هدى حجاجي ‐ حين يصبح الحبُّ زلزالًا لغويًا قراءة نقدية في نص «شِعَاف» للشاعر حلمي أبو حجاب

ثمة نصوص لا تدخل إليها من باب المعنى المباشر، وإنما من بوابة الدهشة.

نص «شِعَاف» للشاعر حلمي أبو حجاب واحد من هذه النصوص؛ إذ لا يقدم الحب بوصفه عاطفة هادئة يمكن الإمساك بتفاصيلها، وإنما يقدمه كحالة من الانفجار الداخلي، تتهاوى أمامها الحدود بين الجسد والكون، وبين الرغبة والخوف، وبين الحياة والموت.

إننا أمام كتابة لا تبحث عن الجملة المألوفة، بل عن الصورة التي تفاجئ القارئ وتنتزعه من منطقة الأمان.

ومنذ البداية يقول الشاعر:

«أنتِ التي طرّزتِ لي هذا الهواءَ بإبرةٍ من صحوكِ،
ثم انتزعتِ الرئتينِ كي أتعلّمَ الرقصَ حافيًا على زجاجِ الأنوثة.»

إنها بداية لا تكتفي بوصف المرأة، وإنما تعيد خلق العالم من حولها.

فالهواء يُطرَّز، والوعي يتحول إلى إبرة، والرئتان تُنتزعان، والأنوثة تتحول إلى زجاج.

IMG-20260903-WA0001.jpg


وهنا تتأسس معادلة النص الأولى:

الحب يمنح الحياة، لكنه في الوقت نفسه يسلب القدرة على التنفس.

وهذه المفارقة ستظل ممتدة حتى النهاية.

المرأة بوصفها قوة كونية

المرأة في هذا النص ليست شخصية روائية ذات ملامح محددة، وليست مجرد معشوقة تقف أمام الشاعر.

إنها قوة تتجاوز حدود الجسد.

حين يقول:

«تمشين،
فيسقط الجدار بين الغرفة والسماء،
تجلسين،
فتنشطر المائدة إلى صيفٍ ينزُّ خمرًا ومقبرةٍ تنتظر الأبقار الضاحكة.»

نجد أن حضورها لا يغير المكان فحسب، بل يعيد تشكيل قوانينه.

المشي يهدم الجدار.

والجلوس يشطر المائدة.

والغرفة تتصل بالسماء.

والمائدة تتحول إلى صيف ومقبرة.

إنها كتابة تقوم على تفجير الأشياء من داخلها؛ فالشيء لا يبقى شيئًا واحدًا، بل يصبح احتمالًا لشيء آخر.

وهذه إحدى أبرز سمات النص السريالية؛ إذ لا يخضع الشاعر للصورة الواقعية، وإنما يترك المخيلة تعيد تركيب العالم.

حين يتحول الخوف إلى موسيقى

يسأل الشاعر:

«من علّمكِ كيف تثقبين الخوف حتى يصير نايًا؟»

وهذه من أكثر الصور جمالًا في النص.

فالخوف، في معناه المعتاد، إحساس خانق ومؤلم، لكن الشاعر يمنحه إمكانية جديدة: أن يتحول إلى موسيقى.

إنها ليست إزالة للخوف، وإنما إعادة تشكيل له.

وهذا بالضبط ما يفعله الحب في النص كله؛ لا يلغي الألم، بل يحوله إلى لغة.

ثم تأتي صورة القاطرة التي تفزّع الأنين، قبل أن تهدأ كطفل يلامس حافة شالها، لتؤكد أن المرأة هنا تمتلك قدرة شبه أسطورية على تهدئة الأشياء العنيفة.

إنها لا تهدئ الشاعر فقط؛ بل تهدئ القاطرة، والأنين، والمكان، والكون من حوله.

البحر والميناء… ثنائية الأمان والمغامرة

من أجمل المفاتيح الرمزية في النص حضور البحر والميناء والمنارة والموج.

يقول:

«لا تطلبي مني أن أطيعَ المنارة،
فأنا حين أحبكِ..
أدفن الميناء تحت إبطي،
وأقفز للموج كمن يشرب الماء من حلق البرق.»

المنارة رمز للهداية.

والميناء رمز للأمان والوصول.

أما الموج فهو المجهول والمغامرة والخطر.

والشاعر يرفض المنارة، ويدفن الميناء، ويختار القفز إلى الموج.

لماذا؟

لأن الحب عنده ليس وصولًا آمنًا، بل سقوطًا اختياريًا في المجهول.

إنه لا يريد الحب الذي يعيد الإنسان إلى الشاطئ، بل الحب الذي يدفعه إلى مغادرة الشاطئ أصلًا.

وهنا تتضح فلسفة النص:

العاشق الحقيقي، في رؤية الشاعر، لا يبحث عن النجاة بقدر ما يبحث عن التجربة التي تستحق أن يخاطر من أجلها.

سبعون مشنقة معطّرة بالورد

ثم يصل النص إلى صورة شديدة القسوة والدهشة:

«سقطتْ من أكمامي سبعونَ مشنقةً
معطّرةً بالورد.»

كيف يمكن للمشنقة أن تكون معطّرة بالورد؟

هنا يضع الشاعر الموت بجوار الجمال، والقتل بجوار العطر، والفناء بجوار الرغبة.

وهذه ليست صورة مجانية؛ إنها تلخص طبيعة الحب الذي يقدمه النص.

فالحب هنا جميل وخطر في الوقت نفسه.

قد يمنح العاشق أجمل لحظاته، لكنه يستطيع أيضًا أن يعلّقه على حبل الانتظار والاشتياق.

والرقم «سبعون» لا يبدو مقصودًا بوصفه رقمًا حسابيًا، وإنما يأتي بوصفه علامة على الكثرة والمبالغة والامتداد؛ وكأن الشاعر يقول إن خلف كل طبقة من الرغبة طبقات من الفناء.

المدينة المسوّسة والحكمة التي تبيع الأكفان

من أكثر المقاطع جرأة:

«نُقشّرُ بهما جلدَ المدينةِ المسوَّسة،
نبصقُ في وجهِ الحكمةِ كأنها شيخٌ يبيعُ الكفنَ للعشاق.»

هنا يتجاوز النص العلاقة بين رجل وامرأة، ليصطدم بالمجتمع والحكمة التقليدية.

فالمدينة مسوَّسة؛ أي أن الفساد ليس على سطحها فقط، وإنما أكل داخلها.

أما الحكمة التي يُفترض أن تكون طريقًا إلى النجاة، فقد تحولت إلى شيخ يبيع الأكفان للعشاق.

وهذه صورة ساخرة ومتمردة؛ لأنها تضع الحكمة التقليدية في مواجهة الرغبة في الحياة.

كأن الشاعر يقول:

دعوا العشاق يعيشون جنونهم، ولا تقدموا لهم نصائحكم الباردة.

ومن هنا يصبح الحب في النص نوعًا من العصيان.

الانفجار الأخير

تتجه القصيدة تدريجيًا نحو ذروتها، حتى يقول:

«لا أريدُ الحادثةَ العادية،
أريدُ أن أسقطَ فيكِ
كما يسقطُ النجمُ في جبِّ العسل.»

إنه لا يريد علاقة عادية.

لا يريد حبًا قابلًا للتصنيف.

ولا يريد سقوطًا هادئًا.

بل يريد أن يتحطم داخل التجربة:

«مزيقًا.. متشظيًا..
وصارخًا في أذن العالم...»

وهنا تبلغ اللغة أقصى طاقتها الانفعالية.

الشاعر لا يريد أن يعيش الحب سرًا، بل يريد أن يجعل سقوطه حادثة كونية يسمعها العالم.

ثم تأتي الجملة الختامية:

«هذا هو الخطرُ الذي كنتُ أنتظرُه!»

وهي خاتمة تلخص النص كله.

فالمفارقة أن الشاعر يعرف أن ما ينتظره خطر، ومع ذلك يذهب إليه بإرادته.

إنه لا يبحث عن امرأة آمنة.

بل يبحث عن الخطر الذي يعيد تعريف وجوده.

لغة النص… بين السريالية والدهشة

اللافت في تجربة «شِعَاف» أن الشاعر لا يعتمد على الصورة الشعرية التقليدية، بل يبني عالمه من علاقات غير متوقعة بين الكلمات.

الهواء يُطرَّز.

الخوف يصبح نايًا.

الجدار يسقط بين الغرفة والسماء.

المائدة تنشطر.

الميناء يُدفن تحت الإبط.

الماء يُشرب من حلق البرق.

المشنقات تُعطّر بالورد.

والحكمة تبيع الأكفان.

هذه الصور لا تطلب من القارئ أن يصدقها حرفيًا، وإنما أن يشعر بها.

وهنا تكمن قوة الكتابة السريالية: أنها لا تخاطب المنطق وحده، بل تخاطب المناطق الخفية في المخيلة.

ومع ذلك، فإن هذا النوع من الكتابة يحمل مخاطرة فنية؛ فالإفراط في الصورة الصادمة قد يجعل النص يفقد بعض تماسكه الدلالي إذا لم يجد القارئ خيطًا داخليًا يربط المشاهد.

وفي «شِعَاف» يبدو هذا الخيط حاضرًا في مفردات الخطر، والخوف، والسقوط، والموت، والرغبة، والبحر، والأنوثة.

لذلك، رغم غرابة الصور، لا تبدو القصيدة مجموعة من الصور المنفصلة، وإنما تبدو كأنها رحلة واحدة نحو السقوط.

وأخيرًا

«شِعَاف» ليست قصيدة حب بالمعنى المألوف.

إنها قصيدة عن الرغبة في تجاوز المألوف.

عن عاشق لا يريد أن يحب بطريقة آمنة، ولا يريد أن يصل إلى امرأة دون أن يخسر شيئًا من نفسه.

إنها كتابة تجعل الحب حالة من التمرد على قوانين العقل، وتحوّل المرأة إلى فضاء كوني تتحرك داخله الرغبة والخوف والموت والحياة.

وأحسب أن أكثر ما يميز النص أن الشاعر لا يسأل:

كيف أنجو من هذا الحب؟

بل يسأل، بصورة غير مباشرة:

كيف أسقط فيه بما يكفي لأشعر أنني حي؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

فبعض العشاق لا يبحثون عن الشاطئ…

إنهم يبحثون عن الموجة التي تستحق أن يغرقوا فيها.

تحية للشاعر حلمي أبو حجاب على نص جريء، متمرد، شديد الخصوبة في صوره، يراهن على الدهشة ويستفز القارئ كي يعيد النظر في العلاقة بين الحب والخطر، وبين الجمال والانكسار.

بقلمي
الكاتبة الروائية
هويدا حجاجي أحمد – مصر

النص

شِعَاف

أَنْتِ الَّتِي طَرَّزْتِ لِي هذَا الهَوَاءَ بِإِبْرَةٍ مِنْ صَحْوِكِ،

ثُمَّ انْتَزَعْتِ الرِّئَتَيْنِ كَي أَتَعَلَّمَ الرَّقْصَ حَافِياً عَلَى زُجَاجِ الأُنُوثَة.

مَنْ عَلَّمَكِ كَيْفَ تُثَقِّبِينَ الخَوْفَ حَتَّى يَصِيرَ نَايَاً؟

وَمَنْ جَعَلَ القَاطِرَةَ الَّتِي تُفَزِّعُ أَنِينِي تَهْدَأُ كَطِفْلٍ حِينَ يُلامِسُ حَافَةَ شَالِكِ؟

تَمْشِينَ،

فَيَسْقُطُ الجِدَارُ بَيْنَ الغُرْفَةِ وَالسَّمَاءِ،

تَجْلِسِينَ،

فَتَنْشَطِرُ المَائِدَةُ إِلَى صَيْفٍ يَنِزُّ خَمْراً وَمَقْبَرَةٍ تَنْتَظِرُ الأَبْقَارَ الضَّاحِكَة.

لا تَطْلُبِي مِنِّي أَنْ أُطِيعَ المَنَارَةَ،

فَأَنَا حِينَ أُحِبُّكِ..

أَدْفِنُ المِينَاءِ تَحْتَ أَبْطِي، وَأَقْفِزُ لِلْمَوْجِ كَمَنْ يَشْرَبُ المَاءَ مِنْ حَلْقِ البَرْق.

يَا مَنْ تُعَلِّقِينَ الأَرْضَ بِمِشْجَبِ لَحْظَتِكِ،

لِمَاذَا كُلَّمَا نَفَضْتُ عَنِّي الشَّهْوَةَ..

سَقَطَتْ مِنْ أَكْمَامِي سَبْعُونَ مَشْنَقَةً مُعَطَّرَةً بِالوَرْد؟

وَكَيْفَ أَعْبُرُ هذَا الرَّصِيفَ المَلِيئَ بِالخَائِنِينَ،

بَيْنَمَا رِجْلاَيَ تَبْحَثَانِ عَنْ نَبْضٍ يَسْقُطُ مِنْ حَاشِيَةِ ثَوْبِكِ الكَوْنِيّ؟

هَاتِي شَفَتَيْكِ..

نُقَشِّرْ بِهِمَا جِلْدَ المَدِينَةِ المُسَوَّسَة،

نَبْصُقْ فِي وَجْهِ الحِكْمَةِ كَأَنَّهَا شَيْخٌ يَبِيعُ الكَفَنَ لِلْعُشَّاق.

لا أُرِيدُ الحَادِثَةَ العَادِيَّة،

أُرِيدُ أَنْ أَسْقُطَ فِيكِ كَمَا يَسْقُطُ النَّجْمُ فِي جُبِّ العَسَل:

مَزِيقاً.. مُتَشَظِّياً..

وَصَارِخاً فِي أُذُنِ العَالَمِ الَّذِي يَنَامُ كَالبَغْل:

"هذَا هُوَ الخَطَرُ الَّذِي كُنْتُ أَنْتَظِرُه!"

بقلمي: حلمي ابو حجاب
Helmy Abohegab

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى