محمد قرانيا - ثلاث ليالٍ من ليالي ألفِ ليلةٍ وليلة

1- شهرزاد الملكة:‏

.... ويروى أن شهرزاد، بعد أن استطاعت إغراء الملك شهريار بحكاياتها المسليّة المثيرة، وبحديثها الشائق المعسول، وجسدها الدافئ المخدّر، جعلته ينسى شيئاً فشيئاً صلَفه وغروره، وظلّت تسقيه من رحيق الغزل العذب، حتى انصاع إلى رغباتها مكسور القلب، وأرغمته على التنازل لها عن كرسي العرش، فتسنّمت سدّة الحكم، وأخذت تحكم البلاد، وتسوس العباد، ببراعةٍ وذكاء، حتى ذاع صيتها، وعمّ الآفاق....‏

ثم إن شهرزاد، عندما تمكنت من السيطرة على دفة الحكم، وكانت تشعر بما سامه الرجالُ بناتَ جنسها من ألوان المهانة والإذلال، قَدَحَتْ ذهنها، وعملت فكرها في الطريقة التي يتوجّب أن تعامل بها الرجال، لتأخذ بالثأر لجميع النساء اللواتي امتهن شهريارُ شرفَهن.... ولمّا كان منظر القتل يثير في نفسها(التقزّز والقرف) والامتعاض، لاعتقادها بأن(القوارير) لا يليق بهن سفكُ الدماء، انتهى بها الرأي إلى أن استدعت(مسروراً) الجلاد، وأمرته بأن(يحصي) الرجال في البلاد، لكن مسروراً الجلاد، لمّا كان يعلم ما آل إليه الحال من انحطاط وفساد، خاف مغبَّةَ عمله المشؤوم، وسأل الملكة شهرزاد أن تزوّده بكتاب موسوم بخاتمها السنيّ، فأمسكت شهرزادُ عن الكلام، وأخذت قلمها المصنوعَ من ريش النعام، وبلّلته بحبر السواد، وكتبت:‏

"من شهرزاد ملكةِ البلاد، إلى مسرورٍ الجلاد. اِحصِ الرجال، في الحال"‏

وانصرف مسرورٌ من(حضرة) الملكة مرتاعاً مشغول البال، ونسيَ ساعةً ما طلبت إليه الملكة، فوضع الكتابَ بجانب ذبالة مصباحٍ، وقضى ليلته مؤرّقاً حتى الصباح، وفي تلك الأثناء جاءت ذبابةٌ، وأخذت تحوم حول الضوء، ثم حطّت رحالها فوق صفحة الأمر الملكي، ووضعت (سقْطتها) فوق حرف الحاء...‏

ونهض مسرورٌ المهموم، فأعاد النظر في الكتاب، وشرع يقرأ الطلب المستجاب، وفوجئ بأمر الملكة العجيب وطلبها الغريب، وقد كتبت بخطها الناعم(اِخصِ الرجال)... وبعد لحظاتٍ من التفكير والتدبير، لم يستبعد نزوات النساء عندما يتحكّمن في الرجال، ضحك مسرور وقال: هذا أمرٌ يسير، ثم تناولَ عُدّته، وابتدأ عمله بهمةٍ ونشاط، من دون أن يلقى أيّ معارضةٍ، مبتدئاً برجال القصر، وأنشأ يخصيهم واحداً بعد الآخر، ومن دون أن يعبَأ بصيحات الرجاء والاستغاثة،....‏

ولمّا تناهى الخبر إلى الملكة شهرزاد، ضحكت كثيراً، ثم قالت:‏

-الحمد لله، لقد كفانا مسرورٌ الدجال، مؤونة التفكير في محنة الثأر من الرجال.‏


***‏


2- عودة السندباد:‏

... ثم إنّ السندباد بعد أن رأى الموت بأم عينيه مراتٍ ومرات، على أثر تحطّم سفينته، بعد عاصفةٍ هوجاء، في مياه المحيط الهدّارِ، ظلّ متشبثاً بقطعة خشبيةٍ من حطام السفينة، مكث فوقها ثلاثة أيام بلياليها.... تتناوشه آلامُ الجوع والخوف والتعب، وعند ما، مَنَّ عليه الرحمن بالوصول إلى شاطئ السلام والأمان، فحطّ الرحال مرهقاً مشتت النفس، تنّسم الهواء، وأيقن أنه قد كُتب له عمرٌ جديد، فيمّم الأنظار صوب المعمورة، حتى وصل المدينة، فدخلها، ولكنه وجدها على غير ما كان يعهد، إذ بهرته الأضواء الساطعةُ، والبهارج الخادعة، ثم وقفَ يتساءل عما حدث لهذا الزمان، فكل شيء رآه على غير ما يرام.... ثم ساقته قدماه باتجاه الشوارع العريضة، فوجدها، عامرة بأصوات القيان، التي تصدح كأنها أغاريد البلابل التي ترسل أعذب الألحان، على أنغام موسيقا النهوند والصبا والسيكاه، ورأى الناس سكارى وما هم بسكارى، وحاول أن يجد رجلاً واحداً يسأله، فلم يجد غير النساء أو أشباه النساء من الرجال، فتجرأ وأوقف واحدةً كانت تمشي مترنحة، وسألها عما يحدث في هذه المدينة، فتضاحكت ضحكةً طويلة حتى كادت تنقلب من فرط غبطتها، وقالت:‏

-صحّ النوم يا وسنان، أنت في مدينة(النسوان).‏

ولمّا سألها عن الرجال، قالت:‏

-إنّ شهرزاد، قد أمرت بخَصْي الرجال، فإن كان أمرها السنّي لم يصل إليك، فانتبهْ لنفسك، وارحلْ عن هذه المدينة في الحال.‏

وطاف السندباد تلك الليلة بالشوارع، تدفعه الدهشة وحبّ الإطلاع، فلم يجد غير نوادٍ مشرعة الأبواب، ونساءٍ متبّرجات يغنين ويرقصن ثملاتٍ متمايلات، كأن على رؤوسهن أسنمة جِمالٍ ولا تستر أجسادَهن سوى غلالاتٍ شفاّفة، تفوح منهن روائح العطر الأخاذ، وتفحّ من أجسادهن الشهوة الشبقة،....‏

وعقدت الدهشة لسان السندباد، لكنه ما لبث أن قَدَح زناد فكره، فقرّرَ أن يغادر المدينة لتوه، وهو يتمنى في قرارة نفسه لو أن العمر قد انتهى به قبل أن يرى ويسمع ما آل إليه حال هذا الزمان، وأهله، كما تمنّى لو أنه قضى مع مَن قضى مِن ضحايا العاصفة الهوجاء، وتساءل حائراً عن إمكانية العيش، ومواصلة الحياة في مدينة(الخصيان) بعد ما تسنّمت شهرزاد زمام أمر العباد والبلاد..... ثم وضع عصا الترحال على كتفه وسار من دون أن يلتفت إلى الوراء.‏


***‏


3- الطوفان:‏

ثم أدركت الوصيفة ذات المحاسن اللطيفة، أن سيدتها التي تتثاءب في خدرها قد أَلَمَّ بها الكرى، وأنّ طيفاً جميلاً يحوم حول عالمها. في هذه اللحظات، انسحبت متسللةً بهدوءٍ تجرّ أذيالها الطاووسية، لكن شهرزاد تنبّهت لحركتها، فصاحت بها، وأمرتها أن تعود لتمسك مروحةَ ريش النعام، وتبرّدَ الجوَّ فوق سريرها المصنوع من العاج، والأصداف، ثم قالت شهرزاد الملكة مخاطبة الوصيفة الماكرة،‏

-أراكِ مَلَلْتِ الخدمة، وأنتِ لا تزالين في مقتبل العمر؟! واحسرتاه على عمل الرجال!. كان الواحد منهم يدخل القصر للخدمة غلاماً، فلا يخرج منه إلاّ كهلاً؛ ولكن ماذا يفيد الكلام؟!‏

قالت الوصيفة ذات المحاسن اللطيفة: تُسَوّغ فعلتها:‏

-لقد سمعت(يا صاحبة الجلالة) العرّافةَ العجوز تُدمدم بأشياء غريبة، فأردت الخروج لاستبيان حقيقة الأمر.‏

فاستشاطت شهرزاد غضباً، وقالت:‏

-إذاً تحدث أمورٌ في المملكة، ولا أعلم بها... إليّ بالعرافات والراجمات بالغيب، وفاتحات المندل، ومبصّرات الرمل، وضاربات الودع، وقارئات الفنجان..... فلمّا صِرن بين يديها، سألتهن عما يحدث في مملكتها الأنثوية، أفادت العرافة الشمطاء:‏

-إنّ الينابيع قد جفّت، والمواسمَ قد أقحلت، وأتى الجراد على ما تبقى من الخضرة، فلم يترك خلفه إلاّ يباباً،، أو غَثاءً أحوى... وأنّ طوفاناً لا محالةَ قادمٌ، فالسماء ملبّدةٌ بالغيوم السود والريح تنفخ أبواقها، وتئنّ كأنها عزيف الجن.... وثمة خطرٌ داهم!!.‏

ثم نهضت شهرزاد فوق سريرها، فتكشّفت غلالاتها الحريرية عن جزءٍ من عورتها، وتساءلت:‏

-ما الحلُّ، يا صاحبات الشأن والطَول؟!‏

فردّت العرافة الشمطاء:‏

-الأمر في غاية البساطة، وما عليك يا صاحبة الجلالة، إلاّ أن تبتني قصراً منيفاً شاهقاً يناهز السحاب، فوق أعلى قمة في البلاد، وتقيمين فيه مع خصائص الوصيفات والخصيان، وتنجين فيه من هول الطوفان.‏

ثم إنّ الملكة شهرزاد، أعجبت بالفكرةِ، فانتقت أعلى قمةٍ على جبل(سنجار) وابتنت فوقه قصراً لا مثيل له في الروعة والفخامة ثم انتقلت إليه مع من تحب، ووضعت فيه من كل زوجين اثنين، حرصاً على بقاء النوع، وعدم انقراض الجنس، فكنتَ ترى العقاربَ والسحالي والثعابين وكلّ شيء مما لا يخطر على بال، من دون أن تفطن(سموّها) إلى الرجال.... ثم استدعت شهرزادُ العّرافةَ الشمطاء إلى غرفة العرش، وسألتها عن موعد الطوفان، فأفادتها" إنه سيحدث الطوفان عندما يطأ أولُ رجلٍ امرأةً تحت سماء المملكة"، لكن الملكةَ شهرزاد ضحكت كثيراً ثم قالت:‏

-أنسيتِ أن جميع الرجال صاروا مخصيين،‏

وكان السندباد، قد وصل في تلك الأثناء إلى قريته الصغيرة الوادعة، فسلّم على أهله وجلس، فغسلت له زوجه، رجليه بالماء الساخن والطيب، ثم أطعمته، ثريداً ولحماً، فامتلأ بطنه والتفت إلى أولاده فداعبهم، وعندما حان موعد النوم آوى إلى فراشه، فتمدّد عليه، ثم جاءت زوجه على أحسن حال من الزينة والبشاشة، تمشي على استحياءٍ، ودارت حوله ثلاث مراتٍ، وهي تقول بغنج أنثوي ودلالٍ:‏

-هل لك حاجةٌ؟‏

فقال:‏

-هَيْتَ لكِ.‏

ثم شدّها إليه ووطئها تلك الليلة.....‏

...... ثم تروي الأساطير، أن السماء جادت بمطرٍ غزيرٍ فوق مدينة الخصيان، فأغرقتها، وغمرت الأودية والشعاب، ولم تتوقف عن الجود بخيرها حتى بلغ الماء أعلى قمةٍ في جبل سنجار، وبدأ القصر يغرق بمدّ الطوفان، عندئذٍ، تعالى صُراخ النساء، وكثر عويلهن، وركضن مذعوراتٍ عاريات.... وسُمعت شهرزاد تنشج وتستغيث، وتندب متحسرةً:‏

-آه، لو كان معنا رجال!!!‏

وما هي إلاّ لحظات حتى طغى الماء، وحاصر القصر من جميع الجهات، فساد العالم صمت وسكون شامل.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى