مقتطف سفيان صلاح هلال - الإيبس.. جزء من رواية

"كان أبي قد اتفق مع عربة كارو كبيرة وحزم عليها الأشياء لتسبقنا إلى الأشمونين، وقفت أم "محمود" تتفقد وتراجع ما حزموه، وفجأة صاحت: "نسيتم أهم شيء"، مندهشًا نظر أبي وهي تقول وتنظر إلى "لبيب": "الطست، الطست" يا عريسنا، اتكأت على الحروف وكأنها تقطع الكلمات وهي تقول وتوحي في وقت واحد: "أين ستتنيلان؟ ابتسم أبي، وهي تضحك وتضرب على صدري ضربة وصدر "لبيب" أخرى مما جعل الخجل يملأ وجهينا ... دقائق وكان على العربة طست نحاسي، ثمنه أغلى من أي شيء اشتريناه في هذا اليوم.
كان أبي قد قابل شابا أشمونينيًّا يتسوق من "ملّوي"، وطلب منه أن يضع حاجاته على الكارو ويركب مع صاحبها حتي بيت "لبيب" في الأشمونين، رحب الشاب بالمهمة، مع انطلاق العربة التي يجرها بغل متين البنية وعليها أساس منزلي، أحسستُ بطمأنينة عظيمة: روح العذراء ترعاني من السماء، وأحبة كثيرون يحيطونني في الأرض.
لم تكن أم "محمود" وحدها معي، فهناك: أم "موريس"، "سارة"، "فاطمة"، أم "جمال"، "راعوس"، ونفيسة، وأم "رمسيس"....الكل في انتظار حاجاتي في البيت بعدما تركتهم ينظفونه ويرتبونه، كما كان "موريس" و"محمود" في انتظار العربة لاستلام الحاجات ورصها والقيام بواجب الضيافة للسائق، اتجه بنا أبي إلى موقف الأتوبيس؛ لنلحق بأخر ميعاد ل(مااحلاهم ) أتوبيس النقل العام الأخضر الذي يشبه القنفذ في شكله،
بمقدمته الأصغر من كل جسمه الطويل، والذي يخرج من "ملوي" الرابعة والنصف عصرًا متجها غربًا ليبيت في "تونا الجبل"، ثم يعود في السادسة والنصف صباحًا ليصل إلى "ملوي" في الثامنة خادمًا الذين لا يملكون الحمير والدراجات من الطلبة والموظفين والراغبين في الانتقال على مدد خط سيره.
لأول مرة وأنا أسافر على الطريق أحس أن للطريق طعمًا، وأشعر بحياة الناس وحركتهم الدائبة، والناس يصعدون وينزلون في قرى: "سيف"، "قولُبَّا"، "التابوت"، أحسست أن الحياة تدور كما يقولون ... ، وغمرني تنقل ( ما احلاهم ) بين الضوء وظلال أشجار الجميز الكثيرة على حافتي ترعتي "الديروطية" و"الأشمونينية" بمنازل الحياة وتقلباتها، نزلنا في منتصف الخط تقريبا حيث تربض "الأشمونين"، نزلنا أنا والعمة عند مقام الشيخ "تاج الدين" الساكن أسفل جنوب غرب التلة، بينما تأخر أبي و"لبيب" للنزول في نقطة قادمة أقرب إلى منزل الزوجية.
استقبلت أم "محمود" مقام الولي بالسلام عليه في جوار ربه، وطلبت منه شيئا لله وإتمام فرحي على خير، ذاكرة اسمي منسوبا إلى أمي؛ وكأنها تميز طلبي بين طلبات المريدين.
ارتصت في المطلع مقابر قديمة مهجورة، ولاحت بيوت القرية على بداية التلة، لم يفت أم محمود السلام على سكان المقابر أكثر من مرة على امتداد المطلع حتى استوينا على أول التلة واستقبلنا أول منازل الأحياء.
على مرمى البصر تجاورت وتقابلت أبواب البيوت وأمامها.
قرب المغرب، تجلس الفتيات والأمهات على عتبات الدور، أومساطب من روث الماشية أو الطوب اللبن أو أحجار منقولة من المعابد، من أول باب وقفن يهنئنني داعين الله بصوت مرتفع أن يتمم لي بخير، ينتقل الدعاء من باب إلى باب، وبعضهن قد تقف سائرة في اتجاهي لتحضنني وتقبلني مباركة داعية لي بالتوفيق، وقد تنطلق زغرودة طويلة في وجهي مخلوطة بالبركة والدعاء وكأنها تدعو من في داخل المنازل للخروج للتهنئة.
لم ينغلق فمي من تتابع الردُودِ، وأيضًا فم أم "محمود"، والتي كأنها ولدت كل بنات البلد من كل عمر ودين، تردُّ عليهن اسمًا اسمًا وتعلق ضاحكة على بعضهن بقرب أوان فرحها، وكلما مررنا ونحن نصعد مرتفعًا أحيانا ونهبط منزلًا أحيانًا بمقام وليٍّ، سلمت عليه في مرقده بمسجده أو مقامه ذاكرة اسمه، ودعته أن يجعل نفسَه الطاهر معنا ليتمم الله لي بالخير، ذكرت من مررنا عليهم :أبو النور، البدري ، الشامي والعراقي، الشيخ عبد الدايم، الخواص، مِحِمِّد، عبد الحق، حسن القرشي، أبو الجود، ومحمد شاور، وغيرهم، البعض كنا نكون موازين له في المنطقة ،والبعض مررنا عليه مباشرة في الشارع الذي كان لابدأن نقطعه من جنوب القرية حتى شمالها لنصل إلى بيت أبي.
لم أكن أتخيل هذا العدد من البنات والنساء في انتظاري في بيتنا، فور ظهوري في الشارع استقبلنني بأمطار من الرقص والأحضان والقبلات والزغاريد، حتى أنني ذبت فيَّ خجلًا ودخلت بيتنا مهرولة. الحق أنني أعتبر هذا اليوم هو يوم فرحي الحقيقي،
استمر الاحتفال بي متوهجا حتى بعد منتصف الليل، حين عاد أبي و"لبيب" و"محمود" يقودون ثلاثة حمير عليها أجولة الدقيق وكراتين الخمائر و(بقجة) الأقمشة التي ستقوم أم "محمود" بخياطتها في بيتنا، وكانوا قد انتهوا من فرش بيت الزوجية.
في صباح اليوم التالي بدأ العمل على محورين: في بيت "لبيب"، فرش "المنجّد" القطن وأقمشة المراتب والأغطية والمخدات لإتمام صنعها، وفي بيت أبي نصبت أم "محمود" ماكينة الخياطة في صالة المنزل، اختارت مكانا استراتيجيا: حيث تكون في مواجهة باب المنظرة المكان الذي اختارته للعجين وعمل المخبوزات وعلى يمينها البهو المؤدي إلى بيت السلم حيث ساحة الفرن وعلى يسارها باب البيت حيث تشرف على كل عمليات الخبيز وهي جالسة على ماكينتها تقوم بخياطة الملابس ...
عشرة أيام أو أكثر والبيت يعج بزائرات: واحدة تأتي يوميًّا، أخرى تبقى نصف يوم، ثالثة تعمل الواجب وتمضي ... هذه تحلل الدقيق، تلك تعجن وتقدر المقادير، خلية في حركة دائبة بين ماكينة البسكويت اليدوية المربوطة في حافة الطبلية، ومصبّات الكعك بجانب المواجير، رَصٌّ وتقطيع وأفران ... وصعود ونزول للفرد والتهوية في غرف الدور الثاني ، واستشارات وتعليمات تتطاير.
أم "موريس" وأم "محمود" اللتان لم تفارقَا البيت كل المدة وبين أفراد الخلية، رغم أن أم "محمود" كانت تشرف وهي لا تغادر مهمتها الأصلية، وقد كانت تستدعيني لتقيس على جسدي وتراجع (البروفات).
في هذه الأيام صارت تعاملاتها مع جسدي تصيبني بالريبة، كما كنت لاأفهم، ولا أستطيع إلَّا الكتمان في هذا الجو المشحون بالنساء.
مع أنها أعدت قطعًا يمكن أن تقيس عليها عوضًا عن جسدي، كانت تناديني لتقيس عليه مباشرة: مرة تمسك إحدى نهديَّ بطريقة تجعل كفها ممتلئا بنهدي وأصابعها مغروسة بينه وبين الصدر، وتقول ضاحكة: "باسم الله ما شاء الله، صدرك يسقي" مرة تقرصني في الحلمتين وقد تداعب إحداهن بأطراف الوسطى والسبابة والإبهام وهي تبتسم أو تغني "رمانه استوي على شجر مرسوم"، حتى حين تريدني أن أستدير؛ تطلب ذلك بضربة مدروسة على الأرداف، وتتصنع مداعبتي بخفة وتمسك وسطي بيديها وتنزل بهما حتى أسفل الأليتين في رقة مثيرة، ثم تضربهما بكلتا يديها قائلة: "ما شاء الله، مسعود "لبيب"، وتعود لتضربني بكلتا يديها، وقد كنت أشعر بشيء من الخدر، أوالحساسية المفرطة، وأتركها وأنا أجري من أمامهاعلى استحياء، خاصة حين تلمح بكلام عن العلاقة الحميمة بين النوعين وتزج بمستقبلي مع "لبيب" طرفًا في الكلام ... والعجيب أن بعضهن يسايرنها ويزدن في دغدغة أحاسيسي!
في اليوم الأخير لمهرجان عمل البسكويت والنواعم وخياطة ملابس العروس، تأخرنا وقتًا ما، أظن أن منتصف الليل اقترب منا، وضعَتْ البنات الطبلة، وانفض الرقص والغناء لهذه الأمسية، لم يعد أبي من بيت العريس بعد، ولم يبقَ غير ثلاثتنا: أم "محمود"، أم "موريس"، أنا.
صعدنا كلنا إلى الدور الثاني، اطمأنت العمتان على رَصِّ المخبوزات في الإسبتة المصنوعة من شرائح الغاب المضفرة، والكرتونات، مالت العمتان لتقترب كل منهما من الأخرى، تحدثتا بصوتين خفيضين، نادتني أم "موريس"، أجلستني أم "محمود" في حنان وهي تفاجأني بسؤالها عن أخر مرة زارتني فيها الدورة الشهرية؟
كأن السؤال قد خسف بي الأرض، احمر وجهي، غاب الدم من عروقي، حاولت أن أحرك لساني لأقول أي شيء، لم أجد بين فكي لسانا، قرصتني أم "موريس" وهي تضحك قائلة بنعومة: "مالك يا بنت؟ هل نسيتي أننا جميعًا نساء؟"
حاولت الابتسام، لم أجد شفتين، ابتسمت أم "محمود" وهي تقبلني قائلة: "أنا أمك يا تينا، وما أسألك عنه له أهميته لنحدد ميعاد الدخلة على حسابات صحيحة"،

سفيان صلاح هلال



* رواية ستصدر قريبا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سلسلة إبداعات قصصية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى