د. خالد محمد عبدالغني - التحليل النفسي لشخصية الإرهابي

حين يتحول المجرم الإرهابي للقتل الجماعي بهذه الصورة الوحشية لأناس مسالمين فلابد وأن يكون قد تحول من شخص عدواني سيكوباتي مضاد لقيم المجتمع وعاداته وأعرافه إلى شخصية مصابة بجنون الإيذاء وعشق رؤية الجسد الممزق تلك الصورة البدائية المعبرة عن أقصى درجات العنف والعدوانية، وهذه الصورة ليست حديثة ولكنها قديمة تاريخيا.
أما هذه المرة فيصاحبها مجموعة من المعتقدات الضالة المضلة كما رأينا في حديث الإرهابي المجرم – عبدالرحيم المسماري منذ أيام – وهو "أي الإرهابي" حين يعتنق هذه الأفكار فقد سلم نفسه وعقله لشيطان من الإنس وقد تخلى تدريجيا عن معرفة الله والإلتزام بما نهي أو أمر ليصبح بعد قليل ألة لتنفيذ أوامر شيطانه التي اتفقت مع مكونات سيكوباثية وعدائية أصيلة في نفسه سرعان ما تؤطرها تلك المعتقدات بلباس من المعقولية لديه حتى تهيئه للقيام بالفعل الإرهابي التفجيري وتمزيق الجسد، وعندئذ يتحول وبالتدريج أيضا لإحلال شيطانه الإنسي – مرشده وشيخه وزعيمه – مكان الله تعالى ، ليصبح معبوده على نحو خاص من العبادة والتقديس والسمع والطاعة التي لا تقبل معصية أو تهاون أو تكاسل عن تنفيذ الأوامر ، وعندما حلَّ ذلك الشيطان الإنسي محل الله لدى ذلك الارهابي المجرم ، فإنه سوف يسعى لنيل رضاه ، وسيحرص على الفوز بمحبته وسيتفانى في اظهار الولاء والطاعة له دائما، وهو أي الإرهابي كما في حالة المسماري نموذجا كافر بكل قيم الحب والجمال إذ يعادي الحياة ويدمرها ويسعى فيها فسادا بقتل الإنسان الذي كرمه الله ، وعلى هذا النسق يكون ذلك الإرهابي الذي كفر بالجمال والحب وهما من أيات الله أفلا يكون كافر بالله تعالى ، وأصبح عبدا لهذا الشيطان الإنسي، حتى وإن صلى وصام وحج وزكي ففي حقيقة الأمر وفي ظل هذه التنظيمات والتجمعات تكون هذه الأشكال من العادات والسلوك بهدف خلق عالم افتراضي مغلق ومقدس من وهم وخداع للذات أولا، ولدعم تماسك تلك الجماعات الإرهابية من داخلها حتى يظل الإرهابي مغيبا عن ألتأمل في حقيقة كفره بالله وعبادته لشيطانه الإنسي.
وفي تلك الأعمال الإرهابية - التي تمزق غالبا أجساد الضحايا – تكون نتائجها مدمرة من حيث التأثير السلبي على الاقتصاد والسياحة والتجارة والسياسة وسيطرة الخوف والفزع على المواطنين ولا نبالغ إذا اعتبرنا الإرهاب واحداً من التحديات الكبرى التي تواجه العالم المعاصر لسنوات طويلة قادمة، وأصبح قضية عالمية لا يخلو أي مجتمع من وجودها، والأطفال بوجه خاص هم ضحيته الرئيسية، ومن ثم فقد اهتمت كافة وسائل الإعلام من الصحف والكتب وبرامج الإذاعة والتليفزيون والأفلام السينمائية ومسلسلات الدراما والمسرح بتناولها بالدراسة والتحليل والتقويم . وكشف ذلك الاهتمام بدراسة هذه الظاهرة أن من أهم أسباب الإرهاب البطالة، والجهل بالدين. وغياب الديمقراطية والإحباط النفسي والعنوسة. وكذلك وجود قوى خارجية تهدف إلى زعزعة الاستقرار والإخلال بالأمن
ويبدو أن الإرهاب يستخدم لخلق حالة من الذعر، وإشاعة جو من الفزع والإحساس بعدم الأمن وغياب الاستقرار مما يؤدي إلى ضعف ثقة المواطنين في حكوماتهم، والإرهاب كنوع من الدعاية يستخدمه الإرهابيون للإعلان عن حركات معينة، ولجذب مزيد من الأتباع، والحصول على تعاطف الآخرين، ومؤشر على احتمالات قيام الثورة. فمما لا شك فيه أن رسالة الإرهابيين المتسمة بالعنف والحدة تجعل الآخرين يستمعون إليها، الأمر الذي يتيح لهم التعبير عن أهدافهم وطموحاتهم بسهولة من خلال وسائل الإعلام الدولية. وعلى النقيض من ذلك، فإن أهداف وطموحات الحكومات الوطنية أحياناً ما تكون مشوشة ومتصارعة ومن الصعب تلخيصها في رسالة واضحة. ومن الصعب إعطاء الإرهاب أي منطق أو صبغة أخلاقية مهما كانت أهداف الجماعات أو الدول الممارسة له. ويعتبر العدوان سلوك مدفوع بالغضب والكراهية أو المنافسة الزائدة ويتجه إلى الإيذاء والتخريب أو هزيمة الآخرين، وفى بعض الحالات يتجه إلى الذات. وعند فرويد يعتبر الدافع العدواني دافع فطرى وغريزي. بينما توضح الدراسات الأنثروبولوجية أنه إستجابة لعوامل ثقافية، لأننا نجد مجتمعات تتسم بالعدوانية الزائدة أو الشديدة، بينما تتصف مجتمعات أخرى باللاعدوانية أو عدم العدوان
فى الدراسة الشهيرة آلتي قام بها "دونالد" و "ميللر" اعتبرا العدوان استجابة شائعة وعامة تترتب على شعور الفرد بالإحباط. وعلى ذلك لا يزال الخلاف بين العلماء عما إذا كان العدوان دافع أولى فطرى يدفع الكائن إلى التخريب والعدوان، أم استجابة معينة في مواقف خاصة كمواقف الإحباط. كما يعرف بأنه هو سلوك يتسم بالكراهية أو العداء والهجوم، ويمارسه في الغالب الأفراد المضطربون سلوكياً وقد يكون مؤذياً أو مخرباً. أو هو الشروع في التشاجر والتحفز للمهاجمة أو التعارك مع الآخر أو الميل للعدوان أو التدمير. أما هيلجارد فيعتبر العدوان نشاط هدام تخريبي من أي نوع، أو أنه نشاط يقوم به الفرد لإلحاق الأذى بشخص آخر، إما عن الطريق المادي الحسي أو عن طريق الاستهزاء والسخرية. كما يعتبر العدوان أحد الدفاعات الرئيسية التي تستجيب بها الشخصية في حالة فقدان توازنها النفسي وقدرتها على وضع حلول ملائمة للمواقف، ولذا يظهر العدوان بأشكال مباشرة وغير مباشرة في أغلب الأمراض الوظيفية سواء العصابية أو الذهانية وكذلك السلوكية أيضاً. وقد يظهر كاستجابة مرضية مصاحبة في عديد من الأمراض العضوية، وبعض المواقف التي تتسم بمواجهة المثيرات الضاغطة. ويظهر العدوان كأحد الدفاعات الرئيسية في الاضطرابات الوظيفية على متصل يبدأ من بعد العدوان على الآخر، حتى يصل إلى أقصى البعد المتطرف الآخر وهو العدوان على الذات وتدميرها (أنا أدمر الآخر– أنا أدمر نفسي). وبهذا فقد حظيت دراسة العدوان والعنف بالكثير من اهتمامات علماء النفس والاجتماع والخدمة الاجتماعية نظراً لما يمثله العنف من مظاهر سلوكية واسعة الانتشار لم تعد مقصورة على الأفراد وإنما اتسع نطاقها لتشمل الجماعات والمجتمعات وأحياناً الدول والحكومات. وهناك سلوك مكمل للعدوان هو العنف الذي يعرف بأنه "أفعال تتسم بالقوة البدنية من قبل المعتدى تسبب ألماً جسيماً أو ضرراً بالغاً أو موتاً للمعتدى عليه, وقد يكون هذا العنف موجهاً نحو إتلاف ممتلكات الغير, وهذا النوع من العنف يعرف بالعنف المادي, وقد يكون هذا العنف معنوياً عن طريق الكلام، وهو ما يعرف بالعنف اللفظي
ويشير العنف إلى مدى واسع من السلوك الذي يعبر عن انفعالية تنتهي بإيقاع الأذى أو الضرر بالآخر سواء كان هذا الآخر فرداً أو شيئاً مادياً, وهو أي سلوك بدني أو لفظي, يتم بشكل مباشر أو غير مباشر أو من خلال التعبير عنه في صورة العنف والعداوة, للأفراد بهدف إلحاق الأذى أو الضرر بفرد آخر أو بمجموعة من الأفراد. وتختلف أشكال التعبير عن العنف باختلاف السن والثقافة والوضع الطبقي والمستوى الاقتصادي والاجتماعي فضلاً عن أسلوب التربية والتنشئة والتكوين النفسي والنمط الخلقي الذي نشأ عليه الفرد، وبذلك يتم التعبير عن العدوان من خلال قسمات الوجه والعيون والفم واليدين والقدمين والجسم كله. والصياح والصراخ, والألفاظ الجارحة والشتم والفحش والبذاءة في القول, والسخرية والتهكم والنكتة, والتمرد والعصيان والمخالفة والعناد والتحدي والفشل في العمل, والإهمال - وهو صورة سلبية للتعبير عن العدوان -, والتجسس من أجل معرفة أشياء لاستخدامها في التهديد والإرهاب والابتزاز بل يجب التفرقة بين درجات أفعال العنف من الفعل البسيط (الصفع والدفع) إلى الفعل القاسي (الذي تنتج عنه إصابات). وهو يتضمن عدة أنواع: العنف البدني: ويتم من خلال السلوك البدني كالضرب والقتل والإيذاء البدني. والعنف الشفوي: ويكون بالتهديد باستخدام العنف دون استخدامه فعليا وغالبا ما يسبق العنف البدني هذا التهديد. والسلوك العدواني أو العنف قد يرجع في أساسه إلى الأسرة وما يجري فيها من فقدان الشعور بالاطمئنان والأمن أو خلال الحيلولة دون إشباع الحاجات، والأطفال الذين يلاحظون تكرار القسوة والانكسار ينمو لديهم العنف, فسلوك الآباء يصبح أحد العوامل المؤدية إلى عنف الأطفال. وترى نظرية التحليل النفسي أن العدوان كامن في النفس البشرية تثيره عوامل الإحباط والحرمان والعدوان - من وجهة نظر نظرية التحليل النفسي- وتذهب إلى أن الإنسان يولد ولديه مجموعة من الغرائز والحاجات, واستعداد فطري غريزي للسلوك العدواني, وأن هذا السلوك ذو أصل نشوئي يرافق الكائن الحي في مراحله المختلفة, ويقابل البحث عن اللذة وتجنب الألم, وأنه سلوك غير متعلم ولا تلعب البيئة دوراً في اكتسابه. وفي أحدث معالجات العدوانية في التحليل النفسي هي ما يسمى الإنسان ضد نفسه بحسب المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان حيث يكون العدوان وتمزيق الجسد قادر فى شرح الصفة الواضحة والغامضة للتجربة البشرية المتعلقة بفكرة البعد الجسدى والتمزيق. وهذه ظاهرة جاء ذكرها فى "جمهورية أفلاطون حيث أنه أثناء مرور أحد سكان المدينة بمكان تنفيذ حكم الإعدام علناً " يقال إنه لم يستطع منع نفسه من التفرس فى أجسام الموتى هناك. "بعيون واسعة محملقة اندفع نحو المثبت صارخاً" أيها التعساء هناك تعالوا و املأوا أنظاركم بهذا المنظر الجميل" وقد لاحظ أوجستن أيضاً الجاذبية الخاصة لمشهد الجسد الممزق. وهو يسأل ما وجه الامتاع الذى يمكن ان يكون فى مرآى الجثث الممزقة؟، فالناس تتجمهر وتلتف لرؤية جسد يفترش الارض ذلك ببساطة من أجل أحساسات الحزن والرعب التى يبعثها فيهم مرآى هذا الجسد والقوة الجاذبة لمخاوف الجسد هذه المذكورة فى تلك النصوص القديمة لها وجودها القوى فى الحياة اليومية الحديثة فسائقوا السيارات يلوون أعناقهم عند مرورهم بحادثة فى الطريق ما الذى يأملون فى رؤيته فى قلب هذا المشهد الباعث على الخوف ؟ كما أن مقالة لاكان عن "العدوانية فى التحليل النفسي" توضح أن الميل نحو صور التمزيق الجسدى متأصلة فى توترات داخل الأصل الخيالى للأنا وتمثل التعبير البدائى المناهضة الذات ضد قيود هويتها الخيالية ومن المفهوم جيداً، أن تصور لاكان عن العدوانية يستعيد النفس المركزية لتصور فرويد وهى أن العدوانية تمثل وظيفة التدمير البدائى للذات. ويتضح عند الصفحات الأولى لمقالة لاكان "العدوانية فى التحليل النفسي" أن مضمونها هو إلقاء بعض الضوء على المغزى الغامض الذى عبر عنه فرويد بمصطلحات غريزة الموت، أما بالنسبة للاكان فالعدوانية مرتبطة بالموت.


د. خالد محمد عبدالغني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى