سعد عبد الرحمن - من سور الأزبكية..

الطبعة الأولى من كتاب " فنون الأدب " للكاتب الإنجليزي ھ .ب . تشارلتن ( 1892 - 1961 ) و تعريب الدكتور زكي نجيب محمود ( 1905 - 1993 ) الذي ترجم الكتاب تكليفا من الأستاذ أحمد أمين رئيس " لجنة التأليف و الترجمة و النشر " ، و قد رأت اللجنة أن تجعل في إصداراتها مجموعة كتب بعنوان " سلسلة الفكر الحديث " و الكتاب هو العدد الثاني من السلسلة ، و ظهرت طبعته الأولى التي تقع في 184 صفحة من القطع فوق المتوسط عام 1945 كما هو مكتوب في نهاية الصفحة الأخيرة ، و قد أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب طبعة جديدة منه ضمن إصداراتها لعام 2011 .
مؤلف الكتاب كما يقول المعرب في مقدمته أستاذ الأدب في جامعة مانشستر بإنجلترا و العنوان الأصلي للكتاب : " The Art Of Literary Study " أي " فن الدراسة الأدبية " ، و الكتاب قصد به مؤلفه أوساط القراء الذين لم يتعمقوا في أصول النقد الأدبي و لا يريدون أن يتعمقوا فيها فهم يقرؤون آثار الأدباء من شعر و نثر ليستمتعوا بما يقرؤون فأراد مؤلف الكتاب أن يكون لهم مرشدا و معينا و أن يهديهم إلى بغيتهم سواء السبيل .
في الفصل الأول يبين المؤلف لقارئ الشعر كيف ينبغي له أن يقرأ الشعر لكي يسيغه و يتذوقه ، و في الفصل الثاني يحدد لبعض المصطلحات الأدبية معانيها حتى يكون للقارئ أتم دراية بما يقرأ ، ثم يبين في الفصل الثالث لكل فن ميدانه و نطاقه ليتعرف صاحب الفن ما حدوده فلا يطغى الشاعر على ما يجب أن يترك للمصور و لا كاتب القصة على ميدان كاتب الرواية المسرحية و هكذا ، و في الفصل الرابع يوضح لنا الكاتب أصول القصة و أوضاعها و شروطها .
و لا غرو ففي تلك المرحلة التي ترجم فيها الدكتور زكي نجيب محمود الكتاب كانت الفنون أو الأجناس الأدبية متمايزة، لكل فن أو جنس أدبي نطاقه و حدوده التي لا بتجاوزها فيختلط بغيره و بالرغم من أن التماسات و التداخلات الجزئية بين فن أدبي و آخر تحدث دائما و دون توقف عبر العصور إلا أن ماسمي بعد ذلك بنصف قرن تقريبا " الكتابة عبر النوعية " بحسب المصطلح الذي سكه إدوارد الخراط كان أمرا إدا و لذلك لم يكن من السهل القبول به فضلا عن استساغته ، و ما أكثر الكتب و المقالات التي كانت تدور مادتها حول فنون الأدب و أجناسه المختلفة و تؤكد في معظمها خصائص كل فن أو جنس أدبي و ملامح تميزه عن غيره من فنون الأدب و أجناسه الأخرى .
و في الفصل الرابع يوضح الكاتب لنا أصول القصة و أصولها و شروطها توضيحا دقيقا و بارعا، كما يوضح في الفصل الخامس أصول الرواية المسرحية و شروطها ، و يعلق الدكتور زكي نجيب محمود على ذلك بقوله : و لعلنا في ذلك العهد ( الأربعينيات ) الذي أخذت فيه القصة و المسرحية تلتمسان سبيلهما إلى الظهور في الأدب العربي أحوج ما نكون إلى هذين الفصلين الأخيرين من الكتاب ، فليس من يمشي مكبا على وجهه أهدى ممن يمشي على صراط مستقيم .
و قد أخذ الدكتور زكي نجيب محمود على نفسه - بحسب تعبيره - أن ينقل آراء الكاتب نقلا أمينا لا زيادة فيه و لا نقصان و لكنه خالف سنة لجنة التأليف و الترجمة و النشر في مسألة الالتزام بالترجمة الحرفية فكان يقف هنا سطرا أو سطرين ليوضح فكرة معينة يخشى أن تكون غامضة على القارئ العربي ، و ربما يضطر إلى أن يقتضب سطرا هناك أو سطرين ليتجنب إطنابا ليس فيه كبير غناء أو فائدة يعتد بها، و أرجح أنه لهذا السبب لم يكتب على غلاف الكتاب " ترجمة " بل كتب " تعريب " ، و قد استباح أو قل سمح لنفسه المترجم أو بتعبير ادق المعرب أن يبدل عنوان الكتاب فيجعله " فنون الأدب " بدلا من" فن الدراسة الأدبية " .
و لأنه من البديهي أن يسوق مؤلف كتاب في النقد الأدبي العديد من الأمثلة و الشواهد للبيان و الإيضاح ، و من البديهي أيضا أن بعض تلك الأمثلة و الشواهد ما يفقد في الترجمة موضع التمثيل و الاستشهاد بحيث لا تعود له دلالته التي أريد له أن يوضحها و تلك مشكلة يعرفها من يعاني ترجمة الأدب لا سيما الشعر ، لذلك اضطر الدكتور زكي نجيب محمود إلى التصرف الشديد فحذف بعض تلك الأمثلة و الشواهد و حاول جهد المستطاع أن يستبدل بها أمثلة أخرى من الأدب العربي تدل بعض الدلالة على ما قصد الكاتب أن يوضحه ، و أمثلةو شواهد أخرى أثر أن ينقلها إلى العربية كما هي لأن الترجمة لا تفقدها الفكرة و إن أفقدتها شيئا من جمال لفظها ، كما فضل المترجم ألا يفصل الأمثلة الدخيلة في هوامش الكتاب كما يفعل كثير من المترجمين بل أجراها في سياق الحديث معللا ذلك بأنه من أجل أن يخرج القارئ العربي بشيء قريب من الأثر الذي يخرج به قارئ الكتاب في أصله الإنجليزي .
و يلاحظ على تعريب الدكتور زكي نجيب محمود أنه تعريب ابن عصره و ابن ثقافة المعرب الخاصة و هو أمر طبيعي بلاشك فالمترجم أو المعرب للآثار الأدبية محكوم بشروط ثقافة عصره بصفة عامة و الأدبية بصفة خاصة ، فمثلا في ذلك الزمان كان مصطلح القصة يستخدم للدلالة على القصة الطويلة (الرواية الآن) و على القصة القصيرة ، أما مصطلح الرواية فكان يطلق على المسرحية فيقال للمسرحية " الرواية المسرحية " .
و من ملاحظاتي - إن جاز لي ذلك - على تعريب الدكتور زكي نجيب محمود لا سيما ما يتعلق بتأثير ثقافته الشخصية على طريقته في التعربب أن الأمثلة و الشواهد التي استبدلها بأمثلة المؤلف و شواهده ليس فيها مثال أو شاهد من الشعر الحديث فكل الأمثلة و الشواهد البديلة من الشعر القديم لامرئ القيس و عمرو بن كلثوم و حسان بن ثابت و أبي نواس و بشار بن برد و المتنبي و ابن الأنباري و غيرهم، و لا شك أن المعرب قد وفق في اختيار الأمثلة و الشواهد البديلة لأمثلة و شواهد المؤلف من حيث الأثر العام و لكن في الواقع التطابق في الدلالة بين النصوص البديلة و النصوص الأصلية تطابق جزئي و محدود، و هذا ما جعل المعرب يعتذر عنه ، و في تصوري أن الدكتور زكي نجيب محمود لو اختار نصوصه البديلة من الشعر العربي الحديث لكان من المحتمل أن تتسع مساحة التطابق في الدلالة أكثر بينها و بين نصوص المؤلف ، و لكن أين يذهب المترجم أو المعرب من تأثير ثقافته الأدبية الخاصة ؟ لقد كان أسير ميله إلى الأدب القديم ، و بالرغم من متابعته لكثير من نماذج الأدب العصري و كتابته مثلا عن شعر العقاد إلا أن محصلة القوى ( بلغة الميكانيكا ) التي كانت تتجاذب ذائقته الأدبية في الشعر على وجه الخصوص كانت تشده في اتجاه القديم لا الحديث .
كما أن العنوان الذي وضعه المعرب بديلا لعنوان الكتاب و إن دل على أغلب محتواه إلا أن دلالته منقوصة؛ غير كاملة كدلالة العنوان الأصلي فالكتاب في محتواه ليس مجرد عرض لفنون الأدب الخالصة من شعر و قصة ( رواية ) و رواية مسرحية ( مسرحية ) فحسب بل هو كتاب نقدي في المقام الأول ، و قد خصص المؤلف أكبر فصل فيه للنقد الأدبي أو ما يسميه القراءة النقدية ، و النقد الأدبي في رأي المؤلف غير معني بقيمة القصيدة الخلقية أو الفلسفية بل معني في المقام الأول بصورة الشعر دون موضوعه، و النقد الأدبي أيضا في مفهوم المؤلف هو تحليل وقع القصيدة في نفس قارئها و تعقب عناصر القصيدة و مقوماتها للتعرف على أي تلك العناصر و المقومات التي أحدثت من خلاله القصيدة ما أحدثته من أثر في نفس قارئها ، و المؤلف منذ فاتحة كتابه لا يفتأ يلح كل حين على أنه يستخدم لفظ " الشعر " ليدل به على كل ضروب الأدب التي تقصد لذاتها و جمال فنها لا لنفعها و ما فيها من علم و عرفان .
بقي أن نشير إلى أن نزعة التفلسف التي كانت تسيطر على مؤلف الكتاب في مناقشته لكثير من قضايا الفن بعامة و فنون الأدب بصفة خاصة ربما هي في الغالب ما أغرى الدكتور زكي نجيب محمود بقبول تكليف الأستاذ أحمد أمين له بترجمته .




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى