شريف محيي الدين إبراهيم - إطلالة على رواية "شارع الجواهر" للأديب وحيد بشير.

مع هذا النص تتضح طفولة وبراءة وحيد بشير، ولكنها طفولة موجهة، ومدركة، فهو منغرس فى ألياف الواقع حتى الثمالة ، ويمتلك سخرية عجيبة، حتى لدى الموت ذاته وكأنه شىء عادى او مألوف.
وقد استغل وحيد منظومة القيم والمعلومات لديه مع ما يملك من لغة رشيقة وحداثية أيضا ليعبر عن ذلك التهميش المجانى
حيث يضع معادلة الموت =التهميش .
وكلاهما مر ،ليصل إلى حالة ينعدم فيها الفرق بين الحياة والموت،وذلك من خلال لغة سهله تلقائية، ولكنها تحمل اكثر من بعد ودلالات عدة .
فهو يتناول وقائع وأحداث تقترب من الواقع التحتى لهذه الطبقات،مع شخصيات تتوهج حينا وتخبوا حينا آخر، فهى أبطال ميلو درامية تتمتع بروح السخرية فى مواجهة مصاعب الحياة، ومن خلف دخان النارجيلة فى مقهى البصيلي، يروى لنا أحداث الرواية ذلك الراوى الذى تغلب عليه نزعة فنية ورثها عن والدته، كما تأثر أيضا بوالده التاجر الخشن،وهو قد أطلق لخياله العنان مع شخصيات الوكالة وشارع الجواهر ومقهى البصيلي.
وتدور حياة تلك الشخصيات فى سلسلة من القهر والمعاناة ، بدرجة تصل أحيانا إلى الجفاء.

زمن الرواية :

للرواية زمنان، أحدهما داخلى نفسى وآخر طبيعى، وقد كان الزمن النفسى ظاهرا على امتداد الرواية، أما الزمن الطبيعى فقد جاء من خلال إشارة واحدة جاءت على لسان الراوى وهو يحدد عمر الأحداث التى يمر بها (البطل ابن الستينات، وهذه الفترة التى كانت تمثل فترة الثورة )

الحبكة :
قام المؤلف بجمع لخيوط الأحداث، حيث تدرج فى الصعود بالحدث من البداية إلى الوسط والعقدة فى تراتيبية وترابطية معقولة لتنحل العقدة فى النهاية.

أين الحلم ؟
وهو نوع من أنواع السرد الراق جدا على امتداد فضاء النص، وقد تأثر الكاتب كثيرا بالواقع وجفائه، فلم يترك نفسه إلى بعض انطلاقات وتدفقات الحلم لتخفيف اثر الواقع، مما جعلنا نفتقد كثيرا إلى المقاطع السردية الحالمة

مسرح الرواية :
شارع طولى يقطع حى الحضرة القبلية، يبدأ من كوبرى سموحة، وينتهى عند شريط الترام، أمام بوابة وكالة سوق الخضار.
وتتفرع من شارع الجواهر، شوارع عديدة منها الزبرجد والياقوت والزمرد وشارع البرنس إبراهيم، مرورا بوسعاية عبد المقصود وغيرها من الحوارى والأزقة.

الرواية ترشح للترجمة :
وذلك لما بها من حميمية وواقعية شديدة تعبر عن أعماق الشارع المصرى ،وهى تشكل حالة من الفرجة للناس وأحوالهم كما فى صندوق الدنيا.

بطل الرواية :
البطل الحقيقي هنا هو الواقع. واقع الاسكندرية الشعبى وما يجرى به من أحداث.
الإسكندرية تلك المدينة الدرامية المتغيرة التارخية المتقلبة الثرية.

رواية صوتية :
فى كثير من مقاطعها حيث تضع قدما فى الرومانسية والأخرى فى التعبيرية وتختلف فيها درجة تبيان الأصوات مع تعددها الواضح
وقد أجاد الراوى فى كتابة الحوار ولعلنا نلحظ هذا الحوار العفوي الطازج من قلب الأحداث بين بطلى العمل سوزى ورجب

المشهد الرئيس screen master:

المشهد الأول ص 13 أمام البوابة الكبيرة للسوق ومن خلاله نعرف ما يدور بالداخل.
البداية سياط ووحشية وقوة قهرية واستسلام للواقع الرهيب.
وهنا يمثل العربجى القوة المتعجرفة التى تملك ما لا يملكه غيره،حيث يمثل رأس المال الذى يدير كل شىء،بينما تمثل الخيل والبغال مرارة الواقع حيث الفرد الذى لا يملك سوى الاستسلام وتقبل كل شىء فى مقابل فتات قليلة لا تكاد تكفى قوت يومه.
والسياط هنا هى الأوامر التى تلقى بما تمثله من الديكتاتورية.

البطل المحورى لهذا العمل:
هو متولى الروش الذى لا يعرف سوى المرأة وكيفية إيقاعها ويقابله أبو كريم كمعادل لهذا الانحراف.
متولى الروش شخصية عدمية تنزع نحو الغريزة ومحاولة اقتحام الموت قبل أن يقتحمه.
وقد كانت نهايته موفقة من الكاتب لأن الحياة التى تفرط فى الغرائز لابد أن تنتهى بالموت السريع بل والمفجع
فهو ابن المدينة وابن الغريزة وكذلك كل الموبقات.

المؤلف اتخذ نسقا، جعله يهرع خلف حادثة وكأنها تنفجر تلقائيا ، ثم يفجر معها كل الأحداث، التى تكثر بمثابة التوابل والبهارات وإن كان الكاتب قد أفرط فى استخدامها، فهو قد عمد إلى الحكاية وسلسلة الحوادث التى يقع على اثرها أحداث أخرى مرتبطة ببعضها البعض.

الحكمية :
وقد انتشرت على مدار الرواية حيث انساق الكاتب إلى تلك الأقوال التى يلقى بها ولا يقبل الجدل.

قدم المؤلف رواية تعبر عن الطبقة البرجوازية الوسطى، ودائما ما يكون المتن رجال الأعمال والهامش باق المجتمع.

وحيد بشير فنان و كاتب واع يمتلك روح مصرية غارقة فى الشعبية وقد حاول أن يجسد مرارة هذا الجزء من المجتمع الغارق فى الجنس والحشيش والفقر وقد وفق كثيرا فى تجسيد هذا الخلل وعدم الاتزان الذى أصاب شريحة كبيرة من الشارع المصرى.
أمنياتي له بالتوفيق والعودة السريعة إلى الوسط الأدبى الذى ينتظر منه الكثير، وإلا فإننا قد نكون أمام عمل وحيد كمثل بيضة الديك .

تعليقات

كان لى الشرف اخى الحبيب بانك تقود دفة الابداع فى مناقشة شارع الجواهر وسعدت باهتمامك للمناقشة التى كان يحضرها لفيف من الادباء الكبار وكان المرحوم عبد النبى كراوية والمرحوم عبد الفتاح مرسى والمرحوم كمال عمارة والمرحوم عبدالله هاشم وغيرهم ولكن دهشنى الامر حين انت تكلمت باستفاضة وقمت بتصوير المناقشة بالفيديوا
ولك جزيل الشكر اخى الحبيب الاديب السكندرى الرائع الاستاذ شريف محى الدين
لك مودتى واحترامى👏

وحيد بشير
 
الاستاذ وحيد بشير فنان حقيقي يملك كثير من القدرات والمواهب فهو شاعر وملحن ومغني وممثل وروائي لم يأخذ حقه من التقدير والاهتمام الذي يستحقه عن جدارة

سهير شكري
 
أعلى