عبد السلام بنعبد العالي - في الهاتف المحمول

في قصيدة ملحون موضوعها خصام بين الثابت والمحمول، يعيب الهاتف الثابت على خصمه كثرة أسمائه، وعدم ثباته وشدة تحرّكه وتبدّله، فينعته بأنه مجرد لُعبة عاشوراء (قشيوشة دلعاشور). فهل المحمول بالفعل مجرد لُعبة نلهو بها، أم أنه كائن اجتماعي «كلي» حوّل كليّا علائقنا بالمكان والزمان، بالآخرين وبالعالم؟
أوّل ما تنبغي ملاحظته هو أن المحمول ليس مجرد هاتف، فقد تجاوزَ نفسه ولم يعد، كما كان في البداية، أداة تواصل. إنه غدا آلة كتابة قبل أن يصير أداة تخزين وأرشيف. نلحظ في وسائل النقل العمومية أن معظم الركّاب غالباً ما يكونون منشغلين بهواتفهم، إلا أننا قلما نراهم يُهاتفون غيرهم ويتواصلون معه. ما أصبح يغلب على مستعملي الهواتف أنهم «يتواصلون» مع هواتفهم، و«ينشغلون» بذواتهم، ويغرقون في أرشيفهم، فتتحوّل هواتفهم من أداة للتواصل إلى طرف فيه.
لا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن المحمول قد تنكَّر لوظيفته الأصلية. فما كان يميّزه دائماً عن الثابت هو «إتقان» تلك الوظيفة، وإصراره الشّديد على أن يوصلك بمن يريد الاتصال بك. ففضلاً عن أنه يلاحقك أنّى كنت، فإنه ما يفتأ يُذكّرك بأنك مطلوب، ولا مفرّ لك من التواصل، حتى إن لم تردّ في الحين، فإنك ستجد رسالة مكتوبة تذكّرك بأن لا عُذر لك في عدم الردّ. وفي المقابل، ينبّه من هاتَفَك بأن بإمكانه الآن أن يتواصل معك وأنك أصبحت «شاغراً»، أو أنك لم تعد منفلتاً من «التغطية».
فعلى عكس الهاتف الثابت الذي يسمح لنا بنصيب من الحرية، فيتيح لنا أن نغيب ونمتنع عن الردّ، أو نختار من نردّ عليه من غير ضغوط، فإن الهاتف النقال «يغطّينا» بكاملنا، ويضبط حركاتنا وسكناتنا، ويرغمنا على الاتّصال والتواصل. في هذا السياق يذكّرنا بعض الدّارسين بالأصول العسكرية لأدوات الاتصال الحديثة التي تبعث إلينا «أوامر» مكتوبة لا محيد لنا عن تطبيقها. فهذه الوسائل تجعلنا تحت الإمرة أنّى ومتى شاءت.
من الألفاظ التي تقترن بالهاتف المحمول لفظ «التعبئة». فضلاً عن معانيه المباشرة التي تدلّ على الشحن الكهربائي وتزويد الهاتف بالرّصيد، فإنه يضمر معنى آخر لَعلّه أكثر أهمية. ذلك أن المحمول يأخذ بتلابيبنا، ويعبؤنا فيرغمنا على الردّ والاستجابة، بل على العمل المتواصل. ولكي نظلّ في السياق العسكري الذي أشرنا إليه لنقل إنه «يجندنا» في كل وقت وحين(NOUS MOBILISE). في هذا السياق، يُحوِّر أحد الدارسين عبارة كانت قد ظهرت إعلاناً مع بدايات المحمول تقول: «باقتنائك للمحمول، يغدو العالم في يدك». غير أن تطوّر الأمور جعلنا في تعبئة دائمة وغدونا نحن الذين «في يد العالم» صباح مساء.
كأن المحمول قد أعاد ترتيب زمانيتنا التي كانت تخضع لإيقاع معروف يميّز بين أوقات العمل وأوقات الفراغ، بين فترات يركن فيها المرء إلى نفسه فيوصد الأبواب دونه، وبين أخرى يسمح فيها للآخرين بأن يقتحموا خلوته. غير أن «الخليوي» لا يبدو أنه يعطي للخلوة اعتباراً.
تذهب إعادة النظر في الزمان هاتِه أبعد من ذلك بكثير. ذلك أن «الموبايل» يعمل على أن يرسّخ في أذهاننا ما يصحّ أن ندعوه زمانية معكوسة. فالزمان بالنسبة إليه ليس هو ما مضى وما ينفك يمضي، بل هو ما تَبقّى. إنه زمان مسدود الأفق، مشدود إلى نهايته. وهو ليس جمعاً وتراكماً، وإنما عمليات طرح لا تنتهي: فرصيدي سينفد بعد مضيّ المهلة المعينة، وفرصة الاستفادة من التخفيض ستنتهي بعد المدّة المحدودة. وهكذا أجدني متوجساً مما سيأتي، أحسب «ما تبقّى»، مدفوعاً إلى الاستفادة ما أمكنني من الرّصيد الذي سينفد بعد مدّة لا أملك وسيلة لتغييرها، فأخوض في البحث عمّن يقبل التواصل معي استغلالاً للفرصة، وإنقاذاً للرصيد واستباقاً للزمن.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى