حسن خضر - عن الكورونا، وربما أكثر قليلاً..!!

الجائحة. الوباء. كورونا المُستجّد. كوفيد 19. سمّه ما شئت. فكلها تسميات لحدث يجتاح العالم، ويهز أركانه من أقصاه إلى أدناه. ولنتوقف، قليلاً، عند مفردة "العالم"، التي ترد ملايين المرّات، يومياً، في الكتابة والكلام، ولكن ما يسكنها من دلالات لا يقبض على المعنى الفعلي للعالم على خلفية الحدث نفسه. فالمعنى جديد، تماماً، وغير مسبوق.
فعندما نتكلّم عن الحرب العالمية، مثلاً، وقد عرف "العالم" حربين من هذا النوع في قرن مضى، نغض الطرف عن حقيقة أن مجتمعات بشرية كثيرة كانت بعيدة، بالمعنى الفيزيائي، عن مسارح العمليات. وأن المجتمعات التي أصبحت رقعتها الجغرافيا مسرحاً للحرب لم تكن كلها مهددة بالفناء، أو الانهيار.
وعندما نتكلّم عن "الإنفلونزا الإسبانية"، قبل مائة عام، بوصفها الوباء الذي اجتاح العالم، نغض الطرف عن حقيقة أن مجتمعات كثيرة لم يصلها الوباء، ولا حتى سمعت به، وأن إمكانية حصر الوباء في أماكن محددة، والسيطرة عليه، كانت متوفرة، أيضاً. ولا أعتقد أن أحداً في قرى رام الله توقّف كثيراً، أو قليلاً، في عام 1918 للتفكير في مصيره الشخصي، أو مصير العالم، على ضوء ما يحدث في أماكن بعيدة.
المقصود أن مفردة "العالم"، بما فيها من قابلية للاختزال والتعميم، لا تصلح للقبض على ما يتخلّق من معنى للعالم، الآن وهنا، وفي كل مكان آخر. فما يتخلّق يمس حياة شخص في مخيم جباليا للاجئين، كما يمس حياة شخص آخر يعيش في غابات الأمازون، في البرازيل. ويفرض على ساكن البيت الأبيض، في واشنطن، حدثاً لا يختلف كثيراً عن حدث يجابه قائد ميليشيا الحراك الجنوبي، في حارة صرواح في عدن.
الفرق بين ما يتخلّق الآن، والحرب النووية، أو انهيار النظام البيئي لكوكب الأرض، أن احتمال هذه وذاك لا يمس الحياة اليومية لبني البشر، ولا يفرض إجراءات تشل الحياة الاجتماعية، والدورة الاقتصادية، على كوكب الأرض (حتى الآن على الأقل). ففي ظل احتمال الحرب النووية، وانهيار النظام البيئي للكوكب، يظل معنى العالم شبحياً إلى حد بعيد.
لذا، نكتفي بالقول إن ما يتخلّق الآن يُوّلد دلالات جديدة، وغير مسبوقة، لمعنى العالم. ومن الرعونة، بالتأكيد، ادعاء معرفة أو تعريف المعنى الجديد لمفردة "العالم". فالمعاني تولد، وتكبر، وتتجلى في صور مختلفة، وحتى متناقضة، أحياناً، على مدار عقود طويلة، وربما على مدار قرون. فلنفكر، مثلاً، في ما عرف البشر من معاني "العالم" منذ اكتشاف الزراعة قبل 12 ألف سنة حتى الآن، في ظل ديانات، وفلسفات، وأنظمة، وإمبراطوريات.
على أي حال، وطالما نحن في حقل المعنى والتاريخ، ثمة ما يبرر التعريج، قليلاً، على أفكار طرحها المؤرخ الإسرائيلي يوفال هراري، الذي اكتسب شهرة عالمية، بفضل كتابين عن "الإنسان العاقل"، و"الإنسان ـ الإله"، وكلاهما يُعمم ويُبسّط معرفة علمية، متعددة العلوم، بلغة غير معقدة، سمتها روح الدعابة، والتأملات الفلسفية. ومن أهم خلاصاته أن الإنسان في القرن الواحد والعشرين، وللمرّة الأولى على مدار التاريخ، أصبح قادراً على التحرر من تهديد الحروب، والأوبئة، والمجاعات. وكلها محرّكات هائلة وروافع رئيسة لتاريخ بني البشر على الأرض.
وأعتقد، على ضوء ما يتخلّق الآن، أن مصير خلاصات كهذه لن يكون أفضل بكثير من مصير خلاصات لفرنسيس فوكوياما، الأكاديمي الأميركي، الذي توقّع بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والكتلة الاشتراكية في "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، انتصار الديمقراطية الليبرالية، والرأسمالية، في العالم بصفة نهائية وحاسمة.
ولا أريد، في الواقع، التشنيع على هذا أو ذاك، فكلاهما يتمتع بمعرفة عميقة، ويُعبّر عن تقاليد فلسفية تبلورت على مدار قرون طويلة، في الشرق والغرب على حد سواء. وهي وجه العملة النقيض، والآخر، لتقاليد قيامية منذ نبوءات العهد القديم، وحتى "ماد ماكس"، وأفلام الزومبي الأميركية. وهذا كله يندرج في باب محاولات القبض على معنى "العالم"، وما ينجم عن تحوّلات راديكالية (الحروب، الأوبئة، المجاعات) من وقائع تشحن المعنى بدلالات مُستجّدة، أو جديدة. فالكثير مما تحت الشمس، في الأزمنة الحديثة، كان دائماً، وعلى مر القرون، تحتها.
وبقدر ما ينبغي التحفّظ إزاء ادعاء القبض على المعنى الجديد لمفردة "العالم". ثمة ما يبرر القول إن تداعيات المدى المتوسّط والبعيد، لما يتخلّق الآن، على بني البشر، ومجتمعاتهم، وثقافاتهم، ونظمهم السياسية، تنفتح على احتمالات ملتبسة، يصعب فيها ترجيح الواحد على الآخر.
فكما أن فرضية نجاح العلم الحديث في القضاء على الأوبئة (هراري)، تقابلها الآن فرضية أن العالم سيشهد المزيد منها، وفرضية أن انتصار الديمقراطية الليبرالية (فوكوياما) تبدو بعد ترامب، وخلافة الدواعش، وخلجنة العالم، متسرّعة تماماً، فإن احتمال زيادة "التعاون" بين بني البشر حماية لأنفسهم، وللكوكب، يقابله احتمال زيادة التمركزات القومية، والدينية، ولا يقل عنه وجاهة.
لذا، لا ينفصل الاعتراف بصعوبة القبض على معنى العالم، على ضوء ما يتخلّق الآن، عن ضرورة الاعتراف بتعددية وتساوي الاحتمالات، واستحالة الركون إلى فرضية بعينها، لتوظيفها كخارطة طريق، بالمعنى الفكري للكلمة. فالعقل البشري محافظ في الجوهر، وللمألوف سلطة طاغية عليه. ولو لم يكن الأمر كذلك، لكنّا نعيش الآن، فعلاً، "نهاية التاريخ". وهذا ما يمكن أن يُقال، اليوم، عن الكورونا، وربما أكثر قليلاً.

حسن خضر





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى