د. محمد عبدالله القواسمة - مستشارون كثر ومضامين متواضعة

لعل من الظواهر الثقافية التي تستحق أن يكتب عنها ظاهرة كثرة أسماء المستشارين على الصفحات الأولى من بعض مجلاتنا الثقافية سواء تلك التي تصدرها المؤسسات الثقافية العامة أم الخاصة، وسواء أكانت محكّمة أم ثقافية عامة. فبعض الجهات المسؤولة عن هذه المجلات تحرص أن تكثر من أعضاء الهيئة الاستشارية لها. صادف أن وقع بين يدي مجلة امتلأ جانب من صفحة العنوان فيها بأكثر من عشرين اسمًا من المستشارين من بينهم صحفيون ومبدعون وأكاديميون، وكان أمام كل اسم اللقب العلمي. وتراوحت الألقاب من أستاذ دكتور(أ.د.) إلى دكتور(د.) إلى أستاذ(أ). ومن اللافت أن عدد صفحات المجلة لا يتجاوز المئة والخمسين، ومضامينها يتراوح أغلبها بين الفقر والضعف.

من المفترض أن وضع الأسماء ضمن الهيئة الاستشارية فيه الاحترام والتقدير لأصحابها، وفيه إثراء لمواد المجلة وإظهار قيمتها وأهميتها، ودورها في الحياة الثقافية. لكن، كما أرى، فإن الإكثار من عدد المستشارين لا يمنح المجلة أهمية كبيرة ولا يرفع من منزلة المستشارين. بل ربما يثير الشكوك حول دورهم، وحول الجهة التي تصدر عنها المجلة. فهؤلاء المستشارون لا يقدمون استشارات لتطوير المجلة وتعميق أبحاثها وزيادة انتشارها. إن كثيرين منهم يعترفون بأن ورود أسمائهم ما كان إلا لرغبتهم في الظهور والشهرة ولذكر ذلك في سيرهم الذاتية. أما الجهة التي تصدر عنها المجلة فلم تورد أسماءهم إلا من قبيل استخدامهم للترويج للمجلة، ومحاولة إظهار أهمية ما تطرحه من موضوعات وأفكار. فنلاحظ أن كثيرًا من المقالات والأبحاث في تلك المجلات لا ترقى إلى مستوى متميز بل إنها ضعيفة لا يتفاخر عالم أو باحث بأن يكون من هيئتها الاستشارية.

في الحقيقة إن المتلقي لا يحكم على المجلة من خلال طاقمها التحريري والاستشاري. فما يهمه في النهاية غير قيمة موادها وأهمية الموضوعات والمضامين التي تقدمها ولا تهمه الرتب والألقاب العلمية لأصاحبها.

لا شك في أن مثل هذه المجلات كثيرة المستشارين متواضعة المضامين من الأفضل لها أن تكتفي بهيئات تحريرها، وإلغاء أسماء هؤلاء المستشارين أو الاكتفاء بمن حقًا يستعان بخبرته لتعميق أبحاث المجلة وتجذيرها في الحياة الثقافية. لكن من تجربة أحد المسؤولين في تحرير إحدى المجلات فإنه يرى بأن العبء التحريري والإداري في الغالب يقع على واحد أو اثنين من أعضاء هيئة التحرير، والباقون، كما يرى، فيأتون في آخر الشهر لشرب الشاي واستلام مكافآتهم المالية. أما الاستشاريون فلا دور لهم في التحرير أو الإدارة، ولا يستشارون في شيء.

إن ضعف المحتوى في مثل هذه المجلات لا تتحمل وزره الجهة أو المؤسسة التي تتولى إصدارها فحسب بل أيضًا المستشارون الذين تتربع أسماؤهم على صفحاتها الأولى، ولا دور لهم فيها. ولا يقبل قولهم بأن الجهة التي تصدر المجلة هي التي وضعت أسماءهم دون استشارتهم، فلا أعتقد بأن أحدًا لا يستأذن بوضع اسمه ضمن الهيئة الاستشارية، كما لا أعتقد أن عالمًا أو باحثًا يهمه أن يوضع اسمه على مثل هذه المجلات دون أن يكون له دور استشاري أو تحريري فعليّ في موادها إخراجًا وعمقًا وفائدة.

في النهاية ربما من الضرورة إظهار التعجب والاندهاش من أن كتابنا وبخاصة الساخرون منهم، يتناولون في كتاباتهم الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولا يتناولون إلا باستثناءات قليلة الأوضاع الثقافية. هل مبعث ذلك المجاملة أم تجنب الوقوع في نقد الذات؟ مع أن الثقافة، كما أرى، هي أساس ما نعايشه من أوضاع صعبة ومعقدة في جميع نواحي الحياة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى