لقد قادتني الصدفة إلى الاستماع إلى الشاعرة التونسية جميلة الماجري خلال مشاركتها في الدورة السابعة من مهرجان الشعر العربي في إسطنبول، ولم أكن قد قرأت لها من قبل، وهذا تقصير مني، لأن بعض الأصوات الشعرية لا تحتاج وقتًا طويلًا حتى تدرك أنك أمام تجربة حقيقية تمتلك خصوصيتها وعمقها وحضورها المختلف.، لكنني منذ اللحظة الأولى شعرت أنني أمام صوت لا يمرّ عابرًا. هناك شعراء يمكن أن تعجبك قصائدهم، وهناك شعراء تشعر أن اللغة عندهم تتحول إلى حالة كاملة من القلق والكشف والوجد، وهذا ما وجدته في هذه القصيدة.
كنت أستمع للنص، لكن الإحساس الحقيقي كان أنني أدخل تدريجيًا إلى عالم رمزي كثيف، عالم لا يقوم على الحكاية المباشرة ولا على الزخرفة البلاغية التقليدية، بل على ذلك التوتر الخفي بين الحضور والغياب، بين الرغبة والمنع، بين الاقتراب من المعنى واستحالة امتلاكه كاملًا. ولهذا لم تبدُ القصيدة مجرد نص عاطفي أو صوفي، بل بدت كأنها رحلة طويلة داخل الذات وهي تحاول اختراق الحجاب للوصول إلى شيء أكبر من الحب نفسه.
ما شدّني منذ البداية أن القصيدة لا تتعامل مع "المحبوب" كشخص عادي، بل كمركز رمزي تتداخل فيه صورة الإنسان بالحقيقة وبالمقدس وبالحلم المستحيل. وهذا ما يمنح النص طاقته الداخلية؛ فالقارئ لا يعرف على وجه اليقين هل تتحدث الشاعرة عن عاشق؟ أم عن شيخ صوفي؟ أم عن الحقيقة المطلقة؟ أم عن حالة روحية تتجاوز كل هذه الصور؟ وهنا تكمن قوة النص، لأنه يرفض أن يستقر داخل معنى واحد مغلق.
حين تقول:
كثرُ حشود الواقفين ببابك
وأنا هنا من قبلهم مرصودة بكتابك
فإنها منذ البداية تؤسس لجدلية الباب، والباب هنا ليس مجرد صورة شعرية عابرة، بل رمز ثقافي وصوفي عميق. الباب في التراث الصوفي هو الحد الفاصل بين ظاهر العالم وباطنه، بين العامة والخاصة، بين من يدورون حول الحقيقة ومن يذوبون داخلها.
الحشود الواقفة على الباب تمثل الوعي الجماعي الذي يقترب من المقدس من الخارج، عبر الطقوس أو الادعاء أو الرغبة العابرة، بينما الذات الشاعرة ترى نفسها مختلفة عن هذا الجمع، لا لأنها أكثر عشقًا فقط، بل لأنها "مرصودة بكتابك، أي أنها ترى علاقتها بالمحبوب كأنها مكتوبة في قدر سابق، وكأن هذا الارتباط لم يبدأ لحظة الوصول، بل كان قائمًا قبل الزمن نفسه.
وهنا يبدأ النص في بناء توتره الداخلي العميق: هي الأقرب… لكنها ما تزال خارج الباب.
وهذه من أهم التصدعات التي يقوم عليها النص؛ فالشاعرة تمتلك يقين الاصطفاء، لكنها لا تمتلك يقين الوصول. ولذلك تبقى القصيدة كلها معلقة بين الشعور بالقرب والشعور بالمنع.
ثم تقول:
(وحدي وهم حشد يتدافعون
وما دروا بمكامن الأسرار في محرابك)
في هذا المقطع تبدأ الذات في إعلان تفوقها المعرفي لا العاطفي فقط. فالحشود هنا ترى "المكان"، بينما هي تبحث عن "السر". ولهذا يتحول "المحراب" من مساحة دينية أو جمالية إلى مركز للمعرفة الباطنية.
ومن منظور الحفر الثقافي الجدلي، فإن القصيدة هنا تكشف الصراع القديم بين ظاهر المعنى وباطنه؛ بين من يكتفون بالشكل، ومن يحاولون اختراق الطبقات الخفية للنص أو للحقيقة أو للحياة نفسها. وهذا ما يجعل القصيدة أعمق من مجرد خطاب وجداني، لأنها تتحول إلى سؤال عن طبيعة المعرفة ذاتها: هل يكفي الاقتراب من الشيء لفهمه؟ أم أن الحقيقة لا تكشف نفسها إلا لمن يحترق في طريقها؟
ثم تأتي واحدة من أجمل التحولات الرمزية في النص:
( جاءوك في أجسادهم
وأتيت طيرًا لاذ من طول الظما بشرابك)
هنا تتحول الذات من كيان أرضي إلى طائر، والطير في الثقافة الصوفية ليس رمزًا جماليًا فقط، بل رمز للروح الباحثة عن أصلها الأول. ولهذا فاختيار الشاعرة لهذه الصورة ليس اعتباطيًا، بل يحمل امتدادًا ثقافيًا عميقًا داخل التراث الصوفي، حيث يتحول الطيران إلى استعارة للتحرر من الثقل الأرضي ومن حدود الجسد.
أما "الشراب" فلا يمكن قراءته قراءة حسية مباشرة، لأنه أقرب إلى فيض روحي أو لحظة كشف تعيد للحياة معناها بعد عطش طويل. وكأن الذات جاءت منهكة من العالم، تبحث عن ماء داخلي لا عن متعة عابرة.
لكن النص لا يمنح هذا الاقتراب طابعًا احتفاليًا بسيطًا، بل يكشف أيضًا خطورته:
( كم حام حولك شاديا متولّهًا
وتساقطت ريشاته بترابك)
وهنا تظهر إحدى أجمل الحركات الجدلية داخل القصيدة: الطيران نحو المعنى يحمل إمكانية السقوط أيضًا.
فكل من اقترب من هذا المركز الروحي فقد شيئًا من ذاته. ولهذا يصبح "الريش المتساقط" رمزًا لانهيار الهوية القديمة أمام الجذب المطلق للمحبوب. وكأن الحقيقة لا تمنح نفسها دون أن تنتزع من العاشق جزءًا من كيانه.
ومن النقاط اللافتة جدًا في النص أن الشاعرة لا تبقى في موقع الابتهال السلبي، بل تتحول فجأة إلى ذات تواجه المنع نفسه:
( يا سيدي لا تُغلق الأبواب من حذر الهوى
سأقاتلُ النُّوَّامَ مِن حُجَّابِكَ)
وهنا ينتقل النص من العشق إلى التمرد. فالحجاب لم يعودوا مجرد حرّاس باب، بل أصبحوا رموزًا لكل سلطة تمنع الوصول إلى الحقيقة، ولكل بنية ثقافية أو روحية تحتكر المعنى وتحاصره.
أما "النُّوَّام" فهي كلمة شديدة الدلالة؛ لأنها لا تشير فقط إلى الغافلين، بل إلى أولئك الذين يعيشون قرب المعنى دون أن يستيقظوا عليه. وهنا تصبح القصيدة، بشكل غير مباشر، مواجهة مع الوعي السطحي، ومع كل من يقفون عند ظاهر الأشياء دون اختراق عمقها.
ثم تصل القصيدة إلى مرحلة أكثر رهافة وغموضًا:
( وأحلُّ في رؤياك طيف غزالة
ما بين طرفك سادرًا وحجابك)
الغزالة في التراث العربي رمز للجمال والحرية والمراوغة، لكن الشاعرة لا تجعل نفسها غزالة كاملة، بل "طيف غزالة"، أي حضورًا غير مكتمل، كائنًا يظهر ويختفي بين الرؤية والحجاب.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر الأفكار عمقًا في النص الذات لا تريد الظهور الكامل، لأنها تعرف أن اكتمال الحضور قد يقتل سحر الرغبة نفسها.
ولهذا تبقى معلقة بين الكشف والاختفاء، بين أن تُرى وأن تبقى سرًا.
ثم تأتي لحظة الطلب الكبرى:
(فارفع حجاب الكشف هذا الليل لي
كم بِثَّ أَرقُبُهُ على أعتابك)
إنها لا تطلب لقاءً عابرًا، بل تطلب "الكشف"، والكشف في التجربة الصوفية هو لحظة انفتاح الباطن وانهيار المسافة بين الحقيقة والذات.
لكن اللافت أن القصيدة تجعل هذه اللحظة مرتبطة بالليل، والليل هنا ليس مجرد زمن، بل حالة وجودية؛ حالة الانتظار الطويل، والقلق، والتأمل، والخوف من ألا يأتي الكشف أبدًا.
أما النهاية فهي من أكثر المقاطع الشعرية كثافة وجمالًا:
(ما حرَّكَ الجُلاسُ مِن وتر لهم
إلا غدوتُ أصابعًا لربابك)
في هذه اللحظة تبلغ الذات ذروة الفناء الرمزي. فهي لا تكتفي بسماع الموسيقى، بل تتحول نفسها إلى "أصابع" تعزف على "الرباب". أي أن الحدود بين العاشقة والمعنى تنهار تمامًا.
ومن خلال منهج الحفر الثقافي الجدلي يمكن القول إن القصيدة تقوم على شبكة معقدة من التوترات:
بين الذات والحشود،؛بين المعرفة الظاهرة والمعرفة الباطنة، بين الرغبة في الاتحاد والخوف من الذوبان، بين الحضور والغياب، وبين اللغة بوصفها كشفًا واللغة بوصفها حجابًا جديدًا.
كما أن النص يكشف عن بصمة أنثوية واضحة في إعادة تشكيل الخطاب الصوفي؛ فالمرأة هنا ليست موضوعًا للعشق، بل ذاتًا عارفة، قلقة، محتجة، ومتمردة على الحجاب نفسه.
ولهذا شعرت وأنا أستمع إلى القصيدة أن النص لا يريد من المتلقي أن يفهمه فقط، بل أن يعيشه. فبعض القصائد لا تُقرأ بعين الناقد وحدها، بل تُقرأ أيضًا بذلك الجزء القلق داخل الإنسان، الجزء الذي يظل طوال حياته واقفًا أمام باب يشعر أنه خُلق من أجله، لكنه لا يُفتح كاملًا أبدًا.
ولكي يدرك القارئ حجم هذه الحالة الوجدانية والرمزية التي تتحرك داخل النص، أضع القصيدة كاملة للشاعرة التونسية جميلة الماجري:
كثرُ حشود الواقفين ببابك
وأنا هنا من قبلهم مرصودة بكتابك
وحدي وهم حشد يتدافعون
وما دروا بمكامن الأسرار في محرابك
جاءوك في أجسادهم
وأتيت طيرًا لاذ من طول الظما بشرابك
كم حام حولك شاديا متولّهًا
وتساقطت ريشاته بترابك
يا سيدي لا تُغلق الأبواب من حذر الهوى
سأقاتلُ النُّوَّامَ مِن حُجَّابِكَ
وأحلُّ في رؤياك طيف غزالة
ما بين طرفك سادرًا وحجابك
فارفع حجاب الكشف هذا الليل لي
كم بِثَّ أَرقُبُهُ على أعتابك
ما حرَّكَ الجُلاسُ مِن وتر لهم
إلا غدوتُ أصابعًا لربابك
كاتب و ناقد و باحث/ مصر