نبيل سليمان - ابن الرقة

أيتها الأخوات والإخوة‏
لأنه لوّن خلواتنا بقصصه ورواياته، لأنه جلا عتماتنا بمحاضراته ومقالاته، لأنه بَلْسَمَ أدواءنا بطبه، هانحن نلتقي في بيته الكبير، في الرقة، لِنَفَيَهُ أقل القليل من حقه علينا، بينما يعصف بأوطاننا ومجتمعاتنا وبالعالم كله، عصفٌ من الطغيان والاستبداد، من الحروب والدمار، من التخلف والتعصب والفساد، وإنما يأتي احتفاؤنا بك يا أيقونة الرقة، تعبيراً عن احتفائنا بالقيم الإنسانية النبيلة التي عشت بها ولها، مبدعاً ومواطناً، فأسست للجديد في القصة العربية، وعزّزت نهوض الرواية، وأغنيت الحياة الثقافية، وعلّمت بالانتماء إلى فراتك وباديتك ورقّتك ترسيخ الجذور، كما عززت بإبداعك النبض الإنساني والحضاري، فَحُقَّ لك علينا أن يحمل هذا المهرجان اسمك، نتأمّل فيه ما أبدعتَ وما أبدع معك وبعدك من أبدعوا في السرديات، في سورية هذه الدورة، وفيها في سواها دورة بعد دورة. واسمح لي الآن أن أقصّ على أحبائك الحاضرين والغائبين حكاية ذلك الشاب الذي كان في الثانية والعشرين عندما علّق شهادته الجامعية وهزيمة 1967 برقبته، وجاء إلى الرقة أول مرة وليس فيها شارع معبّد. ثم كان ياما كان، وهاهو ذلك الشاب بعد ثمانية وثلاثين عاماً وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، يعود إلى الرقة وقد بلغ الثانية والعشرين أيضاً، سوى أنه هذه المرة عجوز تنوء رقبته بكتاباته واقترافاته ممهورة بخواتم الهزائم الطريفة التليدة، وكما في المرة الأولى، هاهي الرقة تلطشني بالسحرين: الفرات أولاً، وعبد السلام العجيلي أولاً، فيعجزني القول اليوم مثلما أعجزني البارحة، أجل؛ البارحة فقط، حين سكنت مع زميل في غرفة مقابل بيت عبد السلام العجيلي، وظللت أتهيب لقاءه سنة أطول من سنتكم، حتى تجرأت أخيراً فمرضت، بل تمارضت واندسست بين مرضى تلك العيادة التي كنت أسترق النظر منها صباحاً أو ظهراً أو مساءً كل يوم، مثلما كنت أسترق النظر من البيت الحجري، فأغضّ الطرف، وأتهيب الكاتب والكتابة، وأعزّي النفس بما حملتْ من (باسمة بين الدموع)، من (رصيف العذراء السوداء) و(ساعة الملازم) وأخبار الجار التي تتناهى إليَّ في ثانوية خديجة أو في مكتبة الخابور أو في المقصف الوحيد أو.. وبعد ذلك بدهر، تجرأت فاقترحت على أحدهم، وربما تلقفت اقتراح أحدهم، واندسست بين عصبة من مدرسي ثانوية الرشيد، وكان أن زرت عبد السلام العجيلي في بيته أول مرة، والآن، هل أثير سخرية مني أو شفقة عليَّ إن جهرت بأني مختنق بالذكريات حد النسيان، وبالبهجة حد الحزن؟‏
لقد عايشت هذا المهرجان منذ كان فكرة حتى طباعة برنامجه، وكنت في البداية عازفاً على أن أشارك ببحث في روائية العجيلي، أو في الرواية السورية، أو بشهادة على ما اقترفت من الرواية، وبخاصة أنني كتبت في الرقة روايتي الأولى التي لم تنشر حتى اليوم، وروايتي الأولى (ينداح الطوفان) التي نُشرت عام 1970.‏
وروايتي الثانية (السجن) التي نُشرت بعيد مغادرتي للرقة عام 1972، لكن الارتباك والعجز أخذا يكبران عليَّ كلما اقترب المهرجان. لذلك حاولت أن أنجو من الكلام فيه أمامكم. ولا يتعلق الأمر بعبد السلام العجيلي، فمنذ سنة كتبت عنه قاصاً فيما سيظهر في موسوعة الثقافة العربية في القرن العشرين. وفي هذا الصيف كتبت عنه لمشروع موسوعي سردي عن سورية، سيظهر في السنة القادمة. ومن قبل، منذ الكتاب المشترك بيني وبين بو علي ياسين (الأدب والأيديولوجيا في سورية) كتبت ما كتبت عن مجموعة (فارس مدينة القنطرة)، ومن بعد كتبت ما كتبت عن رواية (قلوب على الأسلاك) وعن رواية (أزاهير تشرين المدماة) ولقد حفزّني ما استمعت إليه أمس في شهادة الروائي ممدوح عزام وفي مداخلة الناقد عبد الله أبو هيف على أن أغتنم فرصتي هذه لأؤكد أن النقد في عواصم البريق الحداثي في العالم قد أعاد منذ سنين الاعتبار لما هو خارج نصّي، بعدما غيّبته فزاعة الحداثة كما غيبت التاريخي. كما يهمني أن أؤكد على أن تسليط الساطور الأيديولوجي على النص الأدبي مقتلة له كما هي تسليط الساطور الحداثوي وأي ساطور، فسرير بروكرست لا يقصّ فقط النص على قدّ الجدانوفية أو العلمنفسية وسواهما، بل يقصّه أيضاً وأيضاً على قدّ الحداثي ومابعد الحداثي، وأؤكد ثالثة على أن فجاجة النظر الأيديولوجي للنص هي صنو لفجاجة النظر الشكلاني، وإذا كانت الفجاجة الأولى قد جاءت صدى للموران الاجتماعي وللعقائدية التي ليست ماركسية وحسب، بل دينية أو قومية أو..، فإن الفجاجة الشكلانية قد جاءت صدى لانهيارات المشروعات الثقافية السياسية الاجتماعية الفلسفية الكبرى، كما جاءت مهرباً لمثقفين ومبدعين ونقاد وقراء من المسؤولية العامة، وفي خضّم تبديل اولاء لعمائمهم. ولئن كان الفقد قد أخذ يبرأ من الانبهار ببريق العواصم الحداثية، كما أخذ عوده المناهجي يصلب، ونظره للنص يتعمّق ويغتني، فمن أسف أن بعض النقد وبعض ما يرسله المبدعون مازال يبرر تبديل العمائم أو يمعن في الهرب من المسؤولية ويبدل الأحادية الدائلة بمثلها، ويتوهم أن الإبداع أو النقد يبدأان به، وما سبق لم يكن سوى تقليدية أو جدانوفية أو.. فلعل هذا المهرجان يذكّرنا بالاختلاف والوفاء ويعززهما، وهما ما وسما علاقتي بعبد السلام العجيلي، وبالسابقين واللاحقين لقد قلت: لا يتعلق أمر ارتباكي وعجزي عن الكلام في هذا المهرجان بعبد السلام، بل بالرقة نفسها. الرقة التي شكلتني خلال خمس سنوات كما لم تشلكني أضعافها في اللاذقية أو البودي، الرقة التي تلامحت في نص ما كتبت، حتى إذا جربت أن أكتب رواية عيشي فيها، توقفت بعد ثمانين صفحة في اليوم. الرقة التي لطشتني بسحرها وسكنتني منذ كنت في الثانية والعشرين حتى بلغت الثانية والعشرين. الرقة الصداقة والخصومات والمغازلات والقراءات وأحلام والطلاب والطالبات، ومنهم ومنهن بينكم عشرات أشرع قلبي عانقهن وأعانقهم، ثم أندس بينهم وبينهن لنمضي من هذه القاعة إلى الرقة، وأتجرأ على أن أناشده، حررني من الرقة، لعلي أستطيع أن أكتبها. أنت أدرى أيها الكاتب بالسحر الذي يسكن ابن آدم وبنت آدم، فقل لي: كيف أفك سحر الرقة الذي فجعني ذات يوم بابن آخر للرقة من يذكر الآن محمد هيثم الخواجة الذي نشرت له عام 1980 في دار الحداثة اللبنانية ومجموعته القصصية (القحط)؟ من يذكر هذا الملتاث بالرقة والاختلاف والكتابة بعيد خروجه من السجن ليفاقم فيَّ السحر؟ هاهو مع من لن أذكر أسماءهم ممن علّمت من الذكور، ومع من علّمت من اللواتي سأتجرأ على أن أعدد أسماءهن الأولى، فيا للشجاعة: دلال وآني وهيفاء وآسيا وفاطمة ومميّز واصف و... فحررني منهم ومنهن يا سيدي. حررني من حارة العجيلي وحارة العجيلي وبناية المهاوش والجسر العتيق.......‏


نبيل سليمان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى