جميلة سعدون - القوائم الانتخابية: نساء بدون صور..

المؤسسات السياسية بالمغرب، أداة من أدوات الصراع، بعيدا عن التوصيف الصوري الذي يذهب اليه البعض ووهم التغيير من الداخل، فالبرلمان أداة لتمرير قوانين تشرعن الصراع وتمنحه طابعا قانونيا وتوفر الحماية القانونية لأصحاب رؤوس الأموال، وتمنح النظام وجها ديمقراطيا يتباهى به أمام دول المحيط.
هذه المؤسسات تحتاج آلية الانتخابات لتأثيثها عبر مختلف ارجاء العالم، لكن الانتخابات بالمغرب لها طابع اخر، فهي عبارة عن مسرحية هزلية، تتفاقم هزالتها مع اشتداد الازمة، خاصة ما شاهدناه في حلقات الحملة الانتخابية التي عشناها الأيام السابقة.
على هذه الخطى، تقف على الكيفية التي شاركت بها النساء، إعدادا لهذه المسرحية.
وفق البيانات الرسمية، تشكل النساء 46 في المئة من عدد المسجلين باللوائح الانتخابية، {18 مليون مسجل} على مستوى الترشيحات بلغ عدد النساء المرشحات لانتخابات أعضاء مجلس النواب في دورته الحالية 2329 ترشيحا من مجموع 6815، وهو ما يمثل 34.17 بالمئة من إجمالي المرشحين، دون الحديث عن الترشيحات الجهوية والمحلية
مع انطلاق الحملة الانتخابية، وما أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي من إمكانيات لتتبعها، واسترسال الملصقات الانتخابية وما يستدعي هذا من دعاية، وتعريف بالمرشحين، استرعى اهتمام العديد من المتتبعين إخفاء صور بعض النساء المرشحات على هذه القوائم وبرزت الملصقات بأسماء دون صور، ليدخلن نطاق المرشحات الاشباح، مرشحات يرفضن الكشف عن هويتهن أمام من سيصوت عليهن.
أثارت هذه الظاهرة، بعض الانتقادات منها من أرجع هذا للضغوط الاجتماعية، وتجذر ثقافة "العيب"، خاصة داخل البوادي والقرى. لكن الظاهرة لم تشمل الترشيحات بالبوادي فقط بل شملت نساء المدن الكبرى وهو ما تم تفسيره بالقناعة الشخصية، دون الخوض في ازدواجية المعايير الخاصة برفض ولوج النساء هذا النوع من العمل السياسي والمطالبة بالاستقلالية والمساواة التي تحتم الانخراط دون حواجز أو تنميط، والتعبير عن المواقف بحرية
الخلفية الحقيقية من غياب الصور، تعود لعجز الدولة وأحزابها المخزنية، في تنفيذ ما جاء فيما يسمى بخطة إدماج المرأة في التنمية والتي كان من بين روافدها الأساسية ما أسمته’’ التمكين السياسي ’’ للنساء وما رافق المشروع الليبرالي من الية الكوطا ورفع نسبة النساء داخل البرلمان، وخلق وزارة تعنى بشؤون النساء
سبب حقيقي يكمن في عجز هذه الأحزاب وتكملة اللوائح واستكمال العدد الذي فرضه التقسيم الانتخابي كألية محسوبة النتائج متحكم بها من طرف دوائر مخزنية ضيقة، وجعل النساء أدوات يتم استعمالهن في إطار المنظومة الذكورية التي تعمل على اضطهاد وتبخيس قدراتهن، وتأثيث المشهد الانتخابي بما أسموه الترشيح النضالي دون الخوض في طبيعة النضال الذي يخضنه كنساء وطبيعة المسرحية التي عشنا فصولها الأيام القليلة السابقة
لم تقتصر ظاهرة التعامل مع صورة النساء في عدم البروز، بل تميزت بصورة نقيض، بملصقات تضم صور نساء يتمتعن بقدر من الجمال والاناقة، وهو ما لا يختلف عن استعمال صورة المرأة في اللوحات الاشهارية والتعامل مع النساء كسلعة معروضة لاستهواء الناخب حتى يصوت على رمز الحزب من خلال صورتها دون الخوض في تمثلات الناخب ومشاكله النفسية
في صورة أخرى نجد نوع اخر من النساء، يطفن الشوارع والازقة، حاملات اللوجستيك، مرتديات صدريات مرسوم عليها رمز من الرموز، كل يوم يتم الطواف بلون من الألوان الحزبية، يبدو العياء على أجسادهن، تستهويهن استراحة على قارعة طريق او عتبة منزل، مأجورات لمن يدفع أكثر
قد يجمع المتتبعين لهذه الحلقات ان هذا الحضيض لم يسبق له مثيل، فالنقاش والتجمعات الخطابية والبرامج الحزبية والمطالب الاجتماعية والمسيرات التعبوية لم يعد لها مكان فقط الولائم ومواكب الغناء والرقص وازقة مكتظة بالنساء والشباب يعززن هذه المواكب وأهازيج تمنح العملية بؤسا سياسيا ينتظر الشعب الكادح من خلاله، اقتناص لحظة فرح يؤدي ثمنها غاليا تتعسه الحياة بأكملها
لقد نجح النظام ومنذ زمن بعيد في فصل المجتمع عن السياسة وإفساده بمدرسة تشكل ’’ المواطن ’’ الذي يصلح لدعم السياسات المخزنية ومؤسسات دينية ترفع مشاكل الأرض الى السماء وتفرز نخبا دينية وفقهاء لا دور لهم سوى التطبيل للحاكم وتخدير البؤساء وأسر أنهكها الفقر فعجزت عن المقاومة والتصدي لهذا التنميط فأصبحت جزء منه ....... الهجوم قوي يتطلب أدوات جديدة بعيدا عن النماذج الحالية



المراجع:





...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى