- حامد حبيب - محمد إقبال

لم يكن( محمد إقبال اللاهوري ) مجرد شاعر أو فيلسوف، بل هو مشروع فكري وروحي كامل في تاريخ الإسلام الحديث.. شاعرٌ أعاد للروح الإسلامية ثقتها بذاتها، وفيلسوفٌ حاول أن يوقظ أمةً بأكملها من سباتها.
وُلد (محمد إقبال) عام 1877م في مدينة سيالكوت (في باكستان الحالية ، وكانت آنذاك تحت الحكم البريطاني).
تنحدر أسرته من أصول كشميرية ؛ وكان والده نور محمد
رجلًا صوفي النزعة، شديد التديّن، ترك أثرًا روحيًا بالغًا في شخصية إقبال منذ الطفولة.
وقد نشأ إقبال في بيتٍ يقدّس القرآن، يحترم العلم، ويجمع بين التصوف والالتزام الأخلاقي.
وهذا المزج المبكر بين الروح والعقل ظل ملازمًا له طوال حياته.
وفي الهند درس في كلية الحكومة ب"لاهور"، وتأثر بأستاذه المستشرق توماس أرنولد، الذي شجّعه على الدراسة الفلسفية المنهجية، ثم سافر إلى أوروبا، وكانت نقطة تحوّل حاسمة في مسيرته.
ففي إنجلترا درس الفلسفة في جامعة كامبردج ، وفي ألمانيا: حصل على الدكتوراه من جامعة ميونخ ، وكانت أطروحته عن" تطوّر الميتافيزيقا في فارس"، وهناك في أوروبا اطّلع على فلسفات(كانط/هيجل/نيتشه)، لكنه رغم ذلك خرج ناقدًا للغرب لا مقلّدًا له.
*كتب إقبال بثلاث لغات، هي:(الأوردية/الفارسية/الإنجليزية)
ومن أبرز دواوينه:
-أسرار خودي
-رموز بي‌خودي
-جاويد نامة
-بال جبريل
-ضرب كليم
ودعا في فلسفته إلى:
-استعادة الكرامة
-بناء الإنسان الفاعل
-رفض السلبية والاستسلام
وكان يرى أن الإسلام دين حركة، لا رهبنة، ودين عمل، لا خمول.
وقد عاش (إقبال) في ظل قهر سياسي وثقافي(الاحتلال البريطاني)، ورأى أمته مفككة فاقدة للثقة.
واتُّهم أحيانًا بالتجديد المفرط، أو بالخروج عن التصوف التقليدي ، فلم يُرضِ المحافظين ولا المقلّدين للغرب.
كما عانى في سنواته الأخيرة من أمراض مزمنة، فقلّ نشاطه العام لكنه لم يتوقف عن التفكير والكتابة.
كان(أقبال) سابقًا لزمنه، ودعا إلى نهضة إسلامية بينما كانت الأمة غارقة في اليأس، فكان أول من طرح بوضوح فكرة
إقامة دولة للمسلمين في شبه القارة الهندي.
كان(محمد إقبال) من أبناء جامعة"عليكر"بشمال الهند التي أنشأها السيد أحمد خان في أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، لتعليم الدراسات الغربية والإسلامية معاً،ومنها أعلن إقبال عن وجوب قيام وطن خاص بالمسلمين وحدهم بالهند، ورسم حدود هذا الوطن على الأساس الذي تقوم عليه دولة باكستان اليوم، وما لبث المسلمون آخر الأمر أن أعلنوا مولد باكستان في(٤أغسطس ١٩٤٧م).
وقد أعاد (إقبال) تعريف العلاقة بين الإسلام والحداثة، وجمع بين الشعر والفلسفة، وخاطب الإنسان المسلم بلغته الجريحة،
وخُلّدَ اسمه، لأن الأفكار التي تولد من الألم… تعيش طويلًا.
للشاعر محمد إقبال (شاعر الفلسفة والنهضة) أقوال خالدة تمزج الشعر بالفكر،وتدور غالبًا حول الذات، والحرية،والإيمان، والعمل.
*ومن أشهر أقواله :
"العبدُ الحرّ هو الذي يخلق قدره، لا الذي ينتظر ما يُملى عليه."
"في أعماقك شمسٌ لا تغيب، فإيّاك أن تعيش في الظل."
"الإيمان الذي لا يُحرّك صاحبه ليس إيمانًا، بل عادة."
"ليس الإيمان أن تُغمض عينيك عن العالم، بل أن تراه بقلبٍ مستيقظ."
"الأمم لا تُبعث من القبور، بل تُبعث من الضمائر."
"إذا ضاعت الذات، ضاع الدين وضاعت الأمة."
"إن لم تحترق أنت، فمن يُضيء الطريق؟"
"العيش بلا مخاطرة نوع من الموت البطيء."
"الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على السير رغم وجوده."
"الخوف يصنع العبيد، واليقين يصنع الأحرار."
"العلم بلا روح سيفٌ في يد مجنون."
"العقل وحده لا يكفي، والقلب وحده لا يهدي؛ لا بدّ من اتحادهما."
"خلقتُ نفسي لأطير، لا لأزحف في غبار التقليد."
مختارات شعرية للشاعر والفيلسوف محمد إقبال، مترجمة إلى العربية عن الفارسية والأردية، وتُظهر روحه الفكرية: الذات، الإيمان، الحرية، والنهضة.
قوِّ ذاتك بالإيمان والعمل،
فالقطرة إذا آمنت بنفسها صارت بحرًا.
لا تسأل الريح عن مصيرك،
ففي صدرك قدرٌ ينتظر أن يولد.
الفردُ روحٌ، والأمةُ جسدُه،
فإذا مرضت الروح، شُلَّ الجسد.
لا قيام لأمةٍ بغير ذاتٍ واعية،
ولا خلود لذاتٍ بلا أمة.
يا ابنَ الشرق، لا تبكِ أطلالك،
فالله لم يخلقك للحسرة.
أنتَ نداء الفجر،
فلماذا تختبئ في ليلٍ مستعار؟
رأيتُ الحياةَ حركةً لا سكون،
ومن توقّف مات وإن عاش
الخلود ليس طول العمر
بل امتلاؤه بالمعنى.
لسنا أقلَّ شأنًا من الأمم،
لكننا نسينا من نكون.
كنا نكتب التاريخ بالنور،
فصرنا نقرأه بالدموع.
إن أردتَ النصر، فغيّر نفسك،
فالنصر لا يهبط على الكسالى.
أنا معك إذا كنتَ معي،
وأتركك إن تركتَ روحك.
____________
انهض، فالعالم لا ينتظر النائمين،
والحق لا يحمله المترددون
أنتَ رسالةُ الله في الأرض
فلا تختصرها في الصمت.
من أشهر قصائده في تمجيد الحرية والسمو:
قصيدة «الصقر» (Shaheen)
(ترجمة أدبية عن الأردية)
تعلّمتُ من الصقرِ سرَّ الحياة،
أن أعيشَ عاليًا… وحيدًا… حرًّا.
لا أعرفُ الانحناءَ فوق موائدِ العبيد،
ولا أبني عشّي في قصورِ السلاطين.
رزقي في جناحي،
وأرضي في الفضاء،
لا أطلبُ فتاتًا من يدٍ ممدودة،
ولا أبيعُ السماءَ مقابلَ أمانٍ زائف.
الصحراءُ وطني،
والقممُ مسكني،
إذا متُّ، متُّ واقفًا،
لا ساجدًا إلا لله.
أكرهُ القيدَ ولو كان من ذهب،
وأعشقُ الجوعَ إذا حفظ كرامتي.
فالطيرانُ في العاصفة
أشرفُ من نومٍ طويلٍ في الأقفاص.
هكذا علّمتني الصقور:
أن الحياةَ رفعةٌ لا راحة،
ورسالةٌ لا متاع،
وأن السقوطَ الحقيقي
هو أن ننسى لماذا خُلقنا.
.........
وهذه القصيدة تُعد بيانًا فلسفيًا عند إقبال عن الإنسان الحر، ورفض التبعية، والكرامة والاعتماد على الذات.
«في مدح النبي ﷺ»
(ترجمة أدبية عن الفارسية – بروح النص لا بحرفه):
يا سيّدَ العالمين، يا نبعَ الضياء،
بكَ استفاقَ الوجودُ من ليلِه الطويل.
كنتَ اليتيمَ الذي علّمَ الملوكَ العدل،
والراعيَ الذي قادَ القلوبَ إلى السماء.
لم يكن سيفُك نارًا،
بل كانَ حقًّا كشفَ الزيف،
ولم تكن دعوتُك صرخةَ حرب،
بل نداءَ حياةٍ للإنسان.
أنتَ الذي حرّرتَ الروحَ من عبادةِ الروح،
وكسرتَ الأصنامَ التي تسكنُ العقول.
جعلتَ العبدَ سيّدًا،
والسيّدَ عبدًا للحقيقة.
من رمالك خرجَ فجرُ الحضارة،
ومن خطواتك تعلّمَ التاريخُ المشي.
إذا ضلّتْ الأممُ،
فاسمُك بوصلةُ الطريق.
يا خاتمَ النور،
ما زال صوتُك حيًّا في الضمائر،
يُنادي:
لا فضلَ إلا بالتقوى،
ولا حياةَ بلا عدل.
إن ضاعتِ الدنيا، فذكراكَ وطن،
وإن ماتَ الضميرُ، فسنّتكَ بعث.
أنتَ الرسالةُ التي لا تشيخ،
والنورُ الذي لا يُطفأ.
______

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى