تكتسب تجربة الفنان التشكيلي العُماني الكبير فيصل جلال أهميتها من كونها تتجاوز حدود المنجز الفردي لتندرج ضمن حركة أوسع تسعى إلى إعادة تعريف موقع الفن التشكيلي العربي في زمن تتسارع فيه التحولات الجمالية والفكرية والثقافية. فالفنان الذي ينتمي إلى بيئة عُمانية غنية بتراكماتها الحضارية والرمزية، لم يتعامل مع الحرف العربي باعتباره مجرد مادة بصرية جاهزة، وإنما اشتغل عليه بوصفه كائنًا جماليًا قابلًا للتحول وإعادة الاكتشاف، وحوّله إلى مدخل لتأسيس خطاب تشكيلي تتجاور فيه الذاكرة والحداثة، والخصوصية والانفتاح، والموروث والتجريب.
من هنا، لا تبدو تجربة فيصل جلال منفصلة عن التحولات التي عرفها الفن العربي الحديث، وخاصة منذ أن بدأ عدد من الفنانين العرب في مساءلة العلاقة بين الفن والهوية، والبحث عن لغة بصرية تستطيع أن تستفيد من منجزات الحداثة العالمية دون أن تفقد صلتها بالمرجعيات الثقافية المحلية. لقد كان هذا السؤال، ولا يزال، من أكثر الأسئلة إلحاحًا في التجربة التشكيلية العربية: كيف يمكن للفنان أن يكون حديثًا من دون أن يكون مستنسخًا؟ وكيف يمكن أن يستثمر التراث دون أن يتحول إلى أسير له؟
في هذا السياق، تبدو تجربة فيصل جلال جديرة بالتأمل، لأنها تقترح إجابة فنية لا تقوم على الشعارات، وإنما على الممارسة. فالحرف العربي في أعماله لا يحضر باعتباره زينة أو علامة هوية مباشرة، بل يتحول إلى بنية تشكيلية تتداخل فيها الحركة والخط واللون والفراغ والإيقاع. إنه حرف يتخلص من وظيفته القرائية المباشرة ليكتسب وظيفة بصرية جديدة، من دون أن يفقد تمامًا ذاكرته الأولى. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في تجربته: القدرة على الانتقال بالحرف من مجال الكتابة إلى فضاء التشكيل، ومن الدلالة اللغوية إلى الدلالة البصرية.
الحرف العربي... من ذاكرة الكتابة إلى حرية التشكيل
ظل الحرف العربي، منذ تجارب الحروفية العربية الحديثة، واحدًا من أكثر العناصر قدرة على إثارة الأسئلة الجمالية والفكرية. فقد اكتشف الفنانون فيه طاقة تتجاوز وظيفته التواصلية، ورأوا في هندسته وانحناءاته وتقاطعاته وإيقاعاته إمكانية لبناء عالم بصري مستقل. غير أن الانتماء إلى الحروفية لا يمنح التجربة الفنية قيمتها تلقائيًا؛ فالمسألة لا تتعلق باستخدام الحرف، وإنما بالقدرة على إعادة إنتاج معناه الجمالي.
من هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة تجربة فيصل جلال. فهو لا يستدعي الحرف من الماضي لكي يعيد عرضه في هيئة جديدة، وإنما يدخل معه في علاقة إبداعية مفتوحة، تجعل الحرف موضوعًا للتأويل والتفكيك وإعادة البناء. إن الحرف لديه يتحرك داخل اللوحة، يتجاور مع اللون، يتداخل مع المساحات، ويخضع لإيقاع بصري يحرره من ثباته التقليدي. وبذلك تتحول اللوحة إلى فضاء تتعايش داخله الكتابة والتجريد، الذاكرة والخيال، النظام والحرية.
وهذا التحول مهم جدًا في سياق الفن العربي المعاصر، لأنه يضع الحرف أمام سؤال التجديد. فالتراث لا يصبح حيًا بمجرد الاحتفاظ بأشكاله، وإنما حين يصبح قابلًا لإعادة القراءة. والحداثة، في المقابل، لا تتحقق بمجرد القطيعة مع الماضي، وإنما حين تستطيع أن تفتح داخل الموروث إمكانات جديدة لم تكن مرئية من قبل.
إن فيصل جلال يشتغل، في جانب أساسي من تجربته، على هذه المنطقة الوسطى الخصبة: منطقة لا تنكر الماضي ولا تستسلم له، ولا ترفض الحداثة ولا تقع في أسر نماذجها الجاهزة.
حداثة تنطلق من الداخل
من أكثر الإشكالات حضورًا في الفن العربي الحديث والمعاصر تلك العلاقة المعقدة مع الحداثة الغربية. فقد وجد الفنان العربي نفسه أمام منجز عالمي هائل في مجالات التجريد والتعبيرية والتكعيبية وسواها، وكان عليه أن يتفاعل مع هذه التحولات دون أن يفقد خصوصيته الثقافية. ومن هنا نشأت محاولات متعددة لبناء حداثة عربية تستفيد من المنجز العالمي، ولكنها تبحث عن جذورها في البيئة المحلية والذاكرة الحضارية.
فيصل جلال ينتمي، من حيث الرؤية، إلى هذا المسار الذي يرى أن الحداثة ليست وصفة جاهزة يمكن استيرادها، وإنما هي قدرة على إنتاج السؤال الجمالي الخاص. ولذلك فإن أهمية تجربته لا تكمن في استعماله الحرف العربي فقط، بل في الطريقة التي يعيد بها بناء العلاقة بين الحرف واللوحة.
فاللوحة عنده ليست مساحة لإعادة إنتاج العلامات الموروثة، بل مختبر مفتوح لاختبار احتمالات اللون والحركة والإيقاع والفراغ. وهذا ما يمنح العمل الفني قابلية لأن يُقرأ على مستويات متعددة: يمكن أن يُرى بوصفه بناءً تجريديًا، ويمكن أن يُقرأ بوصفه استدعاءً لذاكرة عربية عميقة، ويمكن أن يُفهم باعتباره محاولة لصياغة لغة بصرية معاصرة لا تتخلى عن جذورها.
إنها حداثة لا تأتي من الخارج لكي تفرض نفسها على الذاكرة، وإنما تنبع من داخل الذاكرة نفسها. وفي هذا المعنى، فإن تجربة فيصل جلال تلتقي مع أحد أكثر الاتجاهات أهمية في الفن العربي المعاصر: البحث عن المعاصرة من خلال إعادة اكتشاف الذات، لا من خلال الانغلاق عليها.
عُمان في قلب المشهد التشكيلي العربي
لا يمكن قراءة تجربة فيصل جلال بعيدًا عن التحولات التي عرفها المشهد التشكيلي العُماني خلال العقود الأخيرة. فقد استطاع الفنانون العُمانيون أن يقدّموا تجارب متنوعة تكشف عن ثراء البيئة الثقافية والجمالية في السلطنة، وعن قدرة الفنان العُماني على الانتقال من المحلي إلى العربي والإنساني.
وتأتي تجربة فيصل جلال ضمن هذا السياق بوصفها أحد التعبيرات التي تؤكد أن الفن التشكيلي العُماني لم يعد مجرد شأن ثقافي محلي، وإنما أصبح جزءًا من المشهد التشكيلي العربي الأوسع. فحين يستثمر الفنان عناصر من الذاكرة العُمانية والعربية، ثم يعيد صياغتها داخل لغة بصرية حديثة، فإنه لا يعبّر عن ذاته فقط، بل يساهم في تقديم صورة أكثر ثراءً عن الثقافة العُمانية وموقعها داخل الثقافة العربية.
من هنا تبرز أهمية الحرف العربي بوصفه نقطة التقاء بين المحلي والكوني. فهو ينتمي إلى فضاء ثقافي عربي واسع، لكنه في الوقت نفسه قابل لأن يحمل خصوصيات التجارب التي تستثمره. وفي أعمال فيصل جلال يمكن للحرف أن يصبح جسرًا بين عُمان ومحيطها العربي، وبين الذاكرة المحلية والأسئلة الجمالية العالمية.
إن قيمة التجربة العُمانية هنا لا تكمن في البحث عن حضور رمزي على الخريطة العربية فحسب، وإنما في إنتاج خطاب تشكيلي يمتلك القدرة على المشاركة في الأسئلة الكبرى التي يطرحها الفن المعاصر: سؤال الهوية، سؤال الذاكرة، سؤال العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وسؤال إمكانية تحويل الموروث إلى طاقة مستقبلية.
حين تصبح اللوحة ذاكرة مفتوحة على المستقبل
ربما تكمن القيمة الأعمق في تجربة فيصل جلال في أنها تذكّرنا بأن الهوية ليست صندوقًا مغلقًا، وأن التراث لا ينبغي أن يتحول إلى متحف ثابت. الهوية، في بعدها الثقافي والجمالي، عملية مستمرة من إعادة البناء والتأويل. وكل فنان حقيقي هو، بطريقة أو بأخرى، ابن ذاكرته ومتمرّد عليها في الوقت نفسه.
من هنا يصبح الحرف العربي في أعمال فيصل جلال أكثر من عنصر تشكيلي؛ إنه ذاكرة تتحرك داخل فضاء معاصر. إنه يستعيد شيئًا من تاريخ الكتابة العربية، ولكنه لا يعود إليه لكي يكرره، وإنما لكي يفتح داخله احتمالات جديدة. وحين يتحول الحرف إلى حركة ولون وفضاء وإيقاع، فإننا لا نعود أمام كتابة بالمعنى التقليدي، بل أمام كتابة بصرية تستدعي العين والذاكرة والخيال معًا.
هذه القدرة على تحويل العلامة الثقافية إلى مادة جمالية مفتوحة هي ما يجعل تجربة الفنان قابلة للانتقال من المحلي إلى العربي، ومن العربي إلى الإنساني. فالفن لا يصبح كونيًا لأنه يتخلى عن هويته، وإنما لأنه يستطيع أن يجعل من خصوصيته لغة قادرة على التواصل مع الآخر.
في عالم تتزايد فيه النزعة إلى التشابه البصري، وتنتشر فيه الصور والأنماط الجاهزة بسرعة غير مسبوقة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى تجارب فنية تحافظ على فرديتها. إن الفنان الذي يمتلك لغته الخاصة يستطيع أن يقاوم هذا التشابه، وأن يمنح اللوحة قدرتها على أن تكون مساحة للمقاومة الجمالية، ولحفظ الذاكرة، ولإعادة ترتيب علاقتنا بالعالم.
من هذا المنظور، فإن فيصل جلال لا يضيف إلى الحروفية العربية لوحة أخرى فحسب، وإنما يشارك في إعادة طرح سؤال الحرف نفسه: ماذا يستطيع الحرف أن يصبح حين يتحرر من وظيفته الأولى؟ وإلى أي مدى يمكن لذاكرة الكتابة أن تتحول إلى ذاكرة بصرية؟ وكيف يمكن للتراث أن يكون مادة للمستقبل لا مجرد أثر من الماضي؟
أسئلة من هذا النوع تمنح التجربة قيمتها النقدية، وتخرج بها من دائرة الاحتفاء بالفنان إلى مجال الحوار حول مستقبل الفن العربي نفسه.
إن الفنان الذي يحوّل الحرف إلى رؤية، واللون إلى لغة، والفراغ إلى معنى، لا يضيف أعمالًا جديدة إلى رصيد الفن فحسب، وإنما يضيف طريقة جديدة للنظر إلى العالم. ومن هنا تستحق تجربة فيصل جلال مزيدًا من الدراسة النقدية، لا باعتبارها تجربة عمانية فحسب، وإنما بوصفها جزءًا من حوار عربي واسع حول معنى الحداثة، وحدود الهوية، وإمكانات الموروث في صناعة الجمال المعاصر.
لقد استطاع فيصل جلال أن يجعل من الحرف العربي مساحة للتجريب، ومن الذاكرة مجالًا للابتكار، ومن الهوية أفقًا مفتوحًا لا قيدًا مغلقًا. وهذه، في تقديري، إحدى العلامات الأساسية على نضج التجربة الفنية: أن يعرف الفنان من أين يأتي، دون أن يتوقف عند نقطة البداية، وأن ينفتح على المستقبل دون أن يفقد الطريق الذي جاء منه.
هكذا تغدو اللوحة عند فيصل جلال أكثر من سطح بصري؛ إنها حوار بين زمنين، وذاكرة تتجدد، وهوية تبحث عن صورتها في المستقبل. وفي هذا الحوار تحديدًا تكمن قيمة تجربته ومكانتها الممكنة داخل المشهد التشكيلي العربي؛ فالفن الذي يستمد جذوره من أرضه، ثم يمد أغصانه نحو العالم، هو وحده القادر على أن يتحول من تجربة شخصية إلى إضافة حقيقية للثقافة الإنسانية.
- كاتب صحفي مهتم بقضايا التنمية و الفكر و المواطنة و آخر ارهاصات المشهد الثقافي العربي.
-
من هنا، لا تبدو تجربة فيصل جلال منفصلة عن التحولات التي عرفها الفن العربي الحديث، وخاصة منذ أن بدأ عدد من الفنانين العرب في مساءلة العلاقة بين الفن والهوية، والبحث عن لغة بصرية تستطيع أن تستفيد من منجزات الحداثة العالمية دون أن تفقد صلتها بالمرجعيات الثقافية المحلية. لقد كان هذا السؤال، ولا يزال، من أكثر الأسئلة إلحاحًا في التجربة التشكيلية العربية: كيف يمكن للفنان أن يكون حديثًا من دون أن يكون مستنسخًا؟ وكيف يمكن أن يستثمر التراث دون أن يتحول إلى أسير له؟
في هذا السياق، تبدو تجربة فيصل جلال جديرة بالتأمل، لأنها تقترح إجابة فنية لا تقوم على الشعارات، وإنما على الممارسة. فالحرف العربي في أعماله لا يحضر باعتباره زينة أو علامة هوية مباشرة، بل يتحول إلى بنية تشكيلية تتداخل فيها الحركة والخط واللون والفراغ والإيقاع. إنه حرف يتخلص من وظيفته القرائية المباشرة ليكتسب وظيفة بصرية جديدة، من دون أن يفقد تمامًا ذاكرته الأولى. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في تجربته: القدرة على الانتقال بالحرف من مجال الكتابة إلى فضاء التشكيل، ومن الدلالة اللغوية إلى الدلالة البصرية.
الحرف العربي... من ذاكرة الكتابة إلى حرية التشكيل
ظل الحرف العربي، منذ تجارب الحروفية العربية الحديثة، واحدًا من أكثر العناصر قدرة على إثارة الأسئلة الجمالية والفكرية. فقد اكتشف الفنانون فيه طاقة تتجاوز وظيفته التواصلية، ورأوا في هندسته وانحناءاته وتقاطعاته وإيقاعاته إمكانية لبناء عالم بصري مستقل. غير أن الانتماء إلى الحروفية لا يمنح التجربة الفنية قيمتها تلقائيًا؛ فالمسألة لا تتعلق باستخدام الحرف، وإنما بالقدرة على إعادة إنتاج معناه الجمالي.
من هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة تجربة فيصل جلال. فهو لا يستدعي الحرف من الماضي لكي يعيد عرضه في هيئة جديدة، وإنما يدخل معه في علاقة إبداعية مفتوحة، تجعل الحرف موضوعًا للتأويل والتفكيك وإعادة البناء. إن الحرف لديه يتحرك داخل اللوحة، يتجاور مع اللون، يتداخل مع المساحات، ويخضع لإيقاع بصري يحرره من ثباته التقليدي. وبذلك تتحول اللوحة إلى فضاء تتعايش داخله الكتابة والتجريد، الذاكرة والخيال، النظام والحرية.
وهذا التحول مهم جدًا في سياق الفن العربي المعاصر، لأنه يضع الحرف أمام سؤال التجديد. فالتراث لا يصبح حيًا بمجرد الاحتفاظ بأشكاله، وإنما حين يصبح قابلًا لإعادة القراءة. والحداثة، في المقابل، لا تتحقق بمجرد القطيعة مع الماضي، وإنما حين تستطيع أن تفتح داخل الموروث إمكانات جديدة لم تكن مرئية من قبل.
إن فيصل جلال يشتغل، في جانب أساسي من تجربته، على هذه المنطقة الوسطى الخصبة: منطقة لا تنكر الماضي ولا تستسلم له، ولا ترفض الحداثة ولا تقع في أسر نماذجها الجاهزة.
حداثة تنطلق من الداخل
من أكثر الإشكالات حضورًا في الفن العربي الحديث والمعاصر تلك العلاقة المعقدة مع الحداثة الغربية. فقد وجد الفنان العربي نفسه أمام منجز عالمي هائل في مجالات التجريد والتعبيرية والتكعيبية وسواها، وكان عليه أن يتفاعل مع هذه التحولات دون أن يفقد خصوصيته الثقافية. ومن هنا نشأت محاولات متعددة لبناء حداثة عربية تستفيد من المنجز العالمي، ولكنها تبحث عن جذورها في البيئة المحلية والذاكرة الحضارية.
فيصل جلال ينتمي، من حيث الرؤية، إلى هذا المسار الذي يرى أن الحداثة ليست وصفة جاهزة يمكن استيرادها، وإنما هي قدرة على إنتاج السؤال الجمالي الخاص. ولذلك فإن أهمية تجربته لا تكمن في استعماله الحرف العربي فقط، بل في الطريقة التي يعيد بها بناء العلاقة بين الحرف واللوحة.
فاللوحة عنده ليست مساحة لإعادة إنتاج العلامات الموروثة، بل مختبر مفتوح لاختبار احتمالات اللون والحركة والإيقاع والفراغ. وهذا ما يمنح العمل الفني قابلية لأن يُقرأ على مستويات متعددة: يمكن أن يُرى بوصفه بناءً تجريديًا، ويمكن أن يُقرأ بوصفه استدعاءً لذاكرة عربية عميقة، ويمكن أن يُفهم باعتباره محاولة لصياغة لغة بصرية معاصرة لا تتخلى عن جذورها.
إنها حداثة لا تأتي من الخارج لكي تفرض نفسها على الذاكرة، وإنما تنبع من داخل الذاكرة نفسها. وفي هذا المعنى، فإن تجربة فيصل جلال تلتقي مع أحد أكثر الاتجاهات أهمية في الفن العربي المعاصر: البحث عن المعاصرة من خلال إعادة اكتشاف الذات، لا من خلال الانغلاق عليها.
عُمان في قلب المشهد التشكيلي العربي
لا يمكن قراءة تجربة فيصل جلال بعيدًا عن التحولات التي عرفها المشهد التشكيلي العُماني خلال العقود الأخيرة. فقد استطاع الفنانون العُمانيون أن يقدّموا تجارب متنوعة تكشف عن ثراء البيئة الثقافية والجمالية في السلطنة، وعن قدرة الفنان العُماني على الانتقال من المحلي إلى العربي والإنساني.
وتأتي تجربة فيصل جلال ضمن هذا السياق بوصفها أحد التعبيرات التي تؤكد أن الفن التشكيلي العُماني لم يعد مجرد شأن ثقافي محلي، وإنما أصبح جزءًا من المشهد التشكيلي العربي الأوسع. فحين يستثمر الفنان عناصر من الذاكرة العُمانية والعربية، ثم يعيد صياغتها داخل لغة بصرية حديثة، فإنه لا يعبّر عن ذاته فقط، بل يساهم في تقديم صورة أكثر ثراءً عن الثقافة العُمانية وموقعها داخل الثقافة العربية.
من هنا تبرز أهمية الحرف العربي بوصفه نقطة التقاء بين المحلي والكوني. فهو ينتمي إلى فضاء ثقافي عربي واسع، لكنه في الوقت نفسه قابل لأن يحمل خصوصيات التجارب التي تستثمره. وفي أعمال فيصل جلال يمكن للحرف أن يصبح جسرًا بين عُمان ومحيطها العربي، وبين الذاكرة المحلية والأسئلة الجمالية العالمية.
إن قيمة التجربة العُمانية هنا لا تكمن في البحث عن حضور رمزي على الخريطة العربية فحسب، وإنما في إنتاج خطاب تشكيلي يمتلك القدرة على المشاركة في الأسئلة الكبرى التي يطرحها الفن المعاصر: سؤال الهوية، سؤال الذاكرة، سؤال العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وسؤال إمكانية تحويل الموروث إلى طاقة مستقبلية.
حين تصبح اللوحة ذاكرة مفتوحة على المستقبل
ربما تكمن القيمة الأعمق في تجربة فيصل جلال في أنها تذكّرنا بأن الهوية ليست صندوقًا مغلقًا، وأن التراث لا ينبغي أن يتحول إلى متحف ثابت. الهوية، في بعدها الثقافي والجمالي، عملية مستمرة من إعادة البناء والتأويل. وكل فنان حقيقي هو، بطريقة أو بأخرى، ابن ذاكرته ومتمرّد عليها في الوقت نفسه.
من هنا يصبح الحرف العربي في أعمال فيصل جلال أكثر من عنصر تشكيلي؛ إنه ذاكرة تتحرك داخل فضاء معاصر. إنه يستعيد شيئًا من تاريخ الكتابة العربية، ولكنه لا يعود إليه لكي يكرره، وإنما لكي يفتح داخله احتمالات جديدة. وحين يتحول الحرف إلى حركة ولون وفضاء وإيقاع، فإننا لا نعود أمام كتابة بالمعنى التقليدي، بل أمام كتابة بصرية تستدعي العين والذاكرة والخيال معًا.
هذه القدرة على تحويل العلامة الثقافية إلى مادة جمالية مفتوحة هي ما يجعل تجربة الفنان قابلة للانتقال من المحلي إلى العربي، ومن العربي إلى الإنساني. فالفن لا يصبح كونيًا لأنه يتخلى عن هويته، وإنما لأنه يستطيع أن يجعل من خصوصيته لغة قادرة على التواصل مع الآخر.
في عالم تتزايد فيه النزعة إلى التشابه البصري، وتنتشر فيه الصور والأنماط الجاهزة بسرعة غير مسبوقة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى تجارب فنية تحافظ على فرديتها. إن الفنان الذي يمتلك لغته الخاصة يستطيع أن يقاوم هذا التشابه، وأن يمنح اللوحة قدرتها على أن تكون مساحة للمقاومة الجمالية، ولحفظ الذاكرة، ولإعادة ترتيب علاقتنا بالعالم.
من هذا المنظور، فإن فيصل جلال لا يضيف إلى الحروفية العربية لوحة أخرى فحسب، وإنما يشارك في إعادة طرح سؤال الحرف نفسه: ماذا يستطيع الحرف أن يصبح حين يتحرر من وظيفته الأولى؟ وإلى أي مدى يمكن لذاكرة الكتابة أن تتحول إلى ذاكرة بصرية؟ وكيف يمكن للتراث أن يكون مادة للمستقبل لا مجرد أثر من الماضي؟
أسئلة من هذا النوع تمنح التجربة قيمتها النقدية، وتخرج بها من دائرة الاحتفاء بالفنان إلى مجال الحوار حول مستقبل الفن العربي نفسه.
إن الفنان الذي يحوّل الحرف إلى رؤية، واللون إلى لغة، والفراغ إلى معنى، لا يضيف أعمالًا جديدة إلى رصيد الفن فحسب، وإنما يضيف طريقة جديدة للنظر إلى العالم. ومن هنا تستحق تجربة فيصل جلال مزيدًا من الدراسة النقدية، لا باعتبارها تجربة عمانية فحسب، وإنما بوصفها جزءًا من حوار عربي واسع حول معنى الحداثة، وحدود الهوية، وإمكانات الموروث في صناعة الجمال المعاصر.
لقد استطاع فيصل جلال أن يجعل من الحرف العربي مساحة للتجريب، ومن الذاكرة مجالًا للابتكار، ومن الهوية أفقًا مفتوحًا لا قيدًا مغلقًا. وهذه، في تقديري، إحدى العلامات الأساسية على نضج التجربة الفنية: أن يعرف الفنان من أين يأتي، دون أن يتوقف عند نقطة البداية، وأن ينفتح على المستقبل دون أن يفقد الطريق الذي جاء منه.
هكذا تغدو اللوحة عند فيصل جلال أكثر من سطح بصري؛ إنها حوار بين زمنين، وذاكرة تتجدد، وهوية تبحث عن صورتها في المستقبل. وفي هذا الحوار تحديدًا تكمن قيمة تجربته ومكانتها الممكنة داخل المشهد التشكيلي العربي؛ فالفن الذي يستمد جذوره من أرضه، ثم يمد أغصانه نحو العالم، هو وحده القادر على أن يتحول من تجربة شخصية إلى إضافة حقيقية للثقافة الإنسانية.
- كاتب صحفي مهتم بقضايا التنمية و الفكر و المواطنة و آخر ارهاصات المشهد الثقافي العربي.
-