وليد محمد الشبيبي - قصة اختيار الهولندية (ربة البيت الطائرة) فاني بلانكرز – كوين عداءة القرن !ّ

عند الاجتماع في مقر الاتحاد الدولي لالعاب القوى في امارة موناكو في اخر عام قبل ان يدخل العالم الالفية الثالثة (1999) كان اساطير اللعبة الاولمبيون والدوليون يتسمرون صاغرين لسماع من وقع عليها الاختيار لأن تكون عداءة القرن في رياضة العاب القوى وعندما تلي اسمها وهي التي تبلغ من العمر عتيا (أصيبت بالامراض النفسية وفقدت السمع في اخر ايامها وماتت في مستشفى للعناية النفسية والعقلية مع الأسف !) عندما تلي اسمها وهي البالغة من العمر (81) عاما وبالكاد تسمع قالت بتعجب وعفوية: عفواً ! هل اسمع اسمي! ارجو التأكيد هل انا التي فزت بعداءة القرن !!!
فجائها التأكيد: نعم سيدتي انها انتٍ ومن غيرك يستحق فأنت (فاني الرائعة) فأنت (ربة البيت الطائرة) تركت البيت وابنيك وتوجهت مباشرة لأولمبياد لندن 1948 وحصدت أربعة اوسمة ذهبية وعدت للبيت لطهو الحليب لولديك !
ما فعلته لم تفعله امرأة من قبل!
انها لم تغير وجه التأريخ الرياضي فحسب – بل صححت نظرة المجتمع الخاطئة آنذاك عندما كانت تعتبر مشاركة المرأة في العاب القوى مجرد عبث وغير مجدٍ وكانوا يقفون ضد اشراكها حتى زوجها ومدربها كان يتبنى هذا المزاج العام قبل ان يلتقي بها ويدربها ويقتنع بأن أفكارهم كانت غير صحيحة فتزوجها مؤمنا بقدراتها
في صبيحة اولمبية (في أولمبياد لندن 1948) حيث المجد ينتظر بلادها كانت قد أصيبت بنوبة حادة من البكاء والحزن والشوق لبلدها هولندا (الحنين للوطن) وقررت فجأة ترك كل شيء خلفها والعودة لبلادها لكن زوجها استطاع ان يثنيها عن هذا الإحباط فقد كان زوجها وابيها وصديقها ومدربها وطبيبها ومعالجها النفسي
قال لها: توجهي للمضمار واقطفي ثمار المجد من ابوابه الواسعة وعودي لبلادك!
وقد وفعلت !
المجتمع تغير تماما – صار يؤمن بقدرات المرأة بل المرأة المتزوجة بالأخص من انها ما زالت تستطيع ان تنافس قريناتها العذراوات لا وبل تنتصر عليهن
في اخر مشاركة اولمبية لها (اولمبياد هلسنكي 1952) وكانت مستعدة لحصد الأوسمة لبلادها اصيبت بدمامل حرارية جلدية بجسدها ازعجتها لكنها أصرت على المشاركة
قررت الاشتراك بسباقين فقط لانها بلغت من العمر 34 عاما وتنوء بحمل طفلين وزوج ولم تعد تنبض بحيوية الجسد والشوق للبطولات كالسابق فالصحافة العالمية اسمتها (ربة البيت الطائرة) فقد تشبعت بالالقاب والامجاد والاوسمة
والاهم من كل ذلك – انها أضحت منذ 1948 ايقونة وطنية عالمية نسوية
تشبعت بالحب الذي تحتاجه كل فتاة بل وفاض عليها
وهي في مضمار المائة متر تعمدت ارتكاب خطأ فني كي تستبعد من السباق !
لتتفرغ لسباق الحواجز وعندما اطلق مسدس بدء سباق الحواجز أنطلقت كالسيل العارم وكالبرق الصاعق
وهي تجتاز الحواجز وحتى اجتازت الحاجز الثاني فجأة !!!
قررت التوقف عن السباق ولم تعد لديها الرغبة في لحظة استرجاع بينها وبين نفسها
هل يستحق كل هذا الجهد !
لم اعد ارغب بذلك !
هذه لحظة كل رياضي يمر بها وهو يمارس لعبته المفضلة التي احترفها
وهو يسأل نفسه قبل ان يقرر التوقف نهائيا ويوجه بوصلة حياته وجهة أخرى مغايرة
ويطوي المرحلة الماضية والى الابد!
الامر لم يعد يستحق هذا الجهد
سأتوقف تماما
لم اعد اشعر بالمتعة والشوق !
نعم انتهى كل شيء بالنسبة لي
فاني بلانكرز كوين – بعدها أضطرت ان تمضي في مشوار الحياة مرغمة وحيدة
بعد ان ترجل عن صهوة الحياة زوجها ومعلمها ومدربها عام 1977
- هل انا المعنية بأني عداءة القرن!!
- نعم سيدتي انت المعنية ومن غيرك يستحقها فما قمت به قبل (51) عاما لم يكن مجرد حصد لاربعة اوسمة ذهبية فحسب في سباق رياضي
بل انت التي غيرت نظرة المجتمع للمرأة في الرياضة
وانت الذي اكدت ان الحياة والبطولات لا تتوقف للفتاة عندما تتزوج وتنجب بل أحيانا قد تبدأ للتو !
عام 2004 - غادرت الحياة فاني الرائعة – غادرت ربة البت الطائرة فقد طارت الى السماء اخيرا
بعد ان فقدت السمع – لم تعد تسمع هدير الجماهير العاشقة المحبة
لم تعد دقات قلبها تتسارع قبيل سماع مسدس الانطلاق
لم تعد عروقها تتجمد
لم تعد دموعها تنهمر وهي تسمع نشيد بلدها الوطني والراية ترتفع وتخفق امام ناظريها مع صيحات الجماهير
كل شيء لاذ بالصمت
لكن صخبها وهدير الجماهير لم ينقطع بعد
فعليه
أسست كرامة وطن
ومجد امة
وكبرياء اولمبي لا يقارع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة: الصورة المرفقة: الشعب الهولندي يستقبل بطلته الأولمبية واسرتها استقبال الابطال وما يليق بها
وليد محمد الشبيبي
بغداد – الاثنين 24 كانون الثاني/ يناير 2022


فاني.jpg




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى