عذري مازغ - تأملات في زمن الحجر الصحي

أول مرة البس كمامة، شعرت بأني عجل متوسط الحجم، كنت اتنفس داخلها فأشعر بأن كمية الهواء الذي أخرجه كبيرة جدا، عندما أستنثره يلامس غشاء الكمامة وينتشر على مساحة كل وجهي بشكل أعطاني انطباعا عاما حول سكان الأرض، تأملت كثيرا في هذا الحجم الذي نمثله في الأرض، كم من العجول مثلي فيها؟ فاستنتجت باستغراب كبير ما يلي:

يا إلهي! أكثر من سبعة مليارات عجل تستنشق كمية هائلة من الأوكسيجين في كل ثانية. أتكلم عن تنفسنا الطبيعي فقط دون ان اتذكر تلك الكميات الهائلة التي تستهلكها المصانع والمطابخ وكل الآلات الحرارية، وايضا ثرثرتنا، فكل ثرثرة بكمية هائلة من الهواء.

ينتسب فيروس كورونا إلى الخفاش الصيني، هذا ما قيل منذ البداية على الرغم من ان الأمر مستبعد نظريا، أعني من وجهة نظري، فهذه الكمية الهائلة التي يستنشقها عجل البشر رهينة بأن تخلق كارثة أكبر، أتصور أن الأوكسيجين بدأ ينقرض وان هذه الطبيعة الهائلة أصبحت عاجزة عن تحملنا وأن معادلتها في استعادة التوازن تفترض حكمة ما شبيهة بفيروس كورونا، أفترض أن الخفاش الصيني أصيب بالضيق من انفاسنا لدرجة أصبح يستنثر كل ذرات رئتيه وكل ما يعيق تنفسه داخل أحشائه وأن هذه الذرات التي خرجت من احشائه وجدت متنفسا اوسع خارج جسد الخفافيش وبدات تتوالد وتنتشر خارج دائرة الضيق لتجد مقرا رحبا في رئاتنا.

لسبب ما (ربما شيئ من الحدس في أعماقي) لم ترقني هذه السنة العشرينية وربما كنت الوحيد الذي لم يخرج للاحتفال بميلادها واعترف أن كل ما فعلته بخصوصها كرمز للإحتفال هو اني تلقيت من احدهم باقة جميلة في الفضاء المفترض فأعدت إرسالها في الافتراضي أيضا لبعض الأصدقاء، وطبعا ساهمت التكنولوجيا في الإعفاء من التكليف وأصبحت أيضا الأنساق السلوكية تفصح أكثر عن نفاقها، تصوروا تبادل التهاني في ثمانينات القرن الماضي حيث كانت عبر الرسائل، كانت ذات قيم معقولة وتكليف وجهد وكانت ترسل للاعزاء فقط، اما اليوم أصبح النفاق مجانيا فيها وترسل حتى للعدو، أمس فقط كان عيد الفطر وكانت التهاني فيه كهطول المطر وأغلبها يحمل تلك العبارة المجانية الرائعة: "عيد سعيد..، تقبل الله صيامنا وقيامنا .." وترسل حتى للذي لا يقوم ولا يصوم، يعني لا وجود لذرة التكليف فيها من قبيل تغيير التعبير المجاني اعترافا بخصوصية خاصة، واعتراف عملي بالاختلاف من قبيل ان نعرف أن فلانا لايقيم الصلاة على الأقل وان فرتلانا لايصوم ولا يقيم.. كيف لهؤلاء مثلا أن يستوعبوا مثل هذه التهنئة إذا لم يلمسوا من الآخر اعترافا بتنوعهم او تميزهم ، لقد أضحت لغة الإختلاف استهلاكا لملإ الفراغ، بينما التعميم المجاني في التهنئة أصبح قتلا للآخر، نوعا من القتل المعنوي، قتل الذين تختلف عنهم او معهم، نوعا من كورونا يصيب أو أصاب السلوك البشري.

الكثير يقلل على الصين تقدمها برغم كونها الدولة الوحيدة حتى الآن التي حدت من انتشار الفيروس، يعتقد الكثير انها هي من صنعت الفيروس وليس خفاشها (خطاب المؤامرة) ورغم ذلك الصينيون حتى الآن يردون بأن الجدل هذا ليس الآن نقاشه لان المهمة الآن هي القضاء على الجائحة، حتى الآن الصين لا تريد ان تشارك في الجدل ربما لأنها تعرف السبب أو لأنها بالفعل لا تعرفه وشخصيا افترض نظرية جديدة، احتمال أشبه باحتمالات الدكتور المغربي المثير للجدل، لا أقصد الذي عينه ترامب، أقصد الذي رفض نداء ترامب، والنظرية الجديدة هي : إذا كان الفيروس خفاشيا، فإن مضاداته ستكون هي الاخرى خفاشية، أي من داخل جسم الخفاش، وفي نظري هذا هو سر سكوت الصين وسر سيطرتها على الفيروس : إنهم من آكلي لحم الخفافيش وإنهم أيضا اكتسبوا مناعتهم من اكلهم لحم الخفافيش ومن شرب دمها ومن هنا انا على نقيض الدكتور الأمريكي المصري (العرب يسمونه الطبيب المصري فقط بينما في الحقيقة هو مجنس امريكيا) الذي اعتمادا على رصد معين حول انتشار الجائحة، لاحظ وجود مناعة لبعض الشعوب ممن كانت تستعمل لقاح السل وانتهى نظريا إلى احتمال مفاده ان لقاح السل قد يفيد ضد كورونا بينما استنتاجي يختلف كثيرا منه وهو ان تلك الشعوب كانت تشرب دم الخفافيش اعتقادا منها بأنه مفيد للذكاء، ذكاء العرب وهنا يمكننا ملاحظة بعض الترابط بين الصين وبين مدار انتشار الأمة المغممة التي انتشار الفيروس فيها محدد.

تصوروا، برغم أني استمعت لكثير من الخبراء في علم الجوائح لم اهتم كثيرا بها منها مثلا تلك التصريحات لخبير بريطاني حول المؤامرة: " إن الفيروس خلق لقتل الشيخوخة في دول العجائز والعجوزون" على الرغم من انها تبدو منطقية إلى حد ما.

لم اهتم أيضا للخبير الروسي الفاقد لأسنان القواطع والتي مفادها أن الأغنياء منذ سبعينات القرن الماضي كانوا ينظرون لتطوير نظرية البقاء للأقوى، واذكر تصريح فيزيائي أمريكي نال شهادة نوبل (أعتذر الآن عن ذكر الأسماء لأن ذاكرتي لا تحفظها) اعتبر فيها قتل الشعوب المستضعفة أمرا مشروعا لإنقاذ النسل البشري من خلال الحفاظ على نوع من البشر جسده في نخب الفن (المهرج من طبقتهم) والعبقرية الرياضية والفيزيائية والعلمية بشكل عام: "إن القارب صغير ويجب أن لا نثقله بالعجول التي تستهلك الأوكسيجين اكثر" (القولة لي طبعا وهي تتماهى مع خلاصة ذلك الفيزيائي السوبيرمان) أي إعادة إنتاج قارب نوح عليه السلام .

خبير آخر جمع كل الخلاصات المتناقضة وجملها في جملة مفيدة: كورونا هي السفينة التي ينطبق عليها المثل القائل: "تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن" أخذ شيئا من نظريات المؤامرة، شيئا من الانتخاب الطبيعي، وخلص إلى نتيجة مفادها أن السبق في اكتشاف اللقاح لم يكتسب هذه الاهمية القصوى لو لم يصب أغنياء الارض قبل فقرائها من شاربي دم الخفافيش املا في الذكاء وهنا مربط فرس آخر !

لأول مرة في التاريخ الحديث وجب على السلطة الرابعة ان تتوقف عن إنتاج الأحداث وفق الصناعة الإيديولوجية، صحيح ان مهمتها هي تأطير الحدث إيديولوجيا (وطبيعي جدا: إنها تخوض صراعا اجتماعيا طبيقيا حقيقيا لتسييد موقف الذين يدفعون لها)، لكن ليس من حقها ان تكذب اكثر حفاظا على استمرارية وجود النسل البشري، فالكذب بحجم اكبر يحدث خللا بيئيا، اجتماعيا، اقتصاديا وسياسيا ويوصله إلى كارثة بحجم قنبلة نووية، بعبارة اخرى: السباق نحو إنتاج لقاح لكورونا مثل السباق نحو غزو الفضاء، يمكن للبعض أن يغزو الفضاء بفيلم هوليودي مثل غزو سطح القمر بقماش لا يتحمل الموجات الشمسية لنرى عجلا امريكيا يرقص فوق سطح القمر .

لم اذكر كل تأملاتي، ربما في مناسبات متفاوتة سأعود لأذكر بعضا منها فنظام الحجر الصحي جذير بالإهتمام اكثر تجاوزا للرقابة والمراقبين، النقد اللاذع جسم مضاد لكورونا ودليلي في الأمر هو ان الحرب هذه المرة قوية بين اليسار واليمين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى