شريف محيي الدين إبراهيم - أعداء أحبائهم

من كتاب رحلة إلى شاطئ النار والنور


هذا النمط من البشر، تجده حسن العلاقة مع الغرباء وشديد السوء مع القريبين منه
فلا يقترب من صديق ، ولا يأنس لرفيق إلا ونال منه...
هو أب قاسي عنيف، ورئيس خطر، أوصديق خبيث!!
هؤلاء الناس لابد من الابتعاد عن الدائرة الضيقة لهم، حيث يتجلى تنكيلهم وجبروتهم، و فسادهم.
قد يكون مرجع هذا إلى ما لاقوه، في صغرهم من العنت من الاقربين، ومن كل من كانوا شديدي الارتباط بهم، مما جعلهم يربطون بين هذا العنت، وبين توثق العلائق.
فكلما زادت علاقاتهم بأحد قوة، كلما شعروا أنهم مرغمون على معاملته معاملة شاذة قاسية.
فهل كان أبو لهب عم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من هذا النمط؟!
إن أبا لهب كان من أكثر الناس فرحا بميلاد الرسول، حتى أنه قام بعتق رقبة الجارية التي أبلغته بميلاد ابن أخيه ، كما أن الرسول ص زوج ابنتيه من ولدي أبي لهب، وهذا يوضح لنا حالة العلاقة بينهما، والتي كانت على أفضل ما يرام ...
فقد عقد أبو لهب، لولديه عتبة ، وعتيبة على ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية ، وأم كلثوم رضي الله عنهما.
غير أنه بعد أن أعلن رسول الله الإسلام، تحولت شخصية أبي لهب حتى بات أكبر عدوا له.
فمن هو أبو لهب؟!
عبد العزى بن عبد المطلب، عم النبي محمد، وهو الأخ غير الشقيق لعبد الله بن عبد المطلب والد النبي محمد.
عرف عبد العزى بكنية أبو عتبة نسبة لابنه الأكبر عتبة بن عبد العزى بن عبد المطلب، ولكن الاسم المشهور له هو أبو لهب، لقبه إياه أبوه عبد المطلب لوسامته وإشراق وجهه.
كما أراد أبو لهب أن يكيد للرسول ص ويُحَمِّله همَّ ابنتيه، فأمر ولديه أن يُطلقاهما، ففعلا.
هذا التحول الشديد في شخصية أبو لهب، و هو عكس ما فعله أخوه أبو طالب الذي ظل سندا وظهرا للرسول ص حتى أخر يوم في حياته، رغم عدم إسلامه، مما يدعو للتفكر في تلك الشخصية، و تحولاتها النفسية، فقد كان يمكنه على أسوأ الفروض، أن يأخذ موقفا محايدا تجاه الرسول فلا يسلم، ولكن لا يعادي ابن أخيه حرصا حتى على صلة القرابة، وعصبية العائلات التي تمثل للقبائل العربية، قيمة كبيرة يفاخرون ويباهون بها !
ألم تدفع تلك العصبية حمزة بن عبد المطلب، عم الرسول إلى الدخول في الإسلام حين علم بإساءة أبو جهل للرسول ص وهو يصلي أمام الكعبة؟!
مما دفعه بلطم أبا جهل على وجهه، لينصر ابن أخيه محمد ص، ثم يعلن إسلامه أمام الجميع متحديا كفار مكة، وليصبح بعد ذلك، واحدا من عظماء المسلمين ورعا، وعلما، محاربا جسورا شجاعا، وقائدا عسكريا فذا حتى لقبه الرسول ص بأسد الله.
بخلاف أبي لهب الذي كان قبل الإسلام محبا للرسول، و اعتبره عوضا عن أخيه عبدالله الذي توفاه الله في سن صغير ،ثم تحول من علاقة الاعزاز والحب، إلى العدواة والبغض، ومحاولة التنكيل،و السخرية من الرسول بشتى الطرق.
أليس في هذا التغير السلوكي لأبي لهب ما يؤكد أن ثمة عوامل نفسية لتحوله الشديد ، حتى بات رمزا مخلدا للكفر؟!
اعتقد أن شخصيته تنتمي إلى نمط أعداء أحببتهم...

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)
وقد مضى أبو لهب، ومعه أبو جهل( طاغوت الكفر الثاني الأعظم) في الأرض يكذبان هذا الدين ويسخران من المسلمين، ويستعدون عليهم كفارمكة حتى آخر يوم في حياتيهما.
أبو جهل :
هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي الكناني.
كان سيدا من سادات بني قريش من قبيلة كنانة، وكان من أشد المعادين للنبي ، وكنيته أبو الحكم، ولكن الرسول كنّاه بأبي جهل ، بعد أن كان يُكنى بأبي الحكم، وذلك لقتله امرأة عجوزا طعنا بالحربة من قُبُلها حتى الموت، بسبب جهرها بالإسلام، وهي سمية بنت خياط.
وكان أبوه هو هشام بن المغيرة سيد بني مخزوم.
فهل ينتمي أيضا أبو جهل إلى نمط أعداء أحبتهم؟!
هذا الأمر ، يمكن إرجاعه إلى سلوكيات أبو جهل قبل وبعد الإسلام.
ومن المعروف أن أبا جهل كان قريب السن من الرسول ص ، حيث كانا يتشاركان معا في صغرهما، في العديد من الألعاب، فثمة تقارب أو صداقة ما كانت بينهما ربما كانت وثيقة أو عابرة...
وقد استفسر المشركون من أبي جهل يوم غزوة الخندق، عن سر محمد ص، وكانوا قد فشلوا في اقتحام المدينة رغم كل ما جمعوه من جند وسلاح، حين أتت عليهم ريح عاتية فخلعت خيامهم وأطفأت نارهم ،وشتت شملهم، وقد كانوا على يقين بأن أبا جهل هو أكثرهم دراية برسول الله وفقا لعلاقته السابقة به، فسألوه في تعجب :
ما بال الرجل يعلو شأنه، ونحن مهما نفعل تنكسر سهامنا وتبوء كل مساعينا لهزيمته بفشل زريع؟!
أيكون الرجل صادقا فيما يدعو ؟!
أبو جهل :
ومتى علمتم في محمد الكذب؟!
فعادوا ليسألوه، ولكن بصورة أكثر وضوحا:
إذن هو رسول الله؟!
فقال في هدوء غريب : لا ريب هو رسول الله.
وحين تملكتهم الدهشة، صاحوا به:
فلماذا إذن لا تجهر بذلك القول ؟!
فأجابهم :
هو الصادق الأمين كما عهدناه ، ولم ينطق لسانه كذبا ، وهو بلا شك نبي الله، ولكني والله لن أعلن إيماني به أبدا، أيكون في بني هاشم الزعامة، والنبوة ؟!
وفى حديث أبي جهل هذا خير ما يدل على تصديقه للرسول، بل هو واقع في شدة الإعجاب به، ومؤمن بكل ما يدعو به، ولكنه الكبر، وحب الزعامة والعصبية، وقد يكون هو الآخر من نفس نمط أبي لهب السلوكي، فيقع هو الآخر في خانة أعداء أحبائهم؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى