عندما ترسم الحكايات خرائط التيه

تاميران محمود


تؤسس “تاميران محمود” لمجموعتها القصصية “خريطة الحكايات القديمة” (بيت الحكمة – 2025) على فكرة مركزية، خلاصتها أن الإنسان يعيش داخل خرائط غير مرئية، نفسية، ووجودية، واجتماعية، وهو إما يحاول قراءتها، أو الهروب منها، هكذا تتحول الحكايات إلى خرائط، والخرائط إلى أثر للذاكرة والخوف والرغبة.
تشكل القصة الأولى “أوراق التاروت” مدخلًا دالًا إلى عالم المجموعة، فجلسة التاروت رغم كونها بدأت كلعبة، إلا أنها كشفت المخبوء، “التاروت فضح أسوأ مخاوفي، الخطر في عقلك وليس في التاروت”، هنا تتشكل إحدى أهم ثيمات المجموعة، فالحقيقة في الداخل، وما يبدو كقدر خارجي ليس سوى انعكاس لقلق ذاتي. في هذه القصة، وفي غيرها،، يتحول الحدث إلى ذريعة لاستبطان الذات، ويصبح الخارج مجرد مرآة تكشف ما في الداخل.
خرائط وهمية
وفي “من بختي” يتحول السرد إلى وسيلة للهروب من الواقع، فشخصية عاشور تبني عالماً وهميًا من النسب الملكي والثراء، “يقرر الإبداع في حبك قصته، يدير دفة الحوار دومًا وفق هواه”، هنا الشخصية تكذب لأنها لا تملك واقعًا يحتمل العيش فيه، وبالتالي يصبح الكذب شكلًا من أشكال السرد، ويصبح السرد بدوره أحد أشكال الخلاص، وهذا يعيدنا إلى فكرة الخرائط، فكما أن هناك خرائط حقيقية، هناك أيضًا خرائط متخيلة.
وفي “صورة قديمة” يصبح الجسد نفسه خريطة، “شبكة من الألوان القديمة تترك فوق بطني لوحة مختلطة الملامح”، فآثار الولادة، التجاعيد، التغيرات، كلها علامات دالة على الزمن، وعلى الحياة نفسها. لكن المفارقة أن الساردة لا تسعى إلى محو هذه العلامات تمامًا، بل تعيد تأويلها بوصفها أثرًا للحب والمعاناة.
فكرة الهروب
في “خطة محكمة” تتجسد فكرة الهروب بوصفها مشروعًا حياتيًا طويل الأمد، يبدأ من الطفولة ويستمر حتى الشيخوخة، “خمسون عامًا أخطط للفرار، لا أنجح فيه ولا أفشل”، الهروب هنا تجسيد للفجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وهذا الهروب يتطور من خيال طفولي بسيط “سنهرب يا باندا روز” إلى وعي مرير باستحالة الخلاص، وهكذا ترى المجموعة أن الحياة سلسلة من المحاولات غير المكتملة، حيث لا يتحقق الهروب، ولا يتحقق الاستقرار، بل يبقى الإنسان عالقًا بينهما.
الأسطورة كأفق بديل
في القصة التي تحمل عنوان المجموعة ينتقل النص من الواقعي إلى الأسطوري، ومن الفردي إلى الجماعي، تطرح القصة تصورًا مغايرًا للسلطة، حيث لا تقوم على السيطرة فقط، ولكن أيضا تقوم على التوازن بين الحكمة والقوة، بين الذكر والأنثى، بين الفرد والجماعة، كما أن مفهوم “الرضا” يظهر بوصفه قيمة مركزية، “من يلتحف الرضا يفوز بالحكمة، ومن بات طامعًا أصبح جائرًا”، واللافت هنا أن هذا الرضا اختيار واعٍ، وليس استسلامًا.
وفي “رماد نور” تتجلى رؤية نقدية واضحة لبنية السلطة، “نضع قواعده أو ننسفها، لا هدف سوى جعلهم في شغل دائم”، السلطة هنا لا تكتفي بالقمع المباشر ولكن تستنزف طاقات الإنسان، إنها سلطة ناعمة، لكنها أكثر فتكًا، وهذا ينسجم مع تصور حديث للهيمنة، حيث لا يُقهر الإنسان بالقوة فقط، بل بالانشغال الدائم، وبالوهم بأنه حر.
الجسد نصا
يُقدَّم الجسد في المجموعة باعتباره “نصًّا موازياً” يُكتب عليه الزمن ببطء. في “صورة قديمة” تتكثف هذه الرؤية بوضوح، “شبكة من الألوان القديمة تترك فوق بطني لوحة مختلطة الملامح”، هذه الشبكة (تمدد الجلد بعد الحمل مثلًا)، هي نظام علامات تجعل الجسد يبدو ممتلئًا بالتجربة، فبدلًا من محاولة استعادة الجسد القديم (الشاب/النقي)، تميل القصص إلى إعادة تأويل الجسد الحالي بوصفه خلاصة حياة، هذا التحول من معيار الجمال إلى معيار القدرة على الاحتمال يعكس انقلابًا في القيم، من الجسد كموضوع للنظر إلى الجسد كحامل للذاكرة.
ومن زاوية أخرى، يتقاطع الجسد مع القهر الاجتماعي. ففي نصوص أخرى، الجسد يخضع لأنظمة ضبط (سلطة، تقاليد، خوف). فيصبح ساحة صراع بين ما يريده صاحبه، وما يُفرض عليه.
حضور المرأة
واحدة من أبرز تحولات المجموعة تكمن في إعادة صياغة موقع المرأة داخل الحكاية. فهي لا تظهر بوصفها موضوعًا للحب أو الرغبة فقط، بل بوصفها فاعلًا، بل مركز النظام الرمزي كله، في أوراق التاروت مثلًا، المرأة هي التي تكشف
هي التي تمتلك أداة المعرفة، حتى وإن كانت هذه المعرفة ملتبسة، “الخطر في عقلك وليس في التاروت”، تمثل هذه الجملة إعادة توزيع للسلطة من الخارج (القدر/الورق) إلى الداخل (الوعي/اللاوعي)، والمرأة هي وسيط هذا التحول،
أما في “خريطة الحكايات القديمة”، فإن شخصية آجام تمثل ذروة هذا الحضور. فهي ليست مجرد شريكة لأدان، ولكنها شرط تحقق حكمته، “تمام حكمته هي آجام”، هذا التصور يتجاوز الثنائية التقليدية (ذكر/أنثى) بوصفها صراعًا، ليطرحها بوصفها تكاملًا. لكن هذا التكامل ليس متوازنًا دائمًا؛ فآجام قادرة على إعادة تشكيل العالم.
الزمن كدوامة
الزمن في قصص المجموعة يتكسر، يتشظى، يعود، ويكرر نفسه. يُعاش، ولا يُقاس، في “خطة محكمة” مثلًا، نواجه زمنًا دائريًا، “خمسون عامًا أخطط للفرار، لا أنجح فيه ولا أفشل”، الخمسون عامًا هنا لا تعني التقدم، بل التكرار. الزمن يتحول إلى حلقة مفرغة، حيث الفعل (التخطيط) يتكرر دون نتيجة.
وفي “صورة قديمة”، يعود الزمن عبر الجسد، وليس عبر الذاكرة فقط. فالماضي موجود في آثار الجسد، أما في الخريطة، فإن الزمن يكاد يخرج من التاريخ تمامًا، ليصبح زمنًا بدئيًا، أقرب إلى “الزمن الأول” الذي لا يُقاس بالسنين، ولكن يمكن قياسه بالأحداث المؤسسة (لقاء، صراع، تأسيس قرية)، هذا التعدد في أنماط الزمن يخلق توترًا داخل المجموعة، فزمن يومي متكرر (الملل/الانتظار)، وزمن نفسي (الذاكرة/الصدمة)، وزمن أسطوري (البدايات/الأصول)، الزمن في هذه المجموعة دائري ومتداخل. فالماضي يتسلل إلى الحاضر، والطفولة تعود في الشيخوخة، والأسطورة تحضر داخل الواقع، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في تكرار فكرة “العودة”، العودة إلى الكافيه في “أوراق التاروت”،
العودة إلى الهروب في “خطة محكمة”، عودة آجام بين القرى في “خريطة الحكايات القديمة”، وهذا يعكس تصورًا للزمن بوصفه إعادة إنتاج مستمرة، وليس تقدمًا حتميًا.
وفي النهاية، تتجمع كل هذه الخيوط في مفهوم “الخريطة”، خريطة النفس (الخوف، الرغبة)، خريطة الجسد (الندوب، الزمن)، خريطة السلطة (السادة والعبيد)، خريطة الأسطورة (أدان وآجام)، وما محاولة سرقة مخطوط خريطة إلا تأكيد لفكرة أن الإنسان يسعى دائمًا لامتلاك “خريطة”، لكنه لا يعرف كيف يقرأها. وبالتالي فكل محاولات بحثه عن خلاص تؤدي إلى تعميق شعوره بالتيه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى