محمد مهدي الجواهري - أفتيان الخليج.. شعر

أعيذك أن يعاصيَك القصيد = وأن ينبو على فمك النشيد
وأن تعرو لسانك تمتمات = وأن يتفرط العقد الفريد
أعيذك ان تتوه بكل واد = وأنت لكل سامعة بريد
فكن كالعهد منتفظا شبابا = وجود أيها اليفن المجيد
فقد آلى وريدك ان يغني = بحب الناس ما نبض الوريد
وقائلةٍ أمَا لك من جديدٍ = أقول لها: القديمُ هو الجديدُ
كشفتُ بأمسِ وجهَ غدٍ رهيب = أماطت عنه قافية شرودُ
"كزرقاء اليمامة" حين جلىّ = مصائرَ قومها بصرٌ حديد
وما كنتُ "النبيَّ" بها ولكنْ = نبيُّ الشعر شيطانٌ مريدُ
لعمركِ إنَّ سادرةَ الليالي = إذا لم تُخشَ عودتها تعودُ
تعود بمثل ما حملتْ وألقتْ = ومثلِ لداتهِ الفجرُ الوليد
ومن لم يتعظ لغدٍ بأمسٍ = وإن كان الذكيُّ هو البليد
أفتيانَ الخليجِ ورُبَّ ذكرى = تُعاد ولا يمِل المستعيد
سعيت إليكمُ يحدو ركابي = لقاءُ صنوُ مسعاكم حميد
إلى هذي الوجوه تشع لطفاً = يشع بمثلها هذا الصعيد
تحدبتم علىَّ ينثُ حولي = نديُّ الحبَّ و الطفُ المجود
فبوركتم و بورك ما تبنت = مواهبكم و بوركت الجهود
بكم و الصفوةِ الواعين تاهت = بأجمل واحة قفراء بيدُ
من الملح الأجاج مشى رخياً = يرقّص نخلة شبمٌ برود
يسيل بقاحلٍ عذب فراتٌ = وفي الرمل اليبيس يرف عودُ
وقفت على الخليج تذوب فيه = زمردةٌ يزانُ بها الوجود
تدور على الحِفاف كما استدارت = على النحر القلائد والعقود
طليقاً لا المسافُ يحد منه = ولا تقف الحواجز والسدود
وحول ضفافهِ يمتد نبعٌ = بما يُحيي يفور وما يبد
حقول النفط تسمنُ راصديها = وغازيها وإن سَمُنَ الرصيد
فقلتُ وفي البداوةِ ما يزين = البُداةَ و في الحضارةِ ما يشيد
أبوظبيٍ بما أخذت وأعطت = عروسٌ مهرُها نارٌ وقود
وعنَّت لي رؤى هيمٍ طواتٍ = تلفهمُ التهائمُ والنجود
جحاجيحٌ وكم عمُرت عصورٌ = بما شقيتْ جحاجيحٌ وصِيد
تهاووا فوق حَرَّتها ركوعٌ = لهم من حولها ولهم سجود
و دبوا فوقها و لهم لحودُ = وذابوا تحتها ولهم لحود
أفتيان الخليج و ليس تألوا = دروب المجد تَعمرها الوفود
مشرفةٌ هوى صيدٌ وصيدُ = عليها و التوى جيدٌ وجيد
يشبُّ الجيل بعد الجيل منها = لحودُ الصامدين هي المهود
وخالدةٌ على الذكوات منها = يمد جناحهُ الأبد الأبيد
أهيبُ بكم و قد رجفَ الصعيدُ = ومات الوعدُ وأنتفض الوعيد
وزلزلت البسيطةُ وأستنامت = على الأضغانِ أيقاظٌ رقود
وباتت أرضنا كرةً تنزى = على الفرقاء تركنُ أو تميد
وأضحتْ ساحةُ الألعابِ فيها = كأقصر ما ترسَّمت الحدود
تَخَطفُها على نسقٍ بروقٌ = وترعبها سواسية رعود
ويوشك فرط ما دُحيت بناها = على الرمضاء ينتثر الجليد
حذاري بني الخليج فثمَّ وحشٌ = حديدُ الناب مفترسٌ حقود
خبيث الكيل في شركٍ خفيٍّ = يصيدُ عوالماً فيما يصيد
يغازلكمْ مروادةً و يُغزي = سواحلكم أساطيلاً ترود
أفتيان الخليج ولا خيارٌ = وأن زعم الدعاةُ ولا محيد
و ليس هناك إلا من يطاطي = إلى المستعمرين و من يذود
وما لضياعنا أملٌ يُرجّى = سوى أن يُجمعَ الشملُ البديد
فيالك أمةً قُسمت ثلاثاً = وعشريناً وتسألُ هل مزيد ؟
تُعد لكل واحدةٍ طبولٌ = وحراسٌ و ترتفعُ البنود
وعند الهندِ ربعُ الكون عداً = وفي شطرين تنقسمُ الهنود
ودجالين يصتنعون سحراً = وترياقاً بما صنع الجدود
تَعِلّاتٌ تشوق وهم صحاةٌ = وأطيافٌ تروق وهم رقود
ولم يُعطِ الجدود القدس يوماً = ولا أحتلت فلسطيناً يهود
ولا كانوا مقادة أجنبيٍّ = متى وبكيف ما يهوى يقود
صلاح الدين كان يفتُّ خبزاً = وكان ينام أرضاً والجنود
وكانَ يَمُدْ زنداً للمنايا = فتتبعهُ مطاوعةٌ زنود
وها هو عنده فلكٌ يدويِّ = وعِند منعمٍ قصرٌ مشيد
يموت الخالدون بكل فجٍ = ويستعصي على الموتِ الخلود
أفتيان الخليج ولا عقوق = لنذر الواهبين ولا جحود
ولي ولكم هُناك دمٌ وحنا = وخدرٌ شاردٌ وأخٌ طريد
ونحن غداً لموعودون سُوحاً = يُلف على القريبِ بها البعيد
سِوى أنا بضوءِ دمٍ زكيٍّ = يعنُّ لنا رؤي شنعاء سود
رؤى متفرجين على الرزايا = كأنهمُ على عُرسٍ شهود
تُنز جراح أهليهم و يؤذي = منعَّمةَ الخياشيمِ الصديد
أفتيان الخليج وكل زرعٍ = رديءٍ سوف يلفضه الحصيد
وسوف يرفُ بعد اليوم ظلٌ = على جمراتِ هاجرةٍ مديد
سيُبدل من صدى نغمٍ شقيٍ = بأنغام المنى وترٌ سعيد
فإن تك أطبقتْ جُدرُ الليالي = فسوف يُشقُ من فجرٍ عمود
وإن تَزِدِ الميوعةُ من بَنِيها = فأم الضرِّ والبلوى ولود
سينهظ من صميم اليأس جيلٌ = مريدُ البأسِ جبارٌ عنيد
يقايضُ ما يكون بما يُرَجَّى = و يَعطفُ ما يُراد لما يُريد
أعلى