تسحبنا خيوط السرد الى ردهات العتمة عبر جسر عبور هو التجربة الروائية الأولى "أتبعك إلى العتمة" لصاحبتها أستاذة الفلسفة، والأديبة التونسية فائقة قنفالي.
صدرت الرواية سنة 2020 عن منشورات المتوسط، لتضيء جراحا غائرة في مجتمعات تحاصر الجسد الانثوي بترسانة رقابية وعقابية منظمة.
فظاهرة تصفيح البنات كانت بمثابة ثيمة سردية تنطلق منها وإليها الأحداث.
يقودنا العنوان "أتبعك الى العتمة" الى أفق سردي يبوح بالمسكوت عنه، فالظاهرة/ الموضوع، أي تصفيح البنات تتم في المجتمع التونسي من خلال جرح البنت في سن مبكرة في ركبتها أو فخذها سبعة جروح صغيرة، تسبقها تعويذة سحرية، لتكون بمثابة قفل على فرجها، فيمنع فض بكارة الفتاة مصفحة حتى يوم زواجها.
إن ظاهرة تصفيح البنات كافراز لبنى قوامها الخرافة، ليست حكرا على تونس بل تمتد الى الجزائر، وأشارت لها الكاتبة الجزائرية فضيلة الفاروق في روايتها تاء الخجل، ولكن بشكل خاطف.
يمارس هذا الطقس أيضا في المغرب، ويعرف في العامية المغربية ب "التقاف"، ويتمثل في عدم قدرة المرأة على تقبل حدوث الإيلاج، ويبقى هذا هو المطلوب عند الكثير من الأمهات اللواتي يخشين من فقدان عذرية بناتهن.
ويتم في النموذج المغربي من خلال مشعوذ يحضر الطلاسم التي تفي بالغرض، وفي حالات اخرى تتكلف بالعملية نسوة توارثن خبرة تحضير الطقس، منهن من كانت ضحية "التقاف" وهي صغيرة، ان الخوف هو المحرك الأساسي الذي يسيطر عليهن، هو خوف من فقدات عذرية البنت، وبالتالي مساس بشرف العائلة، وضياع الاعتراف الاجتماعي وعدم حصولها على زوج.
ان هذا طقس الاجتماعي تجسيد لمفاهيم العفة والشوف والعار، والتي يربطها المخيال الذكوري بمنطقة صغيرة بين أفخاذ النساء.
ونقد هذا النظام الاجتماعي الماضوي، تعبر عنه العرافة بين ثنايا النص السردي قائلة :
"من أجل شرف الرجال وعزتهم على المرأة أن تصفح مثل دابة أو سفينة. تلك الجراح السبعة التي ترافقها طوال حياتها، ليست إلا ذاكرة وجع مفتوحة، وجع غائر في ماضي المرأة، وشرخ حي في فحولة الرجل. الرجال الذين اخترعوا هذا لحماية أنفسهم أوقعوا في الفخ رجالاً آخرين، ليسوا إلا أبناءهم وأبناء أبنائهم، ليصبح الوجع هو الميراث الحقيقي".
ومن زاوية المقاربة النفسية تؤكد فتحية السعيدي المتخصصة في علم النفس الاجتماعي أن هذه الظاهرة ممارسة اجتماعية، يتم اللجوء إليها قبل بلوغ الفتاة، وفيه إيهام بأن الفتاة التي يتم تصفيحها لا يستطيع أي رجل اختراق عذريتها، وهنا يتم خلق حاجز نفسي للفتاة وكأنه حاجز لا يمكن اختراقه. وبهذه القوة النفسية التي تمتلكها الفتاة من خلال هذه الممارسات، تصبح فعليا جدار صد لأي محاولة ايلاج وهو ما يفسر بعض تجارب الفتيات اللواتي اعتقدن أنهن محميات ولا أحد استطاع فض عذريتهن.
كذلك، تطلعلنا الرواية على الاثار النفسية لهذا الطقس على شخصية "شمس"، فيقطع لسانها مجازا، ولا نراها الا في حكايات الآخرين عنها : القابلة، الأخ، الكلب، الأب، وصديقة طفولتها، ثم طبيبها النفسي في مصحة الأمراض العقلية.
ان النص سردي هنا وثيقة ادانة لمجتمع ذكوري يفرض وصايته على أجساد وأحلام النساء.
اعتمدت فائقة نموذج سرديا قوامه تناوب الأصوات، في غياب صوتِ الضحية، والذي لا نسمع صرخته إلا في آخر الرواية من خلال مونولوج داخلي، ورسائل كثيرة.
ومن المقاطع المعبرة عن التشظي والسوداوية التي تحياها الشخصية نستدعي هذا المقطع كنموذج لنسق استرجاعي :
"عزيزي الله..
أعلمك أني توقفت اليوم عن حبك نهائيا.
ماذا كان يكلفك لو أنك كتبت لابنتي طريقا آخر غير الموت ؟! ماذا كنت سأكلف الحياة لو أني تذوقتُ طعم النور مرة واحدة؟!
حياتي التي بدأت برفض أمي لي، وبرفض جسدي لي، وبرفض ابنتي لي، أنا الآن أرفضها، وأتخلى عنها نهائيا، وبكامل إرادتي. فخذها بسلام، يا رحيم.
إذا كان يجب على أحد ما أن يموت، فلماذا ابنتي دون سواها؟!
منذ زمن وأنا أفكر في هذا، لكن، هناك من ينقذني، ابنتي كانت ستنقذ روحي إلى الأبد، لكنك أخذتها، ها أنا أسير معها.
قدري الذي بدأ بمشرط، ها أنا أنهيه بمشرط. ابنتي تتهاوى، كما سقط أبناء كُثُر، لم يستطيعوا التَّمسُّك بي".
www.facebook.com
صدرت الرواية سنة 2020 عن منشورات المتوسط، لتضيء جراحا غائرة في مجتمعات تحاصر الجسد الانثوي بترسانة رقابية وعقابية منظمة.
فظاهرة تصفيح البنات كانت بمثابة ثيمة سردية تنطلق منها وإليها الأحداث.
يقودنا العنوان "أتبعك الى العتمة" الى أفق سردي يبوح بالمسكوت عنه، فالظاهرة/ الموضوع، أي تصفيح البنات تتم في المجتمع التونسي من خلال جرح البنت في سن مبكرة في ركبتها أو فخذها سبعة جروح صغيرة، تسبقها تعويذة سحرية، لتكون بمثابة قفل على فرجها، فيمنع فض بكارة الفتاة مصفحة حتى يوم زواجها.
إن ظاهرة تصفيح البنات كافراز لبنى قوامها الخرافة، ليست حكرا على تونس بل تمتد الى الجزائر، وأشارت لها الكاتبة الجزائرية فضيلة الفاروق في روايتها تاء الخجل، ولكن بشكل خاطف.
يمارس هذا الطقس أيضا في المغرب، ويعرف في العامية المغربية ب "التقاف"، ويتمثل في عدم قدرة المرأة على تقبل حدوث الإيلاج، ويبقى هذا هو المطلوب عند الكثير من الأمهات اللواتي يخشين من فقدان عذرية بناتهن.
ويتم في النموذج المغربي من خلال مشعوذ يحضر الطلاسم التي تفي بالغرض، وفي حالات اخرى تتكلف بالعملية نسوة توارثن خبرة تحضير الطقس، منهن من كانت ضحية "التقاف" وهي صغيرة، ان الخوف هو المحرك الأساسي الذي يسيطر عليهن، هو خوف من فقدات عذرية البنت، وبالتالي مساس بشرف العائلة، وضياع الاعتراف الاجتماعي وعدم حصولها على زوج.
ان هذا طقس الاجتماعي تجسيد لمفاهيم العفة والشوف والعار، والتي يربطها المخيال الذكوري بمنطقة صغيرة بين أفخاذ النساء.
ونقد هذا النظام الاجتماعي الماضوي، تعبر عنه العرافة بين ثنايا النص السردي قائلة :
"من أجل شرف الرجال وعزتهم على المرأة أن تصفح مثل دابة أو سفينة. تلك الجراح السبعة التي ترافقها طوال حياتها، ليست إلا ذاكرة وجع مفتوحة، وجع غائر في ماضي المرأة، وشرخ حي في فحولة الرجل. الرجال الذين اخترعوا هذا لحماية أنفسهم أوقعوا في الفخ رجالاً آخرين، ليسوا إلا أبناءهم وأبناء أبنائهم، ليصبح الوجع هو الميراث الحقيقي".
ومن زاوية المقاربة النفسية تؤكد فتحية السعيدي المتخصصة في علم النفس الاجتماعي أن هذه الظاهرة ممارسة اجتماعية، يتم اللجوء إليها قبل بلوغ الفتاة، وفيه إيهام بأن الفتاة التي يتم تصفيحها لا يستطيع أي رجل اختراق عذريتها، وهنا يتم خلق حاجز نفسي للفتاة وكأنه حاجز لا يمكن اختراقه. وبهذه القوة النفسية التي تمتلكها الفتاة من خلال هذه الممارسات، تصبح فعليا جدار صد لأي محاولة ايلاج وهو ما يفسر بعض تجارب الفتيات اللواتي اعتقدن أنهن محميات ولا أحد استطاع فض عذريتهن.
كذلك، تطلعلنا الرواية على الاثار النفسية لهذا الطقس على شخصية "شمس"، فيقطع لسانها مجازا، ولا نراها الا في حكايات الآخرين عنها : القابلة، الأخ، الكلب، الأب، وصديقة طفولتها، ثم طبيبها النفسي في مصحة الأمراض العقلية.
ان النص سردي هنا وثيقة ادانة لمجتمع ذكوري يفرض وصايته على أجساد وأحلام النساء.
اعتمدت فائقة نموذج سرديا قوامه تناوب الأصوات، في غياب صوتِ الضحية، والذي لا نسمع صرخته إلا في آخر الرواية من خلال مونولوج داخلي، ورسائل كثيرة.
ومن المقاطع المعبرة عن التشظي والسوداوية التي تحياها الشخصية نستدعي هذا المقطع كنموذج لنسق استرجاعي :
"عزيزي الله..
أعلمك أني توقفت اليوم عن حبك نهائيا.
ماذا كان يكلفك لو أنك كتبت لابنتي طريقا آخر غير الموت ؟! ماذا كنت سأكلف الحياة لو أني تذوقتُ طعم النور مرة واحدة؟!
حياتي التي بدأت برفض أمي لي، وبرفض جسدي لي، وبرفض ابنتي لي، أنا الآن أرفضها، وأتخلى عنها نهائيا، وبكامل إرادتي. فخذها بسلام، يا رحيم.
إذا كان يجب على أحد ما أن يموت، فلماذا ابنتي دون سواها؟!
منذ زمن وأنا أفكر في هذا، لكن، هناك من ينقذني، ابنتي كانت ستنقذ روحي إلى الأبد، لكنك أخذتها، ها أنا أسير معها.
قدري الذي بدأ بمشرط، ها أنا أنهيه بمشرط. ابنتي تتهاوى، كما سقط أبناء كُثُر، لم يستطيعوا التَّمسُّك بي".
مساواة | Rabat
مساواة, الرباط، المغرب. 18,768 likes · 116 talking about this. مساواة اعلام نسائي تحرري من أجل ترسيخ خطاب بديل حول الم