د. محمد الشرقاوي - أيهما أكثر تطرّفا: مزاجُ الإنسان أم مزاجُ الطبيعة؟

خرجتُ مساء أمس في مشيتي اليومية الاعتيادية لتسعة كيلومترات عبر مناطق خضراء وأشجار وثلاث بحيرات جفّ الماء قليلا في الأولى، لكن وفرتَه في الثانية والثالثة تستقطب عشرات البط الذي بدأ يتلمس أحواله إلى ساعات النوم بين الماء واليابسة.
كنت أخطو مزهوّا بانسيابية قدماي على الأرض دون تركيز، وقد كبُرت الألفة بينهما ووجهة الطريق التي أعبره كل مساء، وكأن عقلي الباطن هو من يقود بدلا من تركيزي الذهني. ما زاد في انشراحي الشعور بطقس ربيعي معتدل وسط نسيم كان يخفي أمارات أمطار هطلت قبل ساعات، وتبدد الخشية من قشعريرة البرد الذي كان أوائل ديسمبر الماضي.
أعود إلى المنزل مرتاح البال، وقد استقرت في فكري فرضيةُ أن الاحتباس الحراري قد فعل فعلته بدرجات حرارة متوسطة، على خلاف البرد القارس المرتقب عادة في مثل هذا الوقت بين مقولة White Christmas، كناية عن سقوط الثلوج في عيد الميلاد، ورحيل عام وحلول آخر.
لكن ساعات الصباح الأولى عكست ضوءا غزيرا نفذ عبر جنبات النوافذ إلى زوايا الغرفة. أستيقظ بتردّد من يفتح عينا واحدة ويغلق الأخرى، وهو يساوم نفسه بين خيار الاستيقاظ أم أن هدوء العام الجديد لا يدعو للاستعجال، وأن يرابط المرء في الفراش لساعتين أخريين.
فجأة يرنّ الهاتف من قناة TRT لطلب مشاركة في برنامج "ولنا وقفة" حول تطورات السودان. فتحتم علينا فراق الوسادة والفراش الدافئ على مضض. انشغلُ لدقائق بحلاقة ذقني وبقية مراسم النظافة لأدير وجهي نحو النافذة، فأرى ما لم يكن في الحسبان: تراكماتٌ ثلجيةٌ كثيفةٌ على الأشجار المحيطة بالمنزل، وقد زحفت في سرية تامة دون سابق إنذار، كهجوم قوات أجنبية في عتمة الليل دون رقيب أو جهاز استشعار مبكّر.
قبل أن تجذبني رائحة القهوة إلى مائدة الفطور، وجدتُ نفسي منساقا إلى تدوين هذه اللحظة بصورٍ وتأملاتٍ تعكس مدى مرونة الأشجار والمباني والطرق وكل ما في الطبيعة في تقبل هذه الغزوة الثلجية الكاسحة. فأصبح المشهد متناغما بانتشار اللون الأبيض الخالص على كل شيء، حتى في انحدار حبات الثلج من السماء إلى حيث تستقر دون تشنج أو تنافر.
هي الطبيعة تتقبل الاستمرار والتغير في آن واحد. ولا تتشنج ولا تصب جامّ غضبها كما نفعل نحن البشر عند بعض المفاجآت غير السارة أو المشاكل غير المرتقبة. لكن، ألسنا نحن جزءا أساسيًا من مكونات هذه الطبيعة ببشرها وحيواناتها وجبالها وبحارها وفصولها المتدرجة أحيانا والمتقلبة أحيانا أخرى؟ أم نحن حيوانات بشرية مختلفة التركيب والتفسير لما يحدث لنا ومن حولنا؟ لماذا نشاكس ونتشنج ونضعف مناعتنا في الجدل العقيم والسجالات المتعبة؟
هجمة الثلوج عليّ في هذا اليوم تجعلني أترقب شتى أصناف المفاجآت في العام الجديد. وكما هي العبرة الأهم التي استخلصتها منذ سنوات، أن يتعامل المرء بمنطق التأقلم وطول النفس بين لحظة وأخرى، أو تحدٍّ وآخر، بعيدا عن التشنج والانفعال السلبي، وهما بداية الضعف وإعلان الهزيمة!

ضبابٌ وثلوجٌ وشمسٌ وإشراقاتٌ طهرانيةٌ!

ما أروع أن تصحو عيناك على بياض قياسي يوحي بطهرانية الملائكة عندما تسطع الشمس على مرابط الثلوج فوق الأشجار والسقوف والشوارع وامتدادات البياض اللامع اللامتناهي. مشهدٌ قلّ نظيره يقلب الشعور الكئيب بهجمة البرد والضباب والثلوج المتهاطلة أمس إلى انشراح وسحر الضوء المتفاعل بين الشمس وبياض الأرض اليوم. نورانيةُ اليوم تخفيفٌ لوطأة الهجمة الثلجية العاتية، وهي تذكيرٌ ضمنيٌ بأن الطبيعة تكره الجمود والرتابة، بل تقوم على التحوّل المستمر حتى لا يملّ بنو البشر.

قبل مائة وعشر سنوات، لاحظ الرسام الفرنسي هنري ماتيس كيف أن لمدينة طنجة شمالي المغرب ضوءا طبيعيا أقوى من بقية المدن التي عاش فيها. وقد يكون لهذا الوضع قرينة بانعكاس أشعة الشمس على ساحلي المدينة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، فضلا عن ارتفاع تضاريس المدينة.

بين المشهدين في طنجة في الأمس وواشنطن اليوم، يكتشف المرء سرّ حبه للضوء وانقباض نفسه من العتمة والظلام. وقد نفترض أن لهذا الميول نحو الضوء، سواء المنبعث من الشموع أو اللمبات أو النجوم أو القمر، علاقة أنطولوجية لأصل الإنسان بين الملاك والشيطان، وكيف ارتبطت الأفراح والزيجات والمناسبات السارة في مختلف الثقافات باحتفالية اجتماعية بالضوء في حد ذاته، كناية عن استعادة الأنوار الملائكية إلى نفوس ووجدان البشر.

عندما أصبحتُ قنّاصا بعدسة مركّزة!

استأنفتُ جولة المشي المطوّل مساء أمس، وإنْ تراكمت الثلوج، وانسدت الطرق من كل الجهات، وظهرت بعض العوائق بسبب انهيار بعض الأشجار في الطريق. لم تكن طبقة الثلج متساوية في كثافتها على الأرض بما يكفي لاستحضار الزلاجات وكأني أستعد لمنافسات بطولة أولمبياد شتوية، بقدر ما كانت همّتي وقدماي مستعدة للمغامرة حتى إشعار آخر. ولم تبال عزيمتي بقشعريرة البرد، وقد وضعتُ طربوشا سميكا على الرأس، وارتديت سروالا إضافيا للمقاومة في مسيرة الكيلومترات التسعة الاعتيادية.

بديتُ لنفسي بمثابة طارق ابن زياد، وهو يغامر في أندلس احتارت في هويتها بين أن تكون ثلجية أو جليدية بفعل انخفاض درجة البرودة، مادام الدفء والحرارة منعدميْن في هذه الأوضاع الاستثنائية. ومن خابر تجربة الثلج ومحنة الجليد، يعرف فرق المعاناة من مخاطر الشق الثاني في المعادلة.

خرجتُ قبل ساعات الغروب، وكانت ضالّتي هذه المرة التقاط مناظر مثيرة تجسد المشهد بتفاصيله، خاصة قرب البحيرات حيث يتلاقى الثلج والماء والأشجار في هدوء وتناغم في غياب البط الذي اختفى عن الأنظار، وعلى طول الطرق والممرات وقرب المباني، وكيف يتغير السلوك البشري بتغير أحوال الطبيعة.

لم تعد قدماي تخطو بنفس الانسيابية على الأرض، بل تتوخى الحذر من التزحلق، وتقتفي أحيانا آثار خطى عابرين من قبلي، وتغرق أحيانا أخرى في هضاب ثلجية تمنحني لقب الفاتح لهذه الأرض الجديدة. ووقفتُ أكثر من مرة أمام أشجار تواضعت من عليائها وقد أثقلت كميات الثلج أغصانها، وكأنها تنحني تقديرا لموكب هذا الفاتح العظيم الملهم الذي لم تتعدد إنجازاته التاريخية أكثر من فتح باب منزله، أو فتح الرسائل والطرود، وفتح قارورات الماء المعدني على أكبر تقدير.

كان أنفي من حين لآخر يقطر من شدة البرد، وهي مسألة طبيعية يعتمدها الجسم عادة للمقاومة والحفاظ على استقرار سلامته في حالتين: البرد القارس تحت درجة الصفر، أو تناول الفلفل الحار بكمية وافرة.

كان البرد يتسلل بقوة المكر المتعمد إلى عدة مفاصل في جسدي. وقتها تذكرت مفارقة لغوية كثيرا ما يقع فيها أصدقاؤنا المترجمون عند تعريب عبارة heartwarming إلى "مما يثلج الصدر". وقلت في نفسي إنني لا أحتاج لتبريدٍ أو تثليجٍ لصدري، بل إلى ما يدفئه ويزيد في نبضه واستقرار حرارته عند 37 درجة.

تذكّرت وقتها أن سكان الإسكيمو وسيبيريا مثلا أكثر الناس معارضة للحاجة لكل ما سيثلج صدورهم، وأننا نحن العرب نتعسف في تعريب بعض المعاني والدلالات المنشودة. قد يحتاج ابن الجزيرة العربية في صيف الخمسين درجة لأي نسمة هواء أو قطعة ثلج، ولكنه لو عايش تجربة الثلج القاسي، لانقلب رأيه رأسا على عقب، ولخرجت اللغة في مظاهرة عصيان مدني.

تذكرت المفكر المغربي محمد عابد الجابري صاحب مقولة الحاجة لتبيئة المفاهيم. وقد نبني عليها الدعوة لتبيئة الترجمات والتفاعل بين اللغات، وأن كل مفهوم ابن بيئته، ينحثه الإنسان وتحدد الطبيعة معناه ومغزاه.




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى