د. أنور مغيث - عن الإيديولوجيا واليوتوبيا

الحقيقة هى مطابقة الفكر للواقع. هذا التعريف الذى قدمه أفلاطون واضح وبسيط ويسمح لنا بالتمييز الحاسم بين الحكم الصحيح والحكم الباطل. فحينما يقول أحدهم: توجد سيارة حمراء تحت الشرفة، يكفى أن أنظر من الشرفة، فإن وجدتها كان القول صحيحا، وإن لم أجدها كان القول باطلا. لا تسير الأمور بهذه البساطة فى حياتنا الواقعية المعقدة. فعقول البشر مليئة بأحكام وتصورات يصعب الجزم بأنها صحيحة، كما يصعب أن ننفض أيادينا منها باعتبارها باطلة. بل ويمكن القول إن الغالبية العظمى من معتقداتنا وأفكارنا تتسم بهذه السمة. توجد صيغتان من هذه الأفكار التى تقف فى منطقة وسطى بين الحقيقة والوهم وهما: الإيديولوجيا واليوتوبيا. الصيغتان قديمتان قِدم تكوّن المجتمعات البشرية ولكن المصطلحين جديدان.
يرجع مصطلح يوتوبيا إلى سنة 1516 وهى السنة التى صدر فيها كتاب يوتوبيا للسياسى الإنجليزى توماس مور ويحكي فيه عن جزيرة خيالية الناس فيها سعداء لأنهم يعيشون وفق نظم وقوانين مبتكرة تختلف عن نظمنا السياسية والاجتماعية التى تسبب لنا الشقاء. لم تكن هذه هي المحاولة الأولى في هذا الإطار فالثقافات مليئة بمحاولات شبيهة لذلك وسابقة. نذكر علي سبيل المثال جمهورية أفلاطون وأراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي، ولكن كتاب مور هو مصدر مصطلح اليوتوبيا. مصطلح الإيديولوجيا يرجع إلى عام 1811 التى صدر فيها كتاب عناصر للإيديولوجيا للكاتب الفرنسى ديستوت دو تراسى وكان قد لاحظ أن مجال العلم قد اتسع ليشمل إلى جانب الفلك والفيزياء والكيمياء الاقتصاد والسياسة والسلوك الإنسانى وقد آن الأوان فى نظره لأن يظهر علم يدرس الأفكار وهذا هو المعنى الحرفى لكلمة إيديولوجيا.
الكلمتان يشاع استخدامهما فى الخطاب الفكرى المعاصر فى العلوم الإنسانسة وفى السياسة والإعلام، ولكن بمعنى يختلف عن معناهما الأصلى, وفى الحقيقة أصبح لهما معانى كثيرة متنوعة بل متعارضة ومتصارعة، ولكن تنطلق جميعها من التصور الذى قدمه كارل ماركس لهذين المصطلحين فى منتصف القرن التاسع عشر.
الإيديولوجيا كما ظهرت في كتابه الإيديولوجيا الألمانية هى مجموعة من الأفكار لا تعبر عن الواقع تنشأ فى أذهان الناس إما دون وعي منهم بحسب وضعهم الطبقى وإما بوعي دفاعا عن مصالحهم وهيمنتهم. فنحن إذا سألنا رجل أعمال وأستاذ جامعي وفلاح عما ينبغي البدء به في مسار الاصلاح الاجتماعي سيقدم كل واحد منهم صادقاً إجابة مختلفة أملاها عليه وضعه الاجتماعي ومصلحته. وقديما كان أرسطو يرى أن العبودية نظام فرضته الطبيعة وحديثا رأى آدم سميث أن الرأسمالية نظام فرضه العقل. الإيديولوجيا فى واقع الأمر ستار يحجب الواقع الحقيقى. ومن هذا المنظور تتعارض مع العلم الذى يكشف الواقع كما هو.
أما اليوتوبيا عند ماركس فهى محاولة للاحتجاج على الظلم الإجتماعى لكنها بسبب الظروف التاريخية والعقبات الاجتماعية تعجز عن إحداث أى تغيير فتدير ظهرها للواقع وتؤسس فى الخيال مجتمعا سعيدا عادلا وبالتالى تكون عقيمة.
راجع كثير من المفكرين أراء ماركس. فالمفكر الفرنسى ألتوسير تبني رأى ماركس فى القطيعة المعرفية بين العلم والإيديولوجيا، بل وانشغل في فرز أفكار ماركس ليبين ما هو علمي منها وما هو إيديولوجي. ويرى أن العلم يكشف عن حقائق الكون ولكننا كبشر لا نستطيع أن نعيش دون أن يكون لنا فكرة عن معنى الحياة وغاية الإنسانية ولا شأن للعلم بذلك، فلا مفر إذن من البحث عن الإجابة في الإيديولوجيا.
الفيلسوف الألمانى إرنست بلوخ في كتابه مبدأ الأمل يحذرنا من أن نغلق الباب فى وجه اليوتوبيا باعتبار أنها خيالية. فالخيال ليس عقيماً بل محفزا للسلوك. لذا فاليوتوبيا مهمتها بعث الأمل الذى يفتح أمام الإنسان طاقة لتحسين وضعه الإجتماعى كما أنها خطوة ضرورية أمام كل مشروع عملى للتغيير، إذ أنها تبين المظالم التى يعانى منها الإنسان والتطلعات التى يتوق إليها.
المفكر المجرى كارل مانهايم جمع بين المصطلحين فى كتابه الإيديولوجيا واليوتوبيا الصادر عام 1929، ويرى بالفعل أنهما نمطان من التفكير لا يعبران عن الواقع الموضوعى لكنهما يعبران عن مصالح القوى الاجتماعية. وكونهما لا يعبران عن الواقع لا يعني أنهما بلا فاعلية. فالإيديولوجيا فى نظره هى فكر يقاوم التغيير ويسعى إلى استمرار الوضع الاجتماعى الراهن وإعادة إنتاجه واليوتوبياهى كل فكر ينشد التغيير ويسعى لتجاوز الواقع الراهن. الفجوة التى تفصل بينهما وبين الواقع الموضوعى تتمثل فى العلاقة بالزمن الراهن. فالإيديولوجيا تتمسك بالماضى فى حين أن اليوتوبيا تمثل هروبا إلى المستقبل. ورغم ذلك فالتعارض بينهما ليس تاما فهناك وشائج وصلات: أفكار معينة تعد فى ظرف تاريخى يوتوبيا لتصبح فى ظرف آخر إيديولوجيا. كما أن استخدام التوصيف مرتبط بواقع القوى الاجتماعية. فالطبقات السائدة تصف أفكار الطبقات الصاعدة بأنها يوتوبيا وهذه الأخيرة تصف أفكار الطبقات السائدة بأنها إيديولوجيا.
مانهايم مؤسس علم اجتماع المعرفة يخبرنا بأن المجتمع في كل مرحلة تاريخية، هو الذي يفرض علينا الافكار التي سوف نتجادل بشأنها.


د. أنور مغيث


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى