أسهمت فوزية برج، الأستاذة الجامعية والباحثة في علم الاجتماع والأنتربولوجيا، في وضع اسهاماتها في نقد استباحة الأجساد، من خلال كتابها "البؤس الجنسي والبغاء"، الصادر سنة 2019 ، عن المركز الثقافي العربي، فكان بمثابة شمعة أضاءت عتمة بعض دهاليز العمل الجنسي المأجور.
قاربت الباحثة الظاهرة بروح سوسيولوجية سؤولة، فانطلقت المقاربة من ثنائيتي الجنس والمال، واضعة فرضيات الفقر والجهل وتواطؤ الأسر كمسببات مباشرة لإنتاج العمل الجنسي المأجور.
وتأكيد للفرضيات السالفة، نستشهد بما جاء في الواجهة الخلفية لغلاف الكتاب على لسان المؤلفة:
"مشاهد وأحداث علقت بذاكرتي، مازالت تطرح تساؤلات كثيرة بداخلي، خادمات يصبحن بغايا، تواطؤ الأسر، الأب يتحرش بابنته، زبائن من الرجال يشترون الجنس، مافيا القوادة، خطف في المتنزهات، سوق النخاسة المحلية في القرن واحد والعشرين، نساء لا يملكن أجسادهن، زبائن يرغبون في اللذة ولا يأبهون للأمراض الجنسية…
قالت خلقنا نساء، وتربيننا على تعلم الطبخ، والتنظيف، وغسل الملابس، وإرضاع الأطفال، وتعلمنا كيف نجذب الرجال ونتزين لهم، كان هذا كل شيء فلم يعطينا أحد كتابا حتى لا نفتح أعيننا".
يستهل الكتاب بقولة لميشيل فوكو : "إن أكثر الشعوب تجريما لشيء هي أكثر الشعوب تأثرا به".
وهو قول ينطبق على مجتمعاتنا، التي تجاهر بتحريم الجنس، ويسيل لعابها في السعي له سرا.
بعد المقدمة، تنقلنا الكاتبة الى استهلال متعلق بنصائح "قوادة الى بغي مبتدئة" :
"اعلمي أنك خرجت من عالم ودخلت الى عالم آخر، ستخسرين الكثير من الأشياء : السمعة، الشرف، الحب، المجد، كل هذه المفاهيم انسيها.... الثقة مفقودة في عملنا هذا، والمراوغة والكذب يعتبران جزءا أساسيا من طبيعة عملنا".
شكل هذا جزء بمثابة استعارة عيون عاملات الجنس لنكتشف كيف يواجهن المصير.
لقد عمدت فوزية الى الاشتغال على نقد الواقع الاجتماعي الذي يدفع النساء الى عرض أجسادهن كسلعة يحضى بها من يدفع اكثر.
إن الكتاب اضافة لها أهميتها، وتميزت بعدة محاور منها الملحق الختامي " نساء البغاء... جسد، اعتراف، سلطة" ثم ركن "على هامش البحث أو حكايا الميدان".
والذي خصص لحكايات عاملات الجنس، حيث تروي كل واحدة تحربتها.
لكن كل هذا، لا يمنع من التأكيد على أن مقاربة أسواق الجنس اليوم تحفها عدة صعوبات وعراقيل، وهو ما يجعلها أبعد ما تكون عن العمل اليسير، نظرا لكونها بناء معقد ومركب، وارتباطا بالموضوع من المعروف أن المحرك الأساسي لمجتمع الاستهلاك هو اللعب على وتري الجوع الجنسي/ والحاجة الاقتصادية، فضلا عن تلبية غايات الترقي الاجتماعي السريع، حيث يلهت الزبون (رجلا وامرأة) خلف مستجدات السوق التي لا تتوقف عن استنزاف جيوبه تحت عناوين مواكبة الموضة ومسايرة السوق للظهور بالمظهر المتسجيب لاخر الصيحات.
وارتباطا بطبيعة المركبة لسوق الجنس، نجد أنفسنا اليوم أمام تراتبية وجب الوقوف عليها لا بالأحكام المعدة سلفا، بل بالبحث السوسيولوجي الرصين؛ ففي أعلى هذا الهرم نجد "العمل الجنسي الراقي"، وممتهناته يحضين بمستوى اجتماعي يؤهلن لاقتناء سيارات وارتياد الأماكن الفاخرة، وهذا في حد ذاته لا يخلو من نوع القبول الاجتماعي لهن، وفي الجانب الاخر نجد عاملات جنس الرصيف والعمل الجنسي لطالبات الجامعة، فضلا عن مراكز العمل التي تمارس العمل الجنس متخفية تحت مسميات أعمال أخرى، المثلية المأجورة...، تقع أكثر الفئات هشاشة أسفل الترتيب مرفوقا بالرفض الاجتماعي.
عموما تتعدد انماط استباحة الجسد، مما يلزمنا بالوقوف على هذا الواقع المتشظي الذي يبدأ من التربية التي تلقن للنساء وهن صغيرات، فبدل دعم عقولهن تحاجج بنى الاستلاب والهيمنة في تحديد المعايير المثالية للمرأة الجميلة، ومحدد الجمال هنا هو شكلها الخارجي؛ فيخلق المجتمع بمختلف بناه المرأة الجسد السلبية التي تعرض جسدها للبيع طلبا للقمة العيش أو تحسين الشرط الاجتماعي للعيش، ويتم هنا السهر باستمرار على انتاج هامشية الذكاء والفكر كافراز موضوعي للبناء الاجتماعي المعاق، كل هذا في سيرورة لا تغادر مدارات التبعية والتطبيع مع تجليات الهيمنة والقهر.
استحضارا للغة الأرقام وارتباط بالواقع المحلي، كشفت وزارة الصحة المغربية في تقرير صادر سنة 2015، عن وجود 19 ألف عاملة جنس بكل من الرباط، طنجة، اكادير، مراكش وفاس. وجاءت العاصمة الادارية في المقدمة برقم 7333 امرأة، كما اشارت نفس الاحصائيات أن المتزوجات يشكلن 2% من أصل 19 الف؛ ونسبة 73% هن من المطلقات والأرامل والمنقطعات عن التعليم.
اما بخصوص الاستعانة بوسطاء نذكر النسب التالية :
الرباط واكادير 18% - طنجة 35% - و43% بمراكش.
طبعا لا يمكن الجزم بدقة هذه الأرقام الرسمية، نظرا للتعتيم الحاصل والتصالح الضمني مع التجارة بالبشر، من خلال انتاج واعادة انتاج المجتمع الطبقي الذكوري للبغاء كبناء لا مجود خيارات فردية.
كل هذا يجعل استباحة الأجساد سيرورة متواصلة في ظل النماذج المجتمعية الحالية التي تحفز استمرار هذه السوق وتمدها بحجافل العاملات كافرازات موضوعية للتربية الاجتماعية والتفقير الممنهج.
لطيفة زهرة المخلوفي
www.facebook.com
قاربت الباحثة الظاهرة بروح سوسيولوجية سؤولة، فانطلقت المقاربة من ثنائيتي الجنس والمال، واضعة فرضيات الفقر والجهل وتواطؤ الأسر كمسببات مباشرة لإنتاج العمل الجنسي المأجور.
وتأكيد للفرضيات السالفة، نستشهد بما جاء في الواجهة الخلفية لغلاف الكتاب على لسان المؤلفة:
"مشاهد وأحداث علقت بذاكرتي، مازالت تطرح تساؤلات كثيرة بداخلي، خادمات يصبحن بغايا، تواطؤ الأسر، الأب يتحرش بابنته، زبائن من الرجال يشترون الجنس، مافيا القوادة، خطف في المتنزهات، سوق النخاسة المحلية في القرن واحد والعشرين، نساء لا يملكن أجسادهن، زبائن يرغبون في اللذة ولا يأبهون للأمراض الجنسية…
قالت خلقنا نساء، وتربيننا على تعلم الطبخ، والتنظيف، وغسل الملابس، وإرضاع الأطفال، وتعلمنا كيف نجذب الرجال ونتزين لهم، كان هذا كل شيء فلم يعطينا أحد كتابا حتى لا نفتح أعيننا".
يستهل الكتاب بقولة لميشيل فوكو : "إن أكثر الشعوب تجريما لشيء هي أكثر الشعوب تأثرا به".
وهو قول ينطبق على مجتمعاتنا، التي تجاهر بتحريم الجنس، ويسيل لعابها في السعي له سرا.
بعد المقدمة، تنقلنا الكاتبة الى استهلال متعلق بنصائح "قوادة الى بغي مبتدئة" :
"اعلمي أنك خرجت من عالم ودخلت الى عالم آخر، ستخسرين الكثير من الأشياء : السمعة، الشرف، الحب، المجد، كل هذه المفاهيم انسيها.... الثقة مفقودة في عملنا هذا، والمراوغة والكذب يعتبران جزءا أساسيا من طبيعة عملنا".
شكل هذا جزء بمثابة استعارة عيون عاملات الجنس لنكتشف كيف يواجهن المصير.
لقد عمدت فوزية الى الاشتغال على نقد الواقع الاجتماعي الذي يدفع النساء الى عرض أجسادهن كسلعة يحضى بها من يدفع اكثر.
إن الكتاب اضافة لها أهميتها، وتميزت بعدة محاور منها الملحق الختامي " نساء البغاء... جسد، اعتراف، سلطة" ثم ركن "على هامش البحث أو حكايا الميدان".
والذي خصص لحكايات عاملات الجنس، حيث تروي كل واحدة تحربتها.
لكن كل هذا، لا يمنع من التأكيد على أن مقاربة أسواق الجنس اليوم تحفها عدة صعوبات وعراقيل، وهو ما يجعلها أبعد ما تكون عن العمل اليسير، نظرا لكونها بناء معقد ومركب، وارتباطا بالموضوع من المعروف أن المحرك الأساسي لمجتمع الاستهلاك هو اللعب على وتري الجوع الجنسي/ والحاجة الاقتصادية، فضلا عن تلبية غايات الترقي الاجتماعي السريع، حيث يلهت الزبون (رجلا وامرأة) خلف مستجدات السوق التي لا تتوقف عن استنزاف جيوبه تحت عناوين مواكبة الموضة ومسايرة السوق للظهور بالمظهر المتسجيب لاخر الصيحات.
وارتباطا بطبيعة المركبة لسوق الجنس، نجد أنفسنا اليوم أمام تراتبية وجب الوقوف عليها لا بالأحكام المعدة سلفا، بل بالبحث السوسيولوجي الرصين؛ ففي أعلى هذا الهرم نجد "العمل الجنسي الراقي"، وممتهناته يحضين بمستوى اجتماعي يؤهلن لاقتناء سيارات وارتياد الأماكن الفاخرة، وهذا في حد ذاته لا يخلو من نوع القبول الاجتماعي لهن، وفي الجانب الاخر نجد عاملات جنس الرصيف والعمل الجنسي لطالبات الجامعة، فضلا عن مراكز العمل التي تمارس العمل الجنس متخفية تحت مسميات أعمال أخرى، المثلية المأجورة...، تقع أكثر الفئات هشاشة أسفل الترتيب مرفوقا بالرفض الاجتماعي.
عموما تتعدد انماط استباحة الجسد، مما يلزمنا بالوقوف على هذا الواقع المتشظي الذي يبدأ من التربية التي تلقن للنساء وهن صغيرات، فبدل دعم عقولهن تحاجج بنى الاستلاب والهيمنة في تحديد المعايير المثالية للمرأة الجميلة، ومحدد الجمال هنا هو شكلها الخارجي؛ فيخلق المجتمع بمختلف بناه المرأة الجسد السلبية التي تعرض جسدها للبيع طلبا للقمة العيش أو تحسين الشرط الاجتماعي للعيش، ويتم هنا السهر باستمرار على انتاج هامشية الذكاء والفكر كافراز موضوعي للبناء الاجتماعي المعاق، كل هذا في سيرورة لا تغادر مدارات التبعية والتطبيع مع تجليات الهيمنة والقهر.
استحضارا للغة الأرقام وارتباط بالواقع المحلي، كشفت وزارة الصحة المغربية في تقرير صادر سنة 2015، عن وجود 19 ألف عاملة جنس بكل من الرباط، طنجة، اكادير، مراكش وفاس. وجاءت العاصمة الادارية في المقدمة برقم 7333 امرأة، كما اشارت نفس الاحصائيات أن المتزوجات يشكلن 2% من أصل 19 الف؛ ونسبة 73% هن من المطلقات والأرامل والمنقطعات عن التعليم.
اما بخصوص الاستعانة بوسطاء نذكر النسب التالية :
الرباط واكادير 18% - طنجة 35% - و43% بمراكش.
طبعا لا يمكن الجزم بدقة هذه الأرقام الرسمية، نظرا للتعتيم الحاصل والتصالح الضمني مع التجارة بالبشر، من خلال انتاج واعادة انتاج المجتمع الطبقي الذكوري للبغاء كبناء لا مجود خيارات فردية.
كل هذا يجعل استباحة الأجساد سيرورة متواصلة في ظل النماذج المجتمعية الحالية التي تحفز استمرار هذه السوق وتمدها بحجافل العاملات كافرازات موضوعية للتربية الاجتماعية والتفقير الممنهج.
لطيفة زهرة المخلوفي
مساواة | Rabat
مساواة, الرباط، المغرب. 18,768 likes · 116 talking about this. مساواة اعلام نسائي تحرري من أجل ترسيخ خطاب بديل حول الم