د. محمد عبدالله القواسمة - أنسنية إدوارد سعيد

يطرح المفكر والناقد الأمريكي الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد (1935 – 2003م) فهمه للأنسنية في كتابه Humanism and Democratic Criticism, الذي يتكون من خمس محاضرات ألقاها سعيد في جامعة كولومبيا عام 2000 م، ثم أضاف إليها وعدلها وألقاها في كامبريدج عام 2002 أثناء مرضه. وترجم الكتاب إلى العربية فواز طرابلسي بعنوان" الأنسنية والنقد الديمقراطي" وصدرت الترجمة عن دار الآداب في بيروت عام 2005م وبذلك يعود لفواز ظهور هذا المصطلح "الأنسنية" مرادفًا المصطلح الغربي Humanism تمييزًا له عن مصطلح "الإنسانوية" الذي ينطوي على معنى النزوع أو ادعاء الإنسانية.

ينطلق إدوارد سعيد في فهمه الأنسنية من أفكار عصر النهضة، وبخاصة من أفكار تلك الحركة التي بدأت في إيطاليا، ثم انتقلت إلى ألمانيا وهولندا وفرنسا على أيدي المفكرين الأنسنيين في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر كما عرفها الشاعر الإيطالي فرنشسكو بتراركه. وهي حركة ترى الإنسان أعلى قيمة في الوجود، وتُعلي من شأن العقل، وتقاوم الجمود، وتدعو إلى التمرد على أفكار القرون الوسطى. في فكر إوارد سعيد تعني الأنسنية "محاولة فك الأغلال التي يصنعها العقل" على حد وصف الشاعر الإنجليزي وليم بليك. وتقوم على أن الإنسان من الرجال والنساء هو صانع تاريخه، والقادر على استكناهه عقليًّا. كما تقوم على الإحساس بالتشارك مع الآخرين، ونبذ العزلة، ومحاربة البربرية، فالأنسنية كما يرى سعيد المتراس الوحيد في مواجهة السياسات اللاإنسانية والمظالم التي تمسخ تاريخ البشرية.

وقد اعتمد إدوارد سعيد منذ كتابه الاستشراق 1978م على النقد الأنسني؛ بوصفه شكلًا من أشكال الحرية الديمقراطية في تحرر العقل، ومقاومة الأفكار المسبقة، ومعارضة كل الكليشيهات الجاهزة، وإعادة صياغة اليقينيّات المعلبة والمسلم بها التي تُقدّم للناس كأنها من المحرمات الثقافية، أو من الأعمال الخالدة التي يمنع نقدها ومساءلتها.

يصر ادوارد سعيد على استخدام المصطلح على رغم أنف النقاد المتحذلقين من مدرسة ما بعد الحداثة ومدرسة النقد الجديد من أمثال ت. إس. إليوت وفوكو ونور ثروب فراى الذين يرون بأن المصطلح رديف للعلمانية المسيحية البروتستانتية؛ وهذا يسمح لتقسيمات مختلفة من مثل إنساني وغير إنساني، ومدني وبربري وغير ذلك. ولا يتقبل آخرون المفهوم لأنه يشير إلى نزعة عنفية عدوانية تميّزت بها الممارسات الغربية، وبخاصة في منطقتنا العربية التي عرفت باسم الاستعمار. ولهذا يرى جوزيف مسعد في مقاله" الاستشراق هو الاستغراب" بأن إدوارد سعيد لم ينجح مفاهيميًّا وسياسيًّا في تبرير المصطلح، وبالتالي لم بفلح في تحويله إلى مشروع إيجابي.

يعترف إدوارد سعيد بأن الأنسنية لُطّخت بالكولونيالية، لكنه يقف ناقدًا لها من داخلها مركزًا على محاربة البربرية، كما يطرح ذلك في مقالته الموسومة بـ" الأنسنية السور الأخير ضد البربرية "، فكأن هناك نمطًا آخر من الأنسنية يكون كوزموبوليتيًّا يجمع البشر في مواجهة العنصرية ونبذ الحروب والإبادة البشرية. هكذا يستخدم سعيد المصطلح في فضح الخطابات الكولونيالية والاستشراقية التي وُضعت لخدمة المركزية الغربية، وعملت لخدمة المستعمر.

يُخلّص إدوارد سعيد مفهوم الأنسنة من نزعته العدوانية التي اقترنت به منذ ظهوره؛ ليتحوّل عنده إلى دعوة الى تحرر النقد، والحرية في امتلاك الوعي، والالتزام بالمنهج الديمقراطي، ومقاومة الظلم الواقع على الشعوب وبخاصة الشعب الفلسطيني، ولكنه يقرن حديثه عن القضية الفلسطينية بالاهتمام بما يسميه واقع الشعب اليهودي وما عاناه من اضطهاد وإبادة. ويدعو الشعبين إلى التعايش في دولتين متجاورتين، ونبذ العداء المتبادل بينهما، وهذا كما يرى ما يجب أن يكون عليه الكفاح في هذه المنطقة.

لعل هذه الرؤية تظهر إدوارد سعيد مفكرًا أنسنيًّا أمريكيًّا متعاطفًا مع القضية الفلسطينية كأي قضية إنسانية أخرى.

[HEADING=2][/HEADING]
[HEADING=2][/HEADING]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى