لطيفة زهرة المخلوفي - الأدب النسوي، تجارب ورهانات.. الحلقة الحادية عشرة

الحلقة الحادية عشرة

يعد كتاب "المرأة والصراع النفسي" الصادر سنة 1975 لصاحبته الدكتورة الراحلة نوال السعداوي، تجربة رائدة في إضاءة إحدى الزوايا المعتمة، وذلك من خلال اماطة السعداوي اللثام بكل جرأة عن أزمة المرأة في المجتمع الذكوري كمنتج للمرض النفسي، حيث يصنف المرأة الذكية الطموحة في الحياة على أنها امرأة عصابية، واضطرابها النفسي هذا يدفعها إلى رفض وضعها الأدنى بالنسبة للرجل، وعدم الانضباط لدورها الاجتماعي ممثلا في أعمال المنزل من خدمة الرجل الى امتاعه ورعاية الأطفال.
في المقابل المرأة الطبيعية حسب المجتمع الذكوري هي المتقبلة لوضعها الأدنى برضى ويقين، وتتحقق سعادتها وجوهر كينونتها من خلال خدمة الزوج ورعاية الأطفال.
كما تؤكد الكاتبة أن السبب الرئيسي لإصابة المرأة بالعصاب هو سيطرة الرجل في الأسرة، يليه الفشل في تحقيق الذات أو الطموح كنتيجة طبيعية للكوابح التي يضعها العرف الذكوري أمام المرأة، لم تغفل السعداوي الإشارة لعامل الفشل في الحياة العاطفية أو الزوجية. ثم يأتي عدم الإشباع الجنسي والحرمان العاطفي الذي يفرض على المرأة كثم حقها في المتعة من منطلق أن طلب اللذة الجنسية حكر على (العاهرات) ولا يليق بالزوجات (الشريفات).
وفي معرض تعقب الأزمة النفسية للنساء، تتوقف نوال بتمعن عند دور التعليم والعمل بأجر في حياة المرأة، حيث يساعدها على رفض الوضع الدوني في الأسرة. اضافة الى اسهامه في زعزعة التقاليد العتيقة التي تنظر إليها كوعاء لإنجاب الأطفال أو طاعة الزوج.
"إن الانقطاع عن التعليم أو العمل يسبب للمرأة وخاصة الذكية، عصابا وألما نفسيا بسبب إحساسها بضياع مستقبلها، وعدم قدرتها على تحقيق ذاتها كإنسانة لها طموح فكري في الحياة. وتظهر هذه المشكلة بوضوح في الطبقات المستريحة اقتصاديا حين تشعر المرأة غير العاملة بالفراغ القاتل وضياع حياتها هباء، وأن الزواج لا يحقق ذاتها كإنسانة".
تركز الكاتبة على دور عمل وتعليم النساء في تشكيل طموح فكري ونفسي في الحياة.
تقول نوال السعدواي،أن خبراتها السابقة مكنتها من فهم شخصية الرجل المزدوجة في مجتمعنا، إنه يفكر بطريقة ويسلك في الحياة اليومية بطريقة أخرى.
وهو ما عبرت عنه الكاتبة بقولها:
"إنني وجدت أن هذا التشدد الأخلاقي الظاهري، يقابله تسيبا أخلاقيا في الخفاء. فالأب الذي يضرب ابنته لأنها حادثت زميلا لها يخون زوجته في معظم الأحيان، والأخ الذي يتظاهر بالتدين بالنهار يمد يده في الليل ليلمس جسد أخته الصغيرة."
أشارت الدكتورة أيضا إلى الاعتداء الجنسي في حق الأطفال والبنات :
"كنت أدرك من خلال عملي كطبيبة أن حوادث الاعتداء الجنسي على البنات والأطفال ليست بالقليلة في مجتمعنا، لأن مثل هذه الحوادث لا يدري عنها أحد، وإذا ضبطت بالصدفة، فإن كثيرا من الأسر تتكتم الأمر حفاظا على سمعة الأسرة وبناتها".
ان الصمت الذي يفرض على ضحايا الاغتصاب يساهمن فيه، من منطلق تربية اختصرت وجودهن في غشاء البكارة كمعيار أحادي لشرف ذكوري :
"الزواج من فتاة غير عذراء يعتبر حتى اليوم في مجتمعنا المصري أمر مكروه لا يقبله أي رجل، وإذا اكتشف الرجل أن عروسه غير عذراء ليلة الزفاف، فسرعان ما يطلقها. فتنتشر الفضيحة والعار الذي يلحق بأسرة الفتاة، التي قد تكون بريئة تماما من أي تجربة جنسية قبل الزواج، وإنما شاء حظها العاثر ألا تنزف ليلة الزفاف."
خلصت أبحاث الدكتورة نوال الى أن القلق أكثر أنواع العصاب انتشارا بين المتعلمات، وهذا معناه أن التعليم يجعل المرأة أكثر وعيا بوجودها، ومن ثم أكثر وعيا بالصراع. فالمرأة التي لا تحس وجودها، وقيمة هذا الوجود، لا تحس بالصراع من أجل إثبات وجودها أو تحقيق ذاتها. وبالتالي لا تعرف القلق في حياتها. فالقلق ليس إلا قلقا على الوجود كما عبر عن ذلك رولماي في تعريفه للقلق النفسي كنوع من أنواع العصاب.
هذا القلق يحتاج إلى درجة معينة من الوعي حتى يحدث، وهو تعبير عن رغبة في الحصول على المزيد، ورغبة في حياة أفضل وطموح أكبر، وتحقيق نوع من التكامل والرضا عن النفس وتحقيق الذات.
أما الخوف الذي تربى عليه الفتاة فهو شعور بالضعف والرغبة في الانسحاب، وعدم القدرة على مواجهة التحديات والصراعات.
القلق هو مرض النساء القويات الصامدات اللواتي يواجهن التحديات، أما الهيستريا والخوف فهما مرض الضعيفات العاجزات عن المواجهة.
ولهذا تؤكد الدكتورة نوال السعداوي:
" فإن علاج القلق ليس هو (في رأيي) بإزالته عن طريق المهدئات والمسكنات، ولكن علاج القلق هو تسليح المرأة بقوة، وإمكانيات أكثر للانتصار على التحديات وتحقيق ذاتها كإنسانة متكاملة. ومن هنا أهمية فهم المعالج أو الطبيب النفسي لمشاكل المرأة الاجتماعية، وأهمية إيمانه بحق المرأة في الحياة كإنسانة متكاملة العقل والجسد في مجتمع يساوي بين أفراده ".
كما تضيف :
"إن أنانية الأزواج، ليست إلا نتيجة لتلك التربية التي تقوم في معظم الأسر على التفرقة في المعاملة بين الولد والبنت. إن أغلبية الأسر المصرية لا تزال تفضل الذكور عن البنات، ومثل هذه التربية تخلق رجالا ساديين أنانيين، ونساء ماسوشيات سلبيات. لأن المجتمع بجميع قوانينه ونظمه قد جعل العمل للرجل حقا وواجبا لا نقاش فيه. وكذلك قد وفر الزواج للرجل البيت الذي تخدمه فيه الزوجة وتطيعه وتلبي رغباته، وإلا استخدم ضدها قانون الزواج، فطلقها أو عاقبها".
وفي ختام تشخصيها لهذه الأزمة الاجتماعية المركبة، تقر نوال بالعلاج الكفيل باستئصال مختلف بنى انتاج المرض النفسي، من خلال قولها :
"ولأن معظم أسباب العصاب وغيره من أمراض المرأة النفسية ليست داخل رأي المرأة أو جسدها، وإنما هي في المجتمع والأسرة والمدرسة والشارع وأماكن العمل. لذلك فإن الحقن والأقراص والجلسات الكهربية لا تفيد شيئا، ولا تعالج المرض من جذوره، وإنما قد تساعد بعض الشيء في تخفيف الألم أو التخدير المؤقت. ولست أعتقد أنه يمكن لنا أن نعالج الأمراض النفسية (وكثير من الأمراض العضوية) ما لم تعالج الأسباب الاجتماعية لهذه الأمراض. وأول خطوات العلاج هو أن نعرف هذه الأسباب ... لنعرف كيف نعالجها، ولهذا ليس أمامنا من وسائل العلاج إلا علاج هذه الأسباب، وإزالة التفرقة بين الجنسين، وإزالة الكبت في حياة البنات والنساء وإزالة القيود التي تمنع البنت والمرأة، وإزالة الخوف الذي يجعل البنت أو المرأة تكذب على نفسها والآخرين".




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى