أمل الكردفاني - تهميش الفوضى

وجدت العديد من الفتيات يتبنين مفاهيم التنمية البشرية، ونظريات اخرى، تتحدث عن الطاقة، اكثر من الذكور. فمثلا: الساعة ١١:١١ لها دلالة معينة في تلك الفلسفات. وهم -أي الذين يتبنون تلك المفاهيم- يميلون إلى التفاؤل. فهم يتبنون تلك التصورات الإيجابية، التصورات غير السلبية لكي تحدث لك الأشياء الجميلة. ويبدو أنها تحدث بالفعل لأنها في الواقع لا تحدث وحدها.
إنني مؤمن بفكرة الفوضى، والتي لخصتها كثيراً في أن الأصل هو نزوع العالم إلى اللا انتظام. لكن حدوده القصوى من تلك الفوضى تخلق نسقاً معيناً. على هذا الأساس، هناك نوعان من البشر: نوع يركز على الفوضى، ونوع يستبعد أو يعزل او يهمش تلك الفوضى. الفوضى هي أنني حين أفعل شيئاً جيداً فليس من المرجح أن تكون النتائج إيجابية. مثل أن تُحسن لشخص فيغدر بك، ولكن قد لا يغدر بك ويقابل الحسنى بالحسنى. إذاً وكما يقول الهندي الذي كنت أتسامر معه أثناء قيادته:(فيفتي فيفتي) وهو يهز كفه في الهواء كما لو كان يقلب قطعة خبز حارة.
وفقاً لنظرية أو مفهوم الفوضى؛ فإنه ليس بالضرورة أن يكون طبيخك جيداً لأنك وضعت المقادير المطلوبة من مواد الطبخ. ليس بالضرورة أن تجد عملاً محترماً إذا تخرجت من الجامعة، ليس بالضرورة أن تربح لأنك اشتريت وبعت. وليس بالضرورة أن تكون علاقتك مع مديرك طيبة لكي تحصل على ترقية، فكل شيء (فيفتي فيفتي-مع هزة كف). وهذه هي الفوضى. فالفوضى تعني أن التوقعات ليست محسومة بقوانين إجتماعية ما، فارتداءك لملابس فاخرة وذهابك لحفلة عند أغنياء لا يعني أنك ستقضي ليلة رائعة بالضرورة. وعلى العكس من ذلك فذهابك لمنزل شخص تكرهه قد يفتح أمامك فرصة التعرف على حب حياتك. لا يوجد قانون. لكن الأشياء السيئة هي الغالبة، لأن السيئ متماهٍ مع الفوضى، أما الأشياء الجيدة فاستثناء من تلك الفوضى.
هكذا يمكن أن نفهم آلية عمل هذه الفلسفات الغريبة، فالساعة ١١:١١تعني أننا سنتجاهل الفوضى مع التركيز على الأشياء الجيدة التي قد تحدث، والتي في الواقع لا نعرف ما هي على وجه التحديد، والتي في الغالب لن تحدث، لكن عدم حدوثها يخضع لتأجيل حدوثها وليس لنفي الحدوث. وفي هذه النقطة سنرى ارتباطاً وشيجاً بين تلك الفلسفات والدين. فالدين يحاول تحريرنا من التركيز على الفوضى ووضعنا دوما في دائرة الإيجابي.
فلنلاحظ قضية الدعاء والاستجابة كمثال واضح لذلك:
فالدعاء وفقاً للمفهوم الديني إما أن يستجاب، أو لا يستجاب، وفي هذه الحالة الأخيرة، فإما لأن الله صرف عن الداعي شراً بدلاً عن اجابة الدعاء، أو أخره إلى يوم القيامة.
فالتبريران الآخيران لا يقاسان على أساس منطقي، لأن هذا يعني أننا نستطيع أن ندعوا حجراً، وعندما لا يستجيب نقول بأن الحجر قد أجل لنا الإجابة أو ابدلها بخير يوم القيامة، وسيكون ذلك تحصيل حاصل. هنا لا يخضع النص للمنطق العقلي، بل لفلسفة تهميش الفوضى، ففي الغالب لن تحدث تغييرات بالدعاء، ولكن إذا حدث الاستثناء فإن العقل الباطن سيحيلها إلى الدعاء، وإذا لم تحدث سيحيل عدم حدوثها إلى التبريرات المتعالية. لكن ماذا لو حدث عكس الدعاء؟ هنا تظهر المفارقات التي تضع الدعاء على المحك. لذلك يجب دائما تهميش تلك الوقائع السلبية، فالسلبي قد لا يكون سلبياً كما نتصوره، بل قد يفضي إلى خير. وهكذا تحيلنا تلك التبريرات إلى نظرية تهميش الفوضى.
إن نظرية تهميش الفوضى ليست سلبية، بل لها إيجابيات كثيرة إذا آمنا بها، لأنها أولاً تجعلنا نشتت انتباهنا عن السلبيات وتركيز انتباهنا على الإيجابيات. يؤدي تهميش السلبيات إلى تقبل الواقع والعمل على تغييره وليس الشعور بالإحباط منه والاستسلام لفوضاه. يمنحنا تهميش الفوضى سلاماً نفسياً ودافعاً للعمل. لكن في نفس الوقت، قد تؤدي الكوارث إلى صدمة أكبر مما يمكن تحمله لمن يؤمن بتهميش الفوضى، عندما لا يمكن تجاوز نتائجها القاسية بالتهميش وتشتيت الانتباه، كموت أحد الأقارب أو التعرض للتعذيب..الخ.
إن الحياة محاولات دؤوبة للتوازن. والنظر إليها على هذا الأساس، يعني أن نؤمن بشرها وبخيرها، لأننا داخل فوضى ضخمة؛ وما أنشطة البشر إلا محاولات لترتيبها، سواء بالبحث العلمي أو بوضع أهداف اجتماعية أو اقتصادية وعاطفية وسياسية...الخ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى