السلمي» «الديمقراطي»، «الكذب الظريف» الذى لا يبدو أنه محتاج إلى «إتلاف وثائق ومستندات»، ولا حتى إلى قضاء مبرم على الواقع، وإنما صار يكتفى بتفتيت الأحداث وحلّها إلى وقائع جزئية تغيّب معناها وتذيب دلالاتها. فكأن الكذب لم يعد إتلافًا للحقيقة، وإنما أصبح إتلافا للمعنى. ذلك أننا لم نعد اليوم عاجزين عن تصديق ما يقع أو تكذيبه، وإنما أصبحنا عاجزين عن «فهمه» واستيعابه. هذا بالضبط هو الشكل الجديد للكذب الذى أصبحنا نعيشه، والذى تكرّسه وسائل الإعلام الحديثة التى تجعل البديل يحل محل «الشيء نفسه»، فتعمل على تغييب الواقع، وتلاحق تطوّر الأحداث لتجعل منها راهنًا دائمًا، ووقائع جزئية لا تنفك تتلاحق، وتجعلنا عاجزين، لا عن تمييز الصدق من الكذب فحسب، وإنما حتى عن تمييز البدائل عن الأشياء، وتبيّن الدلالات، وإدراك المعاني.)
طبعاً، يمكن الرجوع إلى كتاب دريدا، بصدد " تاريخ الكذب "، وكيف أن أغلبية النقاط الواردة هنا، تستقر في متن كتابه هذا. بدءاً من الحديث عن نيتشه وكلامه عن " تاريخ خطأ، ص 10 "، ومفهوم الكذب عند القديس أوغسطين " ص 11 -13 – 17 "، ومفردة الكذب باليونانية وتنوع معانيها " ص 13 "، وكيف أن الكذب يتخذ طابعاً إنجازياً " ص 31 "، ويتوقف عند أرندت كثيراً " ص 35-38-40 "، والتمييز بين الخطأ والكذب " ص 78 " والعودة إلى ارندت والكسندر كويري " ص86- 89-105-115..."...الخ.
ولعل الرجوع إلى المقالات الثلاثة، والمقارنة بين الوارد فيها مجتمعة، وبنية كتاب دريدا، يفيد المعني بالحقيقة، على أكثر من مستوى: مستوى قراءة المفهوم " الكذب " وهو بحضوره الثقافي، الفرنسي، اليهودي، الإنساني لدى دريدا، حيث يحمل بصمته، ظله المعرفي، متخيله الفلسفي، مغامرة التفكيك لديه. إنه " كذبه " بالمعنى الاكتشافي، وإن كان استفاد من كل من أوغسطين، روسو، ارندت، وكويري...الخ، كذبه الذي يتكلمه، وهو يحمل " أسماءه " إن جاز التعبير، ومستوى إقامة العلاقة مع المفهوم هذا، كونه مفهوم الآخر، وقد غاب أو غيّب هذا المركز الحصيف، حيث إن بنعبدالعالي، عدا عن " تعسفه " في الكتابة، " وسرقاته " من نفسه " وتلاعبه بالمقتطفات، بالكاد يستعين بالأقواس الدالة على مقولات الآخر، إذ لو أنه أخلص في ذلك، لما كان له أي حضور يُذكر، عدا عما تقدَّم، تناول الكذب في المقالات الثلاثة، وهو واحد، كمفهوم " انفجاري " متعدد الدلالات، بخاصية طفالية" عكازية "، ولهذا، غابت عنه صفة الباحث بالذات، وليس المفكر، فما أبعده عنه، وبالتالي، أجد أن مقال الكذب لديه، هو كذبه فيما جاء به، بالمعنى الحرفي الذي لا ينقسم، ربما يكون المكر حاضراً، في من لا يعلَم بأمر مرجعه. وهنا، أتصور عموم كتابه " جرح الكائن " شأن جل كتبه التي تتبعت مضامينها في كتابات سابقة، بوصفه " فضيحة الكائن " ليس إلا !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى