د. خليل حسونه - انتظام الرؤية وانهمار الحواس قراءة غير منهجية في رواية " فوضى " للكاتب المتميز مأمون أحمد مصطفى

الرؤية ورواية الرواية:

تؤصل الرواية بأنها التاريخ الابداعي المتخيل، داخل التاريخ الموضوعي المعاصر، لذا اصبحت على اختلاف مستوياتها، وتوجهاتها الدلالية، الوعي الابداعي الكاشف عن جوهر مفارقات هذا التاريخ وتناقضاته، صراعاته، فواجعه والتباساته. سواء في تضاريه الحديثة، او أعماله الباطنية. الرواية بهذا الفهم ابداع يحرك الابداع ويتلمسه، يدغدغه، دون ان يدق عنقه. على هذا الاساس نستطيع تلمس جملة من الرؤى عبر رواية " فوضى " للكاتب مأمون احمد مصطفى.

منذ البداية وعلى طول صفحاتها القليلة الثقيلة، يبرز التشابك الواضح في هذه الرواية بين بين الوعي الخاطئ والوعي الممكن. بهدف الوصول الى الجمالية الروائية – أي خلق الدهشة – بما لذلك الخلق من قدرة على فعل الفعل. اذ بإمكان الحديث السحري اللوكاتشي (لوكاتش) الذي اعتمده الكاتب دون ان يدري – وحده قفز الحواجز الباشلارية (باشلار) – ومواجهة اشكالية الرؤية، ومعانقة وعي ممكن كما حدده (غولدمان). وهو بهذا يعانق فلسفة التاريخ، كمغامرة انسانية ناضجة لا تسقط لعبة الماضوية، ولكنها تنزع باستمرار نحو افاق مستقبلية الى الزلزال الذي فاجأ الكاتب به المتلقي، كما فوجئ به هو نفسه، بعد ان اعتصر رؤاه تماما. – والذي شكل له نبوءة نصية ( لكني استطيع ان افخر باللاوعي، الذي اقتحم سطور الرواية، وبؤرة ذاتي، ليسجل رغما عني وعن وعيي استبصارا ونبوءة ) ص8. أي مقارعة المسلكية الخانقة، والتقاط الارتواء المعرفي الايجابي بدل الظمأ، عبر صيرورة تنشر عافيتها في كل الاقنية النفسانية وغير النفسية، لكي لا يتحول الكاتب\ البطل من شخص الى بقايا شخص، دون ان يسعفه جلد الذات الاحتجاجي ( الغرق في النوم من جديد ) ولا الفداء الانتحاري ( القاء نفسه تحت عجلات السيارة ) لربط الحذاء – أي ايقاف سلوك المتنفذ الذي يمارس سطوة وفعلا يتنافى مع الطبيعة السوية للناس، بل ويقرر حتى طريقة موتهم، وكبح انفعالاتهم.

ولتحديد الافق الروائي في رواية " فوضى " – فنيا – سنجد ان الرؤية على طول مربعاتها تدور حول فكرة محورية – الحذاء – التي تثير منذ البداية زوبعة الدهشة والتساؤل – والتي يوظفها الكاتب للكشف عن معاناة معينة، تندفع في بؤرتها، لتقعد في ظلال رؤى اخرى، فتبرز عقلانيتها لتعانق تلقائية الموقف والحدث، مؤكدة ديمومة الصراع بين الخير والشر| الفعل واللافعل| الحضور والغياب| وهي رؤية فلسفية متقدمة، تستحلب حتمية الانفكاك، بل والانتصار في النهاية، بعد اليأس الذي خنق الناس او كاد.

( دقق في رباط الحذاء، فرآه متهدلا، متسخا، ملوى، بدأت الافكار تهاجمه من كل الاتجاهات، كيف يمكن السيطرة على التهدل، والاتساخ؟ وكيف يمكن التخلص من الالتواء )ص11. حيث كانت، بل وظلت الى عهد قريب، كل محاولات التمدد، والتمرد تنفيسية غير حاسمة، لذلك كانت تبوء بالفشل، امام المقاصل والمخارز، والجوع ( اصاخ السمع جيدا، كان الضراط قد فتح نافذة جديدة لتفريغ الهواء المضغوط، تحسس جسده من جديد، فعرف ان التنفيس قد بدد آماله بالانفجار )ص13.

يعمد الكاتب في هذا العمل لإبراز ما يريد، ويفصح، ويوحي في آن، بل ويوحي بأكثر مما يفصح عنه، وبسبب ذلك تستعين الكتابة بحلم الكاتب، وجنون الكتابة عنده، والتي هي ليست معادلة رياضية جامدة، ولا وعظا يصوغ الحياة على مقاييسه المُسبقة. انه يطلق لمخيلته العنان، يتركها تحلق على صهوة الحلم| الامل| الرؤية المستقبلية بلا خوف ولا تردد. تطارد في مدارات لا تحدها القوالب الجاهزة، ولا تعيقها المباشرة الساذجة، ولا تصورها رمزية فجة.

هكذا خلق هذا العمل المغامر حلم النبوءة والمفاجأة، وباتت القضية المطروقة تتمثل في ثنائية متواترة، ومتوترة، حيث السكون والاستكانة\ الحلم والتواصل| الظلم والعدالة| الفرح القليل وذلك المأمول المؤجل.

في هذه الثنائيات التي يكتنفها الاغتراب، يلتقي الكاتب بثنائيتة المحتملة. القهر وإرادة التحدي| وبما يجللها من مشاعر انسانية مرهفة دون كآبة ملتبسة، تنطوي على تجربة آدمية كثيفة وشاسعة هي صورة عن قدر الأمة المخلوق من التراجيديا والبطولة، ( فالديدان| الصراصير| الجرذ| الطحالب| العناكب| الكلب المهجن من فصيلة الضباع| المخلوق الغريب ) كلها مكونات تكرس، بل وتجذر رؤية الكاتب تجاه تفعيل المخاض، رغم صعوبة الطريق، وتعقيد المهايع، وعبر سكون الساكن، وحركة المتحرك، ففي سكون الساكن حركة، بركانية صامتة، والحركة سكون استاتيكي جمالي – لكنه يمور بالديمومة – وتفعيل الذات لمقارعة التزوير.

( ... والأدهى ان يقف القائد أمام ذاته، امام التاريخ، امام الشعب، امام الزمان، امام المكان، امام الاشياء، ليحول الهزيمة الى نصر مؤزر، الى حدث يشكل معالم التاريخ القائم، والقادم، بل ويصل للامتداد الى الماضي ليحوره وفق معطيات نصره المهزوم ).ص80-81

هنا مناخ ذهني فلسفي رمزي، وضع الكاتب في منحى تاريخي معين، كون وعي اللحظة التاريخية، عبر ذات المنحنى التاريخي المعين – مشكلا المانفستو النظري للفعل كأي بداية تقليدية لمحاولة الفهم. وكأنه هنا يود استحضار ذاكرة ايجابية، مضادة للذاكرة السلبية المحشوة بأيديولوجيا مغامرة، يفسرها الفنان المبدع بوعيه الذي يفترضه والذي رأيناه في هذا العمل، وكأنه يرفع اصبعا وسطى ضد كل ما لا يروق له، بعد ان يخلص الناس من الظلم، والقهر والفساد، وقطف الشفاء القادم ( شفاء عضات الكلاب وقضمات الجرذان )ص25 من بين ازلام النظام ( الكلاب ) وزبانيته ( الجرذان ).
من جانب اخر، يستهجن الكاتب صمت البعض تجاه الظلم واستمراؤه، وهو ما اثار حفيظة الرواية| الكاتب| البطل الروائي ( اثناء خروجه من المشفى، ظلت عيناه معلقتان على احذية المارة، يتفحصها بعين يكاد الحزن يخترقها. جميع الاحذية مربوطة بشكل جيد سليم بأناقة، هذا يدل على ان مشكلتهم مع الرباط منتهية، او هي غير موجودة اصلا )ص23

الكاتب في هذا العمل يريد ان ينتقد الحالة التي وصلت اليها المسلكيات الاجتماعية عند بعض الشرائح، وكأن هذا السؤال المشين سياج يحمي صاحبه، بناء على ذلك نستطيع القول، انه ليس كل ( انا ) كاتبة واعية بذاتها فقط، وبنوعية حضورها في العالم، لان الكتابة يمكن لها ان تكون ضربا من هروب الذات، والاحتماء بالخارج، وسعيا الى تغطية عريها ( فهذا المسحوق هنا الى حد الفقر الممعن في الفقر، الرث الملابس، المسكون بتقاطيع الزمن المحفور بكل قسوة على ملامحه، يتقن فن الضحك، علم القهقهة، منابت الفرح، وأصول السعادة، وكأن ما يستحقه قدر مسلم به، لا يمكن التفكير به او مقاومته ) ص87. يعود الكاتب مرة اخرى لينتقد هذا الوعي السلبي المضاد الذي لا يتعامل مع ما يجب ان يكون ( الوعي به من اجله| الثورة والتمرد| إحقاق الحقوق ). وهذا امر نرى فيه استاتيكيا، وعيا اجتماعيا سوسيولوجيا لعلاقات محددة، ضرورية، مستقلة عن الغير، وهي علاقات انتاج تناسب درجة محدودة تطور قواهم المادية الانتاجية، وهو نمط يكيف سيرورة الحياة الاجتماعية والسياسية، والفكرية بصفة عامة.

( نحن سلمنا طوعا وبإرادة قلنا: انها ارادتنا، وبحرية صورت لنا انها حرية، سلمنا للقادة ان يقوموا بتهجيننا تهجينا مطلقا، فاعترفنا عن قناعة او شبه قناعة، وعن خوف محشو بالجبن، اوليس الخوف المحشو بالجبن اقسى انواع الذل والعبودية؟ )ص85، هؤلاء المتنفذون من مارس اكبر حركة تزوير في التاريخ المعاصر، حيث تحولت الهزيمة في منظورهم الى نصر، والهروب الى ثبات، والمهزوم الى منتصر، ليس هذا فحسب، بل والفرعون زادت فرعنته، لأنه لم يجد من يرده عن غيه ( سلمنا بالهزيمة على انها النصر المؤزر، وابتكرنا من خيالنا الخصب المترع بالنماء، صورا، واطيافا ظللت الهزيمة بنوع من سحر مسرف في الوصول الى الافئدة والى القلوب، وارتددنا الى عصور قديمة، فوضعنا القائد المرتجف من ذبابة موضع الفراعنة، وتمادينا الى الحد الذي صرحنا فيه بطريقة ما الى الفخر بعبوديتنا لفراعيننا، دون ان ندرك او نحاول ان ندرك، ان فراعنة العصور القديمة، لم يكونوا عبيدا لفراعنة اكبر او اقوى منهم، اما نحن فإننا نعلن عبوديتنا لمن اعلنوا عبوديتهم للفراعنة ذوي المكانة والسطوة والنفوذ ) ص85-86.

ما هذه السخرية اللاذعة التي يطلقها الكاتب؟!
هل هي اليأس من السلوك السوي لدى البسطاء، الجياع، ام التحريض والدعوة الى الفعل والنهوض لاقتحام التابو وكسر الساكن واختراق هالة المحرمات؟!

نستطيع القول انها كل هذا وذاك، برز ذلك في الزمن الموقفي المتداخل مع زمن موقفي مغاير، والذي يشده خيط الضديد على قاعدة التلاقي والتنافر، زمن الانكفاء ( الجمهور ) المتضاد مع زمن الخروج ( التمرد ). بين الزمنين حس مأساوي تكشفه المفارقة بين وجود مكتمل داخل الحالة ( السلطة| المتنفذ| الحذاء ) ووجود منقوص خارجها ( الرائي| الكاتب| الشعب ). وهنا امكانية تلاحق التوتر، بحيث لا يبدو ما تستعيده الذاكرة حالة ماضوية، بقدر ما هو استدخال للماضي في نسيج الحاضر. اذ لم ينفصل الماضي نهائيا.

هنا قضايا جادة يعانيها الكاتب، جعل الخلق الفني لديه مسؤولا عن صياغة رؤية شاملة محركها التوتر اولا واخيرا، يحتضنها خطاب معرفي قابل لان يؤدلج بطريقة او بأخرى، يذهب بان يذهب بنا الاستكناه ليشكل مرتعا لجملة من القراءات المتشكلة غير المترفة تأويليا، وتأويل وجودنا ( به| عبره| معه ) حيث صراع الاضداد الذي يأخذ صراع ( الأنا الفردية للآخر| المتنفذ المتسلط| النمرود والحذاء| شجرة الدر ) مع الانا الجمعية ( الفقراء| ورموزهم الشعب برمته وكامل شرائحه ) ( داخل الأنا ) هذا الصراع يؤكد حتمية الوجود والبقاء.

لقد جاءت رؤية الكاتب اقرب الى الطقس اللاهوتي ومسلماته ( التفحيل والافحال )، ممنهجة عبر رؤيا ثقافية تنظر الى النص كمكمن للبشري من دفاعه الدائم عن وعي الوجود، كاتبنا التقط موضوعه من الواقع، ولا نعني بالواقع مفهومه المدرسي الجاهز، انما نعني به تلاحم الروائي، المتمثل بالتجربة الحياتية المعيشية.

هكذا اتضح المسار الفني في الرواية، وذلك في التزام الكاتب الثابت بينه وبين المجتمع عبر النص، بواقع عايشه، فبات يتشكل في سياقات جدلية مهولة، وفضاءات وامكنة غائمة في زوايا الذهن، عبر رحابة لا نهائية – لانهائية المكان والاحتمالات – وهو امر يوضح مفهوم الحتميات المحلية، ويبين انها جماعات مفسرة، أي جماعات تضم منتجي ومستهلكي هذا النوع او ذاك من المعرفة، واستنكارا لشمولية الخطاب الواعي، وامبرياليته، وان الرواية تبدو مكانا ليس بالمستحيل ان تتعايش فيه عوالم متشظية، خاصة اذا كانت متكافئة، او ان تقاس بمقاييس توحدها في وحدة واحدة متراصة.

ان الكاتب الذي يرى حقيقة متجددة في اطار مغامرة الكشف والخلق يضع لنفسه مساحات تصل الى ذروة الوعي الحاضر، حيث يتم استشفاف النسيج الانساني المنفتح على افاق بكر، بتفجير المواقف الخلاقة، والنظر اليها تحت اضاءات خاصة، من خلال اعادة النظر للعالم، ومسيرة الانسان وسواه، كم هائل من التناقضات، والتحديات بحيث يظل الفرد الانساني الهادف هو البديل الذي يحطم عفونة المياه وركودها.

الوعاء الشكلي للرواية:
لا بد عند قرائتنا لرواية " فوضى "من الغوص بشيء من الحميمية في الوعاء الشكلي الذي وضع الكاتب فيه موضوعته الروائية. وبمعنى اخر التطرق الى الاسلوب الكتابي الذي يتمنطق به كاتبنا في هذا العمل المفعم بالمشاعر المتزاحمة الفياضة والمضطربة، والذي يضج بالتأزم. واذا كان الاسلوب عند البعض هو مجموع الطاقات الايحائية في الخطاب الادبي، حيث ان الذي يميز هذا العمل هو كثافة الايحاء وتقليص التصريح، وهو نقيض ما يطرد في الخطاب العادي. او ما يمكن تسميته في الخطاب النفعي – المظاهر اللغوية – الاسلوب هو اشتقاق الاديب من الاشياء ما يلائم عبقريته، ومن هنا تنمو وتتنامى الفلذة الشعورية في العمل، وينوس مقياس المفاجأة تبعا لردود الفعل ومعدن تلك المفاجأة.

لغة الرواية هنا صاخبة، حارة، فواحه بروائح الكثافة الابداعية، قراءتها تدفعك للانتقال الى مرحلة التدبر والتفكير العميق. تراوح بين عالمين – عالم ميت – واخر لا يقوى على الولادة من جانب، وحتمية الولادة ولو كانت قيصرية من الجانب الاخر، يقوم معمارها في الاساس على اساليب الواقعية الاخلاقية، والتأويل الاخلاقي المعرفي، لذا توسع مدى البصيرة الرؤيوي، والوعي الاجتماعي المتجه نحو تحقيق الحلم.

انها تسير في طريق يقود الكاتب والمتلقي وراء رغبة غامضة، عبر اسلوب رمزي غامض ومحبب في نفس الوقت، في محاولة منها لسبر اغوار الحالات المعقدة، والفعل الرخيص، حالة الوعي السلبي لجملة من المتنفذات عولجت بطريقة عالية من المهارة والخيال، وايضا الذكاء. كما شكلت في نفس الوقت، بل وتجاوزت تقليدا شكليا، وجهدا ممتاز في تقييم الفارق التاريخي والفعلي بينها وبين القارئ الحديث، بما في ذلك بناء وعي المعالم الان، كما الماضي.

انها رواية مثيرة للاهتمام، تقف على حافة التخوم التي انتجت التعقيدات في الرواية الحديثة، كونها تفرز الحيرة والارتباك والفانتازيا والتصميم معا، عبر سرد متقن، وتغلغل بارع في العمق الاجتماعي باسلوب متماسك، ونفاذ دون ان تحمل شعارا غير شعار المؤولية الاجتماعية والادبية. اذ رصدت كفاح الناس، كدهم، شعاراتهم. صفاء النفس فيها ممزوج بالإباء الداخلي للكاتب الذي لم يلجأ في تقديمه لموضوعة في هذا العمل الى التقرير المباشر عن سماتها الخارجية والنفسية، بل عمد الى طرح هذا الموضوع القديم الجديد من خلال صراعاتها| صراعات الشخصية الرئيسة فيها ( الراوي والكاتب ). استحدث واقعيتها من امتزاج عنصري الخير والشر فيها. وتراوح الصراع النفسي داخلها ما بين مد وجزر، بأسلوب حرص على التحليل، والاستبطان لمجمل الظروف التي تبرز فيها تجسيم نوازع الشر وملامح الظلم الاجتماعي.

لقد برز هنا عمق الحميمية بين الشكل والموضوع، فكان السرد المتقن، الذي هو توظيف مهارات الروائي الواقعية والملغزة سعيا الى تحقيق الذات تحقيقيا وجوديا في عالم تطغى فيه | عليه، قوة التاريخ، وتعقيداته الاجتماعية، حيث تعيش فيه الاحداث داخل شروطها الصارمة. يتم فيه اخراج الحالات من عالم الوعي التقليدي والواقعي، الى عالم اخر، تسيطر عليه الالغاز، ويهيمن عليه الغموض، احداثها بناء مضغوط لالغاز الواقعية الرمزية واستغوار هام للصعوبات والحلات التي تواجه الروائي الحديث الذي لا يملك استعدادا للاستقصاء عن الخصائص الانسانية التي تتميز بها الرواية، فهو يعبر عن ابتكاراته المندفعة في ميكانيكية اسلوبية متناغمة، الحاضر فيها يتداخل فيه الكثير من الماضي. فيها يصقل الكاتب ادواته بدراية جلية واضحة. يهجس بذلك شعوره الذي يحتوي افكاره اللاذعة، ونبوءاته المستقبلية، ورغم فتنة اللغة التي يعتمدها، يظل موضوعه المليء بالغموض، يكشف، ويحجب دون ان يقترب من الغموض، او ينجذب الى شكلانية فاتنة تافهة المعنى.

الافكار الصارمة الجلية، وضحها البناء الداخلي دون مراء. لقد وظف الكاتب هذا الجهد الطيب الشاق في تفعيل علاقات الكتابة كلها في بناء ابداعي محدود الكلمات، واسع المعنى، نظام هندسي صارم، كما انه صلب، فكان العمل بجملته لوحة جذابة، ترصد حالاتها| ابطالها| ملامحها| رصدا دقيقا، في صمتهم، كلامهم، مواقفهم، حركاتهم، وتتبع ما يساورهم من انفعالات ومخاوف عميقة غامضة، واحساس بالذنب والقلق، تفيض على ارتعاشات العاطفة، ودبيب اللغة وحذرها في النفس، حتى وكأنها بقوامها، واصواتها، ولغتها بروشورا يعكس طيف المعالم والوجود، وبقدر ما تنطوي على اشكالها الانسانية التي يتحرك عليها محورها الروائي، اشكالية الفساد، والتراجع، وكل الثنائيات، وجدلية الاضداد التي لا تتوقف في ذهنية الكاتب المتميز.

هنا فلسفة نصية تشكلها لغة دافئة، متدفقة، مندفعة، تغوص ضمن حركة المفهوم واللامفهوم، تدرك ولا تتدارك ذاتها، تشكل مهمة لا حدود لها. تشرف على عمق افق بلا نهاية، حالة متأهبة تواقة للاكتمال. تمزج بالمفهوم الهيجلي – هيجل – بين محاولة اكتمال الوعي بالذات الى اطروحة تساؤل مستعاد. وبكونها تراوح بين التجريد واللاتجريد احيانا. وتظل في وضع انسحاب مضمر بحيث يقطع كل امر يشدها على عموميتها المكتسبة، لتجعل نفسها في احتكاك مستمر مع الفعل، لهذا التقطت ما هو متفرد ( الحذاء ) من الحالة التقليدية المهملة لتجعل منها مواضع للاختزال دائما للتفكير، ثم الفعل. مواضع دون هذه اللغة المتميزة ما كان للكاتب ان يستطيع ايصالها لذهنية المتلقي بهذا الشكل الصعب| السهل| الجميل.
جدلية الاسئلة بين فوضى السلب
وفعل الايجاب ..
الكاتب في هذا العمل المتميز امتلك جدل الاسئلة، بهدف امتلاك ناصية التحول والتحويل ( يحول ذاته الى قادرة وتحويل فشله الى قدرات )ص75 عبر حالات من التشظي النفسي جعلته يعترف بان نفسه موزعة بين ما هو واقع، وما يريد ويتمنى.

لقد دعا – بيلنسكي – الادب – بان يقدم اعمالا ابداعية مستمدة من الاعمال الرفيعة، والقيمة التي تخدم الانسان. فعلى الادب والفن عموما| وعميقا ان يرى شعور الكراهية تجاه كل اضطهاد وعسف، كما في رمزية الحذاء المعوق عدم ربطه لكل شيء جميل ( الفرح| اللعب| وحتى التفكير السوي السليم ). واذا كان الادب الملتزم هو التفهم المنطقي لاعتبار قيمي موضوعي ينقل الكاتب الى خارجه، كما انه مفاجأة لذاته، واعداد عفوي للمفاجأة، وفيه جدلية ذاتية مع الواقعية الخارجية. هكذا يعيد الشرط الثقافي انتاج نفسه، فتبرز اشكالية تساكن المفاهيم دون ابهام او زئبقية، وهي ابرز سمات الواقعية غير الرمزية واحيانا الرمزية التي اعتملت جوانب هذا العمل حيث رمزيته ( الحذاء| ربط الحذاء ) التي شكلت عصب الرواية.

هذا وإذا كان المبدع غير ايديولوجي وغير سياسي، وإذا كان خطابه في جوهره فنيا، فهذا لا يعني تفريغ الابداع من دلالته الايديولوجية، ودوره الموضوعي الذي يمكن ان يمارسه المجتمع، فللمبدع رؤيته، وموقفه، وايديولوجيته ايضا وكذا للنص كما نرى:
  • قدمت الرواية رسالة ممدرسة الى الاجيال القادمة حتى لا تصيبها الاستكانة. دعا فيها الكاتب لحسم الامور تجاه الحاكم الظالم حتى لا يصبح الخنوع سلوكا يتوارثه الابناء عن الاباء ( فالأطفال لا يزالون يملكون القدرة على ربط احذيتهم ببراعة واحتراف. لكن ماذا لو فقد الاطفال هذه القدرة يوما؟ قد لا يفقدونها بإرادتهم. ولكنهم قد يفقدونها لحظة يفقدها الاباء، فتصبح العادة الجارية – العجز عن ربط الاحذية – عادة وراثية، تنتقل عبر الاجيال حيلا خلف جيل!ص24- 25​
  • الرفض الباهت صورة عن القبول المؤدلج. حالة ممارسة لدى العديد من افراد المجتمع، ربما حفاظا على المصالح، وربما الخوف من المقاصل والخوازيق، فماسح الاحذية مارس في عمله السلوك الانتقائي بان وضع نفسه ( امام قضية القبول والرفض، فهو يمسح حذاء فلان، ويرفض مسح حذائي )ص33​
  • زيف الكثير من الحكام وضلالهم، فمعظمهم يحول الهزائم الى انتصارات، ويضع غشاوة على عيون الجماهير لا ترى عبرها الا ذاته المبجلة، فهو يملك الموقف والرؤية، وإرادة تغيير الدستور بما يتوافق مع مصالحه وزبانيته، بعد حقن الناس حتى الفقراء بحتمية تمجيده ( الجوع، حلقات الناس الجياع المتكومة كدمامل ضخمة، ورغم هذا تغني لحياته، وبحياته ). ص47 مع انه يعلم في الوقت ذاته ( ان الملايين لا يمكن سحقها ان هي قررت البقاء والحياة ) ص68 . فقد اكدت حركة التاريخ| ثورات الشعوب، امكانية ذلك ( فليس في التاريخ القديم والحديث ما يدل على ان رباط الحذاء يمكنه ان يبقى بمنأى عن الربط )ص88. ومما قوى فكرته هذه استحضار شخصية شجرة الدر، واسطورة النمرود، وارتباط كل منهما بالحذاء، كصورة مثلى عن ترابط تمرد الماضي بضرورة وحتمية تمرد الحاضر وانتصار الارادة الجديدة الناهضة من عزم الفقر والعوز، كلطمة قاسية قدمها الضعيف الناهض الى القوي الهابط.​
  • الاعتماد على الذات في التغيير المطلوب ( فالمخلوق الغريب الذي حاول ان يعقد رباط حذائه – " حذاء البطل| الرواية| الكاتب " فقد بصره في سبيل ذلك، والمشفى هنا باسره اهتم بجروحه بطريقة رائعة مدهشة، لكنه لم يهتم ولو للحظة بمساعدته بربط الحذاء )ص20.​
  • لماذا؟​
  • لان كل الحلول المقدمة، كانت وظلا حلولا مبتسرة غير قاطعة، لذلك لم تنجح جميعها في حل المعضلة.​
  • خاتمة:​
  • واخيرا، فان رواية " فوضى" مشبعة بجو من الحميمية والمتابعة القوية، وان كانت مترفقة بالأحداث والحالات، متقصية ابعاد الاحساس في الكلام، ليس على المستوى الادبي، بل بما للوظيفة الشخصية من قدرة على معرفة نزوعات النفس، وامتداداتها السوسيولوجية. انها " أوديسية" صدامية تبحث عما يجب ان يكون، عن طريق وعيها للكائن، تذكرنا رغم صغر حجمها بنموذج الروايات العملاقة. رواية مركبة، جريئة، ساطعة، تكشف مدى امكانية وخطورة استسلام الفرد للحاكم في آن، ومعاندته في آن آخر، وانه ليس قدرا مطلقا، ما يؤكد ان الكاتب روائي متمرس، يكشف عن نضج في الكتابة، وحساسية في التحدي بعيد المدى.​
  • وعلى كل حال فان " فوضى "، تشدك من تلابيبك صوب تفاصيل النهار، لتذوق طعم الشمس الساطعة. كثافة عالية تملي على المتلقي قراءة مزدوجة، محدودة لحظة القراءة المباشرة واخرى اكثر اتساعا ورحابة. تبدأ حين تنتهي القراءة الاولى. ما يؤكد انها تحترم القارئ، لأنها لا تعطيه المعنى كاملا، اذ تترك له فعل التحليل، والتأويل على قاعدة مشاركة المبدع ورؤيته. من جانب اخر يمكن الادعاء بانها رواية الربيع العربي كونها شكلت حالة استشرافية اكدت ان المبدع يرى ما لا يرى، وهو ما وفق فيه الكاتب مأمون احمد مصطفى كثيرا...!!​
  • د. خليل حسونه​
  • 20- 11- 2011​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى