ميثم الخزرجي - عين الجحيم.. قصة قصيرة

لم انلْ من الراحةِ إلا سويعاتٍ بسيطةً لا تكفي لإبادة تعبِ اليومِ المدافِ بكمِ المشاغلِ المهولة، اخرج صباحاً ممتثلاً لوظيفتي ومن ثَم الرجوعُ عند عتبهِ المساء،

بحسب عملي الشاقِ في مذخرِ الادويةِ والذي يُلزِمُني على الاحصاءِ وفهرسةِ العقاقيرِ الطبيةِ ،صرت أغالب نفسي لأكثر من ثمانِ ساعات، رائحةُ العلاجاتِ التي تفوح من ملابسي أدمنتها جدا فلا مهربَ أقتفِيه من هذا الغثيان الدائم, ينعتونني أصدقائي بالمتشائم وأنا أنظر لنفسي اقل شأناً لكني لا اظهِرَهُ للعلن ربما لسوء الطالعِ الذي بكّرَ لي أزاء كارثةِ حريقِ منزِلنا بأكملهِ والذي تزامن مع ولادتي هذا ما توعدني بالشؤم، أسكن وحدي في إحدى نواحي العاصمةِ في بيتٍ هو الآخرُ يشكو العزلةَ ،توفت والدتي بعد صراع مريرٍ مع المرضِ والذي لم يُمهِلْها طويلاً ،بقيت أنا وشقيقتي بلقيس والتي تزوجت وسافرت مع زوجها مجاراةً لعملهِ، اعتدتُ على وحدتي أو ربما جُبِلتُ عليها، اختصتني مشاكلٌ كثيرةٌ والتي فشلت في أن أجد لها حلاً أو عقاراً نافعاً لأترُكَها ويذهب صداها طي النسيان كان آخرُها هو عدم مكاشفتي للفتيات اللواتي يَعمَلنَ معي أو اللواتي ألتقي بهنَّ على مدار اليوم لا قدرةَ لي على مصارحة إحداهنَّ بنيّة التخلصِ من عناءِ العزلةِ التي انغمستُ بها ،بيد أن ما يَجعَلُني لا ازفُر تنهيدة الاسف بحرقةٍ هي دوامةُ العملِ وما يصاحِبهُ من همٍ مثقلٍ ،لطالما كان يُداهِمني شعورٌ بأنني مريضٌ نفسياً لكنْ سرعانَ ما أسحبُ ظني واقذفه بُغيَةَ أن لا أجعلهُ قيد التفكير, غالباً ماكنت أمتهنُ السكوتَ عندما يضعونني في نقطةٍ فاصلةٍ للنقاشِ أحاول جاهداً أن أتجنب المشاركةَ في أيّ حديثٍ لتبدوا تخمةُ الهدنةِ والوداعةُ البليدةُ المتلازمتان اللتان لا يفارِقاني ابداً ،محركاً راسي على اُهبَةِ القبول بصورةٍ بلهاءَ دون أن تصدر مني أيُّ كلمةٍ ترطبُ الحوارَ ،ليَلكِزَني أحدُهم ويصفَعُني الاخرُ بسؤالٍ "ايها الساكنُ متى تتحركُ"، الشيءُ المحيرُ من كل هذا عندما أنفردُ بمعزلٍ عن الآخر أمارسُ دورَ الثائرِ والمحتجِ فألجمُ افواهَ الأسئلةِ التي تزاحِمُني وأركل بعضها أنطلقُ في وحدتي بصخبٍ لا مثيلَ له لأحاور أحاور أشخاصاً رداً على مواضيعَ فائتةٍ أعمل فنجانَ قهوةٍ وأحتسيها بتريثٍ واتزانٍ وكأنني منجذبٌ إلى حديثٍ لا يتخللهُ القلق أصغِي بتوثبٍ غيرِ مفتعلٍ لتتعالى الوتيرةُ وأفقدُ قِسطاً لابأس به من الكلامِ المحبوسِ وأطلقه بالفراغ وأنام ..أنام بهدوء، أُعاودُ يومي كما لو أن شيئاً لم يحصَلْ لأبدو فاقداً لصلاحيةِ المجادلةِ وإبداءِ الرأي في أيّ مكانٍ لا أكونُ بمفردي ومعتداً ومتقداً بآرائي ألتي اتبناها في عزلتي لأفصِحَ عما بدا لي بصوتٍ لا تنقُصُه الحدةُ ،اختصتني حالةٌ غريبةٌ زادت مما أنا عليه هي بيان المواضيعَ المدخرةَ في مخيلتي خلال اليومِ أو الايامِ السابقةِ لتظهر على ارتسامات الوجه بصورةٍ جليةٍ فتارةً أضحك وأخرى إشمأز وأغضب وأخرياتٌ تسحبني قدماي إلى حيثُ ما انفثُ آخِرَ لقطةٍ وأُوصد مبتغاي من خلالها ،ساءت حالتي إلى درجة الإفصاح عما يساورني من عنفٍ لأصفعَ هذا وأهجو ما أراهُ أمامي ليكون ضحيةً لنقاشٍ لا يمت له بصلة لأجابَهَ بردودٍ تصيبني بالذعرِ محاولاً أن أُبدي أتمَّ وأنقى كلماتِ الاعتذار والتي تكون في أحايينَ كثيرةٍ فاقدةً للجدوى لأسحب نفسي بمرارة الخذلان كمن دخل معركةً وانصدم بعدها لفداحةِ الموقف منفلتاً عما ترك وراءَهُ ،تكررت الحالةُ لمراتٍ عديدةٍ حتى أصبحتُ لا أمرُ بشارعٍ إلا وخلفي أصواتٌ تتوعدُني بما لا يُحسَنُ عقباه ،عَزمتُ أن أعرض نفسي على طبيبٍ نفسيٍ لإيقاني أن شيئاً غريباً أوصلني للهلاك ،أمرَني الطبيبُ المختصُ أن أعيش دور المُراقَبِ وتحديداً عندما أكون بمنزلي لانصب كاميراتٍ للمراقبة في كل زاويةٍ من البيت حالما أحلق بنقاشي لأبدو متواجداً بشاشةِ العرضِ أمام الطبيبِ وهو إجراءٌ حديثٌ قبل البدءِ بالعلاجِ كما أفهمني، الملفتُ للأمر انتابتني نوبةُ السكونِ والرهبةِ بعد وضع الكاميرات هو نفسُ الامرِ الذي أذابني وبددَ معناي فيما لو ازَلنا هاجِسَ المكانِ ،انسحبتْ عيناي إلى عينِ الكاميرا بصورةٍ ملؤها الحذرُ والتوجسُ ليفاجئني الطبيبُ المعالجُ برسالةٍ صوتيةٍ "تشخيصي كان دقيقاً جداً ،أطفئ العيون التي احاطتك وراجعني إلى العيادةِ، لكن توقف: هناك عيونٌ أُخرى في الخارج ،من الذي سيطفؤها لو اردت ان تكون؟!".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى