زهير سعود - تصدير كتاب "عين الرقيب" للناقد ساجد محمد رضا المسلماوي

شكّلت عبارة "نهاية التاريخ" التي قدّم فيها "فرانسيس فوكوياما" أطروحته على صفحات "ناشيونال انترست" بالعقد الأخير للقرن العشرين تكثيفاً لتصوّرات ذهنية سابقة له في تأسيس وحدة مجتمعية مصيرية تحقق الاستقرار والديمومة للإنسان المعاصر فترسم ملامحه النهائية، وكان قد سبقه للأمر "توماس مور" و"كارل ماركس" و"هيغل" و"نيتشه" وكثيرون غيرهم ممن تناولوا المبدأ بمفاهيم مختلفة أساسها وحدة الحياة في البقاء والفناء. ومابين الأخذ بمنتج العقل البشري في مستويات متنوعة كالفلسفة والأدب ومختلف الفنون والانطلاق منها لاستنتاج الصيغ الحتميّة في تحديد هوية الإنسان المعاصر ظهرت إرادات متعددة حسمت تلك النهاية باتجاهات ثلاثة تقوم على الجدل الهيغلي فأولها ديني يقوم على الحساب والمساواة أمام ربّ الكون (الديانات السماوية) وثانيها أساسه صراع المصالح الماديّة المنتهي باللاطبقية الاشتراكية (ماركس) وثالثها ما أطلق له العنان فوكوياما الأمريكي بالحديث عن "الليبرالية" والديموقراطيات الخاصّة التي ابتكرتها، ومن المفترض بالمجتمعات أينما كانت التأسيس لها، سواء حدث الأمر عبر تطورات عفوية أم بالتدخلات القسرية الخارجية، وإلى أن تحدث مفاجأة من الصعب التكهنّ بمقدماتها فالإنسان المعاصر مع ارتباطه بالتبدلات الشاملة على مستوى الحياة الاجتماعية ووسائل التواصل واختراعات القرن العشرين قد بلغ مرحلة الإنسان النهائي، وهو المصطلح الإفرادي الذي عبّر عنه فوكوياما بمفهوم جمعي شامل لنهاية التاريخ. ونهاية التاريخ لا تعني "فناء البشرية" كما قد يفهم البعض، بل قصدت فشل المخارج الناشئة على أرضية "دينية" أم "مادية" كموضوعات الحساب الآخروي المسيحي للبشرية جمعاء أو سيطرة مجتمع اللاطبقات، فسجّلت نهاية التاريخ نهاية الإنسان الحالم بجنّة السماء أو جنّة الأرض، لتحمل الليبرالية بين طيّاتها "موت الإنسان" وصعود حركة العدمية التاريخية حسب المبدأ الوجودي أو تحوّل الإنسان لمجرد قطعة معدنية في عجلات الإنتاج حسب المبدأ البنيوي "الألتوسيري"، رافق ذلك تنفيس مجتمعي عبر تعبيرات فنيّة وأدبية، ليصبح أدب القرن العشرين السردي هو أدب "الرواية الجديدة" و"القصّة القصيرة جداً"، فلكل عصر من العصور ثقافته الخاصّة بالرغم من عدم فناء الأدب كما تشكيلاته الاجتماعية المناسبة في كل مرحلة تاريخية. إن من أبرز خصائص المرحلة المسماة "ما بعد الحداثة" والتي عكسها فوكوياما بنهاية التاريخ هي انعدام الثقة ورفض كل ماهو قائم وانتفاء الأساليب والوسائل السابقة على عصر الثورة الصناعية الخامسة، فتحوّلت الكتابة واللغات التواصلية عن الإخبار و"الصوت" إلى الإيحاء و"البصر"، ومثّل اكتشاف "الكثافة" ثورة جديدة لتداخل الأدب بعلم النفس، وبما أنّ علم النفس قد اعتمد الأدب في دراسة الجوانب العميقة للنفس البشرية فالتلازم فرز المفاهيم النفسية الجديدة عبر صيغ الكتابة الما بعد حداثية، وهكذا أطلق الأمريكي اللاتيني "مونتريسو" في ثلاثينات القرن العشرين نمطاً سردياً تردّد في عقود وعصور سالفة ولم تنضج ظروفه قبل القرن العشرين، ليتحول هذا النمط إلى جنس أدبي بالقبول والانتشار ثم نفاذ شروط وقوانين التجنيس الأدبي فيه، فلم يقف انتشار الفن على أمريكا اللاتينية تحت مسمى "المايكرو" و"قصة ما بعد الحداثة"، بل تجاوزها في ظل ظروف العولمة الاقتصادية والثقافية إلى مختلف بلدان العالم، فسمّاه الأمريكان بالفلاش واخترعت له أسماء كثيرة ناسبت لغة البلدان التي غزاها وطاقاتها التعبيرية المتوفرة في تجسيد مفاهيم الاقتصاد والكثافة والإيحاء والجرأة، فهناك تمايزات كبيرة للأوعية اللغوية لدى مختلف الأقوام، وذلك جعل اللسان العربي بحكم حجم المترادفات يوقع الكثيرين من الساعين للكتابة بهذا اللون الأدبي في مطبّ الاستعانة بالألفاظ المرادفة منعاً لتكرار اللفظ وهو أمر مخلّ بشروط الفن وطبيعته "الديداكتيكية".
لقد أصبح التجريب في الفنون الكتابية المابعد حداثية أمراً واقعاً، وكان من الطبيعي أن تبدأ ممارسته بالتعريف فيه وما تضمّنه ذلك من دراسات نقدية شخصية، حاولت ربطه بأشكال شبيهة ظهرت في التاريخ القديم للممارسات الأدبية، مما أسس لظاهرة القصور في تلك الدراسات وخلطها بين الأساليب اللغوية المختلفة، فلم يقف الأمر على عجز أغلب الدراسات بل انعكس في مستوى الأداء اللغوي للفنّ، مما جعل أمر مراقبة ممارسة الفنّ والسعي من أجل تصويبها يبدو من العوامل المهمّة في إعادة إنتاج الفن عبر صيغ شكلية تناسبه، أو تلامسه بأقل التقادير.
وفي هذا السياق ظهرت الفقرة المميزة "عين الرقيب" للناقد العراقي ساجد المسلماوي لتلاحق المنتج وتكشف له عيوبه ونواقصه، وبدت الفقرة بذلك أحد أبرز عوامل الثالوث المدرسي لجودة الكتابة على مستوى الوطن العربي، فرؤوس الثالوث مثلها الإنتاج الأدبي من جهة وتقييم ذلك المنتج من جهة ثانية، لتضيف لهما عين الرقيب الرأس الثالثة. إن ظاهرة عين الرقيب التي ابتدأت بتناول النصوص المميزة على صفحات التواصل الاجتماعي شكّلت قوة محورية لتصويب الأداء اللغوي في الفنّ، وكشف العيوب والنواقص ومكامن القوّة والضعف في تلك النصوص، لقد تأكّد لدينا أنّ هذا الفنّ الوافد والذي فرض وجوده بحكم التبدّلات الحاصلة على صعيد المجتمع والثقافة يملي على كل مهتّم مزاوجة النقد بالكتابة، والانتقال بكل الدراسات التحليلية إلى جوانب تطبيقية، تربط عملية إيضاح شعرية النصّ الأدبي باستخلاصاته السردية من النصّ ذاته، وهو ما دأبت عليه كل الدراسات العربية من كتاب الدكتور "يوسف حطيني" وحتى كتابي "فن القصّة"، وهذا الجانب التوضيحي نضجت قيمته مع النشاط المميّز الذي قام به الناقد ساجد، فالجانب التطبيقي لجميع الدراسات غالباً ما تناولت النصوص الناجحة بمعيار صاحب الدراسة، في حين شملت عين الرقيب جميع النصوص التي صدّرتها مجموعات أدبية عملت على إظهار الفنّ وتحقيق انتشاره في عالمنا العربي، ولم تقف الدراسات النقدية لدى ساجد على البحث في مقوّمات فن القصّة القصيرة جداً وآليات تنفيذها بل شملت مختلف الأنساق اللغوية في تلك النصوص، كالأنساق النحوية والبلاغية والتأويلية وأفق الانتظار، واجتهاد القارئ في تحقيق ميزة النصّ الوامض بالدلالة. ويعتبر العمل المضني لتجميع تلك الدراسات وإصدارها في كتاب ورقي هو إضافة رائدة لمكتباتنا العربية في سياق التعريف بالفنّ وامتلاك ذخيرة ثقافية مهمّة فيه، خاصّة وأن هذا الفن قد حمل في تشكيلاته السردية تقنيات حداثية متمّمة كالرمزية والتلغيز والمفارقة والأسطرة وخرق المألوف. إن كتاب عين الرقيب الذي تناثرت أوراقه كمسودات ذات قيمة عالية في صفحات التواصل الاجتماعي هو كتاب جدير بأن تكتنز به مكتبات جميع الذين يسعون باهتمامات أدبية لامتلاك معرفة حقيقية بفنّ اعتبر من أصعب الفنون التي ابتدعها العقل البشري، وهي صعوبة مغرية بالاستسهال الذي أوقع أغلب الكتابات بالابتعاد عن مقاربة الفن، وليس هذا البعد هو ميزة عربية بالتأكيد فقد أعرب الأمريكي "ستيف موس" بعد نشاطه "التجميعي" خلال عقد من الزمن (حيث نشأ الفن) عن أسفه لأنه جمع فقط مئة وخمسون نصّاً من آلاف النصوص الوافدة للمشاركة فكان مصير أغلبها سلل القمامة. أضف لذلك أخطاء المحاولات الجريئة الأولى لنقل الفنّ إلى ساحتنا الأدبية وتعريف مترجم "الرواية الجديدة" فتحي العشري لها بأنها نماذج قصصية قصيرة جدّاً، ثم الحديث بقصة الكلمات الستّ كما فعل الزبيدي، وأخيراً الفصل بين "الومضة" و"القصّة القصيرة جدّاً" باعتبارهما أجناس أدبية متمايزة، ولم تقف العثرات على التسمية والتصنيف في هذا الجنس الأدبي بل شملت المعاني المغلوطة لظاهرات الكثافة والثنائية اللغوية والجرأة المكتشفة فيه، ثم حدث الخلاف حول مفهومي القصّة والحكاية لتأكيد أيهما الأصحّ في اعتماده كأحد أبرز أركان الجنس الأدبي، حيث أنتج الخلاف الأخير أكثر علل ممارسة هذا الفن في التسطيح أو التغييب. لقد خرج فن القصّة القصيرة جداً في واقعنا العربي عن دائرة التعريف به ودخل أزمة الجودة، وفي أزمته الراهنة تبرز قيمة هذا الكتاب الذي أجاد صاحبه في نعته بعين الرقيب، فما نرجوه هو تحقيق الفائدة المتوخاة منه باعتباره دليل الرقيب لتحسين الأداء واستحضار المتعة في النماذج السردية القادمة لأوساطنا الأدبية العربية.




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى