فوزية ضيف الله - ضمير شقي..

ها قد نام الليل. ولكن ضميرك الشقي كان يخالف تراتيب الحجر الصحي. يتسكع في الطرقات التي هجرتها خطواته منذ مدة، ويطرق قلوبا اغلقت ابوابها عندما صارت الحياة منسوجة من النوم والاكل. كان ضميرك شقي الروح، بهي الطلعة يتصعلك في جوف الليل يختبئ وراء أعمدة الكهرباء كلما داهمه شرطي المرور. يشعل سجائره يهتدي بها حينما يكون النور منعدما في الانهج الضيقة، ثم يتلفها محدثا قهقهة تشبه سقوط ضفدع وسط النهر بعد غياب طويل عن الماء. تترنح ساقيك في باب المدينة العائمة في الخوف والتعلق بالحياة، فتجد نفسك مرميا على رصيف الانتظار. صقيع الليل يوقظك من حين لآخر من غفوتك، ولكن ضميرك يظل صاحيا لا ينام. يزور كل البلدان، ويرسل نغماته الشجية واحدة تلو الأخرى الى اصحابه ثم يصيح في وجه الدجاج الذي عج به الطريق المؤدي إلى حديقتها. كان سرب الدجاج يقلد الطيور في ظلمة الليل، حتى اذا سقطت لم يلمح أحد سقوطها. أما كلاب المدينة فقد ناموا نوما عميقا وثقلت بطونهم بالاكل المنهوب من المنازل وصناديق المهملات. غير أن قطا ذكيا كان يتسلق جدران بيت حبيبتك، يتمسك بالملابس المنشورة في شرفتها، ما اذكاه. فقد كان يريد أن يوقظها لترى القرنفل الذي ارتسم على وجهها بعد فترة من الحجر المنزلي. ولكن القط كان ينتظر انشغال ضميرك بوردة القرنفل البري، فيتسلل إلى المنزل يوقظ قطته التي انزوت منذ مدة وقل وصالها.
انغمس ضميرك الشقي يفتت شقاءه مندهشا بالقرنفل الذي ترعرع واينع على خدي اميرته، أما روحك المستترة فقد كانت تزرع ياسمينا لأجل من فارقت أرواحهم الحياة وهم ينتظرون انبلاج الصبح من فوهة البركان. وبينما كان وعيك الشقي يفكر في انفلاتة مفهومية ينقذ بها نفسه من قبضة شرطي المرور، كان جسدك يتهالك في مكانه ويجذبه النعاس إلى عالم المجاز والشعر ، تتراخى قراراته ويستسلم للنوم.


فوزية ضيف الله - تونس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى