عمار حميد مهدي - سرّ أبي...

دائما ما كان يمثل أبي شخصية ناجحة متفانية ومنضبطة ليكون بذلك مصدر فخر واحترام بالنسبة لي وبفضله كنت انا ذلك المدلل الذي لم يتجاوز وقتها سن المراهقة ووالدتي نتمتع في بحبوحة من العيش الكريم ولم يكن لدينا ما ينقصنا على الاطلاق ، فأبي يحمل شهادة عالية في ادارة الاعمال واحد الناجحين في عالم التجارة وتداول الأسهم ، وكنّا نعيش في منزل فخم يقع وسط العاصمة لكنه كان منزلا مصمماً على الطراز الفيكتوري بأبراج عالية ونوافذ عديدة منتشرة وحديقة غنّاء ، ذلك لأن جدي هو الذي أشرف على بناءه بهذا الشكل المميّز والرائع.

في الصباح نجتمع سوياً على مائدة الافطار وفي الوسط يجلس ابي يطالع بهدوء الصحيفة ويقرأ الأخبار ثم يذهب الى مكتبه الخاص به ليأخذ حقيبة العمل ويخرج برفقة السائق الى مقر شركته ليعود بعدها عند المساء.

ذلك هو الروتين الذي تأخذه حياته بصورة عامّة ولكنني كنت اشعر ان أبي كان يخبئ سراً ما وذلك من خلال بعض تصرّفات تفصح عن اشارات سرّه الغامض ، كنت اشاهده في اوقات محددة في ايام العطل يدخل الى غرفة مكتبه صباحا ويبقى هناك حتى انسى دخوله هناك ولا اشاهده الا في اليوم التالي او عندما يشعر بامتعاض او ضيق بسبب اعماله يتجه نحو مكتبه ولا اراه حتى اليوم التالي لكنه يظهر هادئا مرتاحا وقد ذهبت عنه امارات الحزن والانزعاج التي كانت لديه في الأمس.

قررت ان اعرف السرّ الذي يخفيه عندما رأيته عائدا في وقت متأخر من ليلة نهاية الاسبوع وعلى ملامحه ذات علامات التعب والانزعاج ودلفت الى غرفة مكتبه قبل ان يدخل هو متخذا خلف احدى ستائر النوافذ مكاناً لمراقبة ما الذي سوف يفعله عند دخوله.

دخل هو الى الغرفة التي كانت تحتوي على مكتبة كبيرة ومكتب فخم ، تزيّنها لوحات لمناظر طبيعية ومشاهد العائلات الاوربية الارستقراطية وهي تمارس الصيد او تجلس وهي تحتسي الشاي ، وانتشر ورق الجدران في كل رقعة فيها ونقوش الطُرز الفيكتورية تحتل الزوايا والاضلاع.

دخل ابي مغموماً معتلاًّ وجلس الى اقرب كرسي قبالته ، حرصت على التنفس بهدوء شديد كي لا يشعر بوجودي معه ، قام ثم اتجه نحو باب الغرفة واقفلها ثم توجّه نحو مكان المدفأة ومدَّ يده نحو المدخنة وأخرج من داخلها وبحذر كيساً اسوداً فتحه بعناية ورأيته يخرج بيجامة مخططة بأكمام طويلة ونِعالا ذو نوعية رخيصة وقام بنزع بذلته الفاخرة ولبس البيجامة المخططة والنّعال ونَفَشَ شعره وهنا حصلت لي الصدمة عندما وجدته يقوم بتحريك احدى بلاطات الغرفة باحترافية ليظهر تحتها درجاتٍ تؤدي نحو الاسفل.

نزل أبي بكل هدوء ببيجامته معيدا البلاطة الى مكانها قبل ان يختفي ويتلاشى تحت الارض , انتظرت لفترة ثم اقتربت من البلاطة واضعا اذني عليها لعلّي اسمع شيئا ثم تحسست اطرافها وقمت بتحريكها بحذر حتى ظهرت السلالم امامي.

نزلت بخطوات مترددة نحو الاسفل وانا اشاهد طابوقا قديما بُنيت منه جدران هذا النفق او السرداب الذي دخل اليه ابي ، توقفت وأنصتُّ فلم يكن سوى صوت تيار هواء قادم على ما يبدو من الطرف المظلم الآخر وكنت أتلمَّس طريقي بسبب العتمة والافكار تراودني ، كيف لأبي والى اين قد ذهب في هذا النفق الذي يقع تحت منزلنا.

وصلت بعد مسير طويل في ممر فارغ الا من شباك العناكب الى بِضع سلالم تقوم نحو الأعلى حتى تحسست بابا حديدياً وقفت عنده ورحت أصغي الى اصوات مختلطة وضحك وصياح وزحف لقطع أثاث وخطوات هنا وهناك كأن هناك حفلة ما تقام على الجانب الآخر من الباب ، أدرت المقبض ببطيء وفتحت الباب مواربا كي ارى ما الذي يحصل على الجانب الآخر.

جال ناظري على المكان والدهشة تملأ كياني حتى رأيت أبي يجلس بينهم هناك.

على الطرف الآخر من شارعنا كانت تقع مستشفىً للمجانين بُنيت في نفس الفترة التي بنى فيها جدي منزله الذي تبرع في وقته لبناء هذه المستشفى وعلى ما يبدو ان جدّي قد ربط ما بين هذه المستشفى والمنزل بنفق تحت الارض لم أكن لأعلم بوجوده لولا الفضول في معرفة سر أبي الذي كان يجلس بين مجموعة من المجانين و يضحك ويقفز معهم ويصرخ هنا وهناك وهم يرتدون نفس البيجامة التي كان يرتديها هو وبقيت اراقبه مصدوما من تصرفاته الغربية ، كنت اقول في نفسي أبي الذي يمثل لي الرصانة ورجاحة العقل والحكمة ها هو امامي مع مجموعة من المجانين ولا اعرف ان كان قد اصيب بلوثة في دماغه ام لا؟ لكنني لم اشعر باندفاعي نحوه ممسكا بطرف ملابسه...


  • ماذا تفعل هنا يا أبي...
نظر لي ببلاهة مع شيء من الاستغراب والمفاجأة والمجانين حولنا يصفقون ويمارسون امورهم الغريبة المجنونة , كان بعضهم يكلّم نفسه ، يوجد شخص يلتفت مرعوبا يمينا وشمالا ، شخص آخر يكتب في دفتر ثم يمزق الورقة ويكتب من جديد ، هناك مجنون وقف على سرير معدني وقد تحلّق حوله مجموعة من اقرانه يصغون الى كلامه عن ادعاءات نبوته وهكذا , لم يتكلم ابي شيئا حتى جلس وحيدا دافناً وجهه بين يديه.

  • لقد اكتشفت سرّي يا بُني ربما العديد من الاسئلة تدور في رأسك الآن ،حسناً... انني أتعلم منهم , هذا ما أفعله.
  • ولكن كيف؟ لا افهم هذا , سألت ابي وانا لازلت في ذهول الصدمة شاعراً ان الزمن قد توقف عند هذه اللحظة
  • انني اهرب من عالمكم وأتعلم الحكمة من عالم من تدعوهم بالمجانين ، هنا أجد الراحة بين اصدقائي المجانين وان عالمكم خارج هذا المكان هو المجنون ، انا اعاني من التفكير المنطقي الذي يجعلني اشعر بالمرض والارهاق في عقلي ، ان عالمكم هو المريض , هو الجنون بعينه ، قال ذلك وهو يشير بإصبعه نحو النافذة الصغيرة ذات القضبان الحديدية ، في هذا المكان تظهر النزوات والرغبات بشكل اوضح , بلا اقنعة , بلا تصنّع , ولكن عالمكم تختلط فيه الملامح والنزوات , الطيّب والشرير ، اللص والانسان المستقيم والمذنب والبريء ، هنا انا اشعر بالراحة وهذا ما شَعَرَ به والدي وأنا ... ونظر نحوي كأنه يريد إيصال نفس الرسالة والممارسة الغريبة هذه إليّ ...
لم افتح فمي بأي كلمة وتوجهت نحو باب القبو واغلقتها عائدا نحو المنزل بكل هدوء وقبل ان اغلق الباب تناهى لي صوته وهو يقول , لن تفهم هذا الآن ... سترى كم ان عالمكم هذا يحوي الكثير من الجنون ... ستكتشف ذلك يوماً ما.

في صباح اليوم التالي كان ابي جالسا بِوَقارِهِ وصمته المعتاد يشرب القهوة على مائدة الافطار مقلباً الجريدة متصفحاً اخبار عالمنا (المجنون).

عمار حميد مهدي
  • Like
التفاعلات: محمود جلال

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى