د. بهاء الدين مكاوي محمد قيلي - إضاءات على بعض رموز الحركات النسوية في العالم العربي( الحلقة الأولى)

تمهيد:
شهد النصف الثاني من القرن العشرين بروز عدد من الحركات النسائية التي أثرت بشكل كبير على الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي العربي، وقد ارتبط نشوء وتطور هذه الحركات بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي طالت المجتمعات العربية آنذاك وأفضت إلى بدايات تصدع البني العشائرية، وتفكك الأسر الممتدة، وبداية تشكل المجتمع المدني الذي كانت هذه الحركات النسائية جزءً أساسياً منه.
أثار ظهور هذه الحركات – المتباينة في أهدافها وخطابها – ردود فعل متباينة تراوحت بين التعاطف والرفض واللامبالاة ، فقد تعاطف معها قسم من المجتمع رأى أن من حق المرأة أن تطالب بحقوقها وتسعى للنهوض بأوضاعها ، بينما ناهضها قسم آخر من المجتمع بكل ما أوتي من قوة ، ووصفها بأبشع الأوصاف وأقذع النعوت ، وتعامل معها قسم ثالث بنوع من الإهمال واللامبالاة ولم يعرها الكثير من الاهتمام ، وربما اعتبرها ظاهرة مؤقته سرعان ما تزول وتنمحي آثارها ، وقد عبرت مواقف الفئات المختلفة من الحركات النسوية عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي لهذه الفئات ، فقد كان المناصرون للمرأة ،غالباً، من سكان المدن والطبقات العليا والمثقفين ، بينما كان المناهضون لها ، في الغالب، من سكان الأرياف والطبقات الفقيرة ومحدودي التعليم ، بينما ضم القسم الثالث غير المبالي خليطاً من كل هذه الطبقات والفئات .
في المقابل سعت أغلب هذه الحركات النسائية إلى تطوير وتحوير رؤيتها ومطالبها وخطابها وممارساتها تبعاً لطبيعة الواقع الذي تعمل فيه ، وتعامل اغلبها بمرونة و، ربما، براغماتية مكنتها من التعاطي مع الواقع مستفيدة من فرصه ساعية الى تخطي عقباته في إطار القيم والتقاليد الاجتماعية ، وقليل من هذه الحركات اختار سبيل المواجهة مع المجتمع ، وذلك يعود في الغالب الى رسوخ القيم الاجتماعية التي تقيد تحركات المرأة ، والوصمة الاجتماعية التي كان يمكن أن تلاحق المتحررات من هذه القيود ، لذلك فقد جاء نشاط هذه الحركات متأنياً ولكنه دؤوباً ، وانعكس ذلك على النتائج التي حققتها هذه الحركات مقارنة بالحركات الاجتماعية الأخرى .
وجدير بالذكر أن هذه الحركات لم تبد أي نوع من معاداة الرجال كما ظهر في مناطق أخرى من العالم وكما ظهر في العالم العربي نفسه في وقت لاحق، بل كان اول الداعين الى حقوق المرأة من الرجال من أمثال رفاعة رافع الطهطاوي، والإمام محمد عبده، والأستاذ قاسم أمين ، ولكن ، لاحقاً، ظهرت قيادات نسائية تبنت قضايا المرأة وسعت لرفع الحيف عن كاهل النساء، بدعم ومساندة من بعض الرجال المستنيرين والمؤثرين، وقد كانت هذه الحركات، منذ البداية، مدركة لأبعاد الواقع الذي تعمل فيه من حيث الفرص والتحديات والرهانات، ولها رؤية استراتيجية تهدف – في مجملها- إلى إزالة كل مظاهر الظلم والاضطهاد والتمييز الواقعة على المرأة، ولكن دون الدخول في صراعات مع الرجال ودون تنصل عن قيم وأعراف المجتمع ، ولعل خير معبر عن هذا الموقف مقال كتبته لبيبة هاشم تقول فيه " لا أهلًا بعصر جرّ على الشرق أمثال هذا الداء، ولا مرحبًا بفرنجة اقتبسنا عنهم هذه الخلة الشنعاء، وسلامٌ على زمنٍ قضاه أجدادنا في بسطة العيش وصفو المسرات، وسقيا لأيام سادت فيها الجهالة ولكنها امتازت بالفضل وصيانة الذات، بل تعساً لدهر غدونا نشكو فيه الحاضر ونتلهف على ما فات "([1]) .
ارتبط ظهور الحركات النسائية العربية ونشاطها بالحركات الوطنية في البلدان العربية والتي كانت تسعى جاهدة لطرد المحتل الأجنبي، ولإدراك القادة الوطنيين لأهمية العنصر النسائي في هذه المعركة المصيرية، سعوا الى تشجيع النساء على تنظيم أنفسهن في تنظيمات نسائية أو الانخراط في الأحزاب الوطنية دعماً لجهود مكافحة الاستعمار، لذلك استأثرت المرأة باهتمام المفكرين والقادة الوطنيين في العالم العربي.
في هذا الإطار، أكد المفكرون والزعماء السياسيون أن المرأة تمثل أهم شرائح المجتمع وأكثرها عدداً، وأن المدخل الى الاستفادة من طاقات هذه الشريحة المهمة هو العمل على تحرير النساء من التقاليد الاجتماعية البالية التي تقيد حركتها وتقعد بها عن أداء دورها ورسالتها الوطنية بالصورة المثلى.
ارتفعت – نتيجة ذلك- الأصوات الداعية الى تعليم المرأة حتى تخرج من قمقم الجهل والتخلف وتلحق بالرجال في معركة التحرير الوطني، ونادى بعض المفكرين بالمساواة التامة بين الرجال والنساء، وكان من أبرز الأصوات الداعية الى حقوق المرأة والأكثر سبقاً في ذلك، حتى قبل انتباه القادة السياسيين الى أهمية دور المرأة، المرحوم قاسم أمين (1863م – 1908م) في مصر، وقد دفع قاسم أمين وغيره من مناصري حقوق المرأة تكاليف باهظة لهذه المواقف بسبب رسوخ الأفكار التقليدية والمتخلفة تجاه المرأة ودورها في المجتمع في ذلك الوقت، ومع ذلك فقد أثرت دعوة قاسم امين على قضية تعليم المرأة في كافة أنحاء الوطن العربي فانتشر تعليم الفتيات في كثير من البلدان العربية ، وبدأت الأفكار الداعية إلى تحرير المرأة تنساب شيئاً فشيئاً داخل المجتمعات العربية وتجتذب يوماً بعد يوم مزيداً من المناصرين .
لقد اتخذت بعض الناشطات النسويات الصحافة وسيلة للتبشير بآرائهن، ولكن، لما لم يكن المجتمع متهيئاً لمثل هذه الأفكار، فقد لجأن الى الكتابة تحت أسماء مستعارة، ثم برزن صحفيات تميزن بالجرأة فاعلنّ عن أنفسهن، بل أسس بعضهن صحفاً نسائية، وكان لمصر قصب السبق في ذلك، فظهرت مجلة الفتاة التي أسستها هند نوفل في العام 1892م، ثم مجلة الهوانم في العام 1900م ثم مجلة فتاة النيل، وظهر خلال تلك المرحلة عدد كبير من المجلات النسائية بلغ عددها ما يقرب من 30 جريدة ومجلة ، ولأسباب اقتصادية فقد توقف العديد منها ، إلا أن عدداً قليلاً منها استطاع الصمود والاستمرار فترة اطول مثل "أنيس الجليس" (1898-1908) لألكسندرا أفيرينوه، و "الجنس اللطيف" (1908-1925) لملكة سعد، و"فتاة الشرق" (1906-1939) للبيبة هاشم(
[2])، لكن أطول هذه المجلات عمراً هي فتاة الشرق التي استمرت من 1906- 1939م ثم توقفت في ذلك العام حينما سافرت لبيبة هاشم الى البرازيل.
توالى صدور المجلات التي تهتم بقضايا المرأة في كثير من الدول العربية ففي العراق صدرت مجلة (ليلى)سنة 1923م، تلتها في الثلاثينيات مجلات: فتاة العرب، الفتاة العراقية، المرأة الحديثة، صوت المرأة، فتاة الرافدين، الرحاب، ومجلة الأم والطفل، وفي السودان
صدرت مجلة بنت الوادي (1946) وصوت المرأة (1955)، والمنار (1956)، وفي اليمن صدرت مجلة شمسان، وفي تونس صدرت مجلة (ليلى) سنة 1936م بإشراف توحيده الشيخ.
نوقشت قضايا المرأة كذلك فيما عرف بالصوالين الأدبية وأشهرها صالون مي زيادة في القاهرة، والتي أمها نفرٌ من كبار المثقفين والأدباء والشعراء على رأسهم أمير الشعراء أحمد شوقي وعميد الأدب العربي طه حسين، والأديب عباس محمود العقاد، والشاعر خليل مطران، ومصطفى صادق الرافعي وغيرهم.
من رموز النسوية في العالم العربي:
من الصعب التوقف عند كل رموز النسوية في العالم العربي، ولكننا سنقف عند أبرز هذه الرموز ساعين إلى تنويع الرموز من حيث الجنسية او البلد الذي تنتمي اليه القيادة النسائية، والظرف التاريخي، والتوجهات السياسية والاجتماعية للنسويات العربيات، يمكن التوقف عند بعض رموز الحركة النسوية العربية وذلك على النحو التالي:
1- هند نوفل (1860-1920م):
ولدت هند نوفل في سوريا عام 1860م ثم انتقلت العائلة من سوريا واستقرت في الإسكندرية. وتنتمي هند الى عائلة مسيحية تهتم بالثقافة والفكر فوالدتها مريم النحاس (1856-1888) هي مؤلفة (معرض الحسناء في تراجم مشاهير النساء)، والذي سجل سير نساء في الشرق والغرب، ووالدها نسيم نوفل (1846-1903) صحافي مشهور وله عدد من المؤلفات والأعمال الأدبية، عمل في الصحافة والترجمة في الحكومة المصرية.
أسست هند مجلة "الفتاة" وهي أول مجلة عربية متخصصة في شؤون المرأة، وقد حددت هند نوفل اهتمامات المجلة وخطها العام في افتتاحية العدد الأول حيث كتبت: "الفتاة هي جريدة علمية تاريخية أدبية فكاهية مختصة في جنسها مبتكرة تحت سماء الشرق بموضوعها، لا غرض لها في الأمور السياسية، ولا منزع فيها إلى المشاحنات الدينية، ولا غاية لها من البحث في مواضيع لا فائدة منها للنساء.. فإن مبدأها الوحيد هو الدفاع عن الحق المسلوب والاستلفات إلى الواجب المطلوب"، وأن المجلة سوف تهتم بـ "حالة المرأة ومركزها الطبيعي في الأزمنة الغابرة والقرون المتوسطة وما وصلت إليه في هذا العصر، عصر التمدن والآداب، سواء كان في العلم والآداب، أو في الطباع والأخلاق، أو الملابس والأزياء، أو التربية وحسن الإدارة، أو كل ما هو لازم لها من الخياطة والتطريز والتخريم والنقش والرسم والتصوير وأشغال الإبرة كافة مع ترتيب المنزل وتربية الأولاد.. ملتمسة من الخواتين الفاضلات والسيدات الأديبات أن يعتبرن الفتاة جريدتهن الوحيدة في الشرق، فهي تعرب عن أفكارهن وتبث مكنونات صدورهن وتدافع عن حقوقهن.. وأن لا يتوهمن بأن مكاتبة الجرائد يحط من مقام العفاف أو يمس الطهر والآداب. كلا، فإن أعظم نساء الإفرنج علماً وأدباً وأرفعهن حسباً ونسباً هن محررات بعض الجرائد"(
[3]). وقد وصفت نوفل مجلة (الفتاة) بانها "كتبتها نساء، وكانت من أجل النساء، وتدور حول موضوعات تخص النساء".
ابتعدت المجلة كما وعدت في عددها الأول عن الموضوعات السياسية والدينية، وركزت على القضايا التي تهم المرأة مثل: الزواج والطلاق والنقاب والعزلة والتعليم والعمل والترفيه، واحتوت إصداراتها على سير ذاتية لنساء من الغرب كالملكة فيكتوريا أو حقائق تتعلق بإنجازات النساء في الغرب في مجالات التعليم والصحافة والأدب بهدف بث الحماس في نفوس النساء واكسابهن الثقة في أنفسهن والايمان بقدراتهن كشرط أساسي لتفعيل النساء وجذبهن الى دائرة العمل الإيجابي.
ولعل أهم ما يميز مجلة الفتاة هو أسلوبها الحواري حيث كانت تطرح في كل عدد قضية تهم النساء وتدعو النساء للاشتراك في مناقشته فيخرج العدد وهو يحمل آراء نسائية مختلفة، ويبدو أن الهدف من ذلك كان هو اشراك الفتيات في هذه المناقشات تطويراً لقدراتهن وصقلاً لتجاربهن وتعزيزاً لثقتهن في قدراتهن، وكسراً للحواجز الاجتماعية آنذاك، فعلى سبيل المثال طرحت في أحد أعدادها موضوع " مقاييس الجمال “، وتساءلت في عدد آخر " " أيهما أكثر مشقةً، عمل الرجال أم عمل النساء؟ "واشترك عدد من الفتيات في هذه الحوارات.
بعد زواج هند في العام 1893م توقفت المجلة حيث انصرفت هند لحياتها العائلية والعمل الخيري، وعلى الرغم من أن الفتاة استمرت لمدة عامين فقط إلا أنها تركت أثراً طيباً في نفوس النساء، ومثلت علامة بارزة في تاريخ الصحافة النسائية، إذا جاز القول، وكانت أول مجلة نسوية عربية كاملة تكتبها، بشكل كامل، نساء عربيات يقدمن من خلالها أفكارهن، ويعبرن عن طموحاتهن وخططهن المستقبلية للارتقاء بأوضاعهن.

المراجع:
[1] رنيم العفيفي، «الصحافة النسائيـــــة» في مصر خلال 120 عاماً في: https://wlahawogohokhra.com/2476/
[2] منى علام، أضواء على أول مجلة نسائية عربية، السفير العربي، 8 /3/2016م.
[3] منى علام ، المرجع السابق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى