د. محمد عباس محمد عرابي - المفارقة في الشعر الجاهلي.. دراسة تحليلية للباحثة ملاذ ناطق علوان

المفارقة في الشعر الجاهلي دراسة تحليلية رسالة تقدمت بها الباحثة/ ملاذ ناطق علوان إلى مجلس كلية التربية للبنات- جامعة بغداد وهي جزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في اللغة العربية وآدابها عام 1425هـ
وفيما يلي عرض لهذه الدراسة كما ذكرته الباحثة في الرسالة نعرضها على النحو التالي :
مقدمة :
تقول الباحثة ملاذ ناطق علوان أنها قامت بتقصي المفارقة في الشعر العربي قبل الإسلام كونه جذر الشعر العربي ومنبعه ، ومنطلق إبداعاته المضيئة ، فكانت المفارقة إحدى الاشراقات التي أنارت خبايا شعرنا الأصيل ، ولونت عالمه الصحراوي بألوان الحيوية والحركة الإبداعية .ويعود الفضل في اختيار عنوان هذه الدراسة إلى الأستاذ الفاضل الدكتور احمد إسماعيل النعيمي ، إثر رصده المفارقة في الشعر الجاهلي في بحث أكاديمي .
مكونات الدراسة :
تكونت الدراسة من فصلين رئيسيين ، يتقدمها تمهيد اكتنفه حديث عن مفهوم المفارقة ،لغةً واصطلاحاً.
كانت رحلة التمهيد ،استعراضاً للدراسات العربية والغربية التي تفاوتت في رصدها ظاهرة المفارقة في الخطاب الأدبي أو الشعري من الناحيتين الفكرية والفنية .. وقد عرضت الباحثة أصل هذا المصطلح شيء من العمق والتوسع وأضاء لنا دلالاته وما يندرج تحته من معان عدة ، مما شجعنا ذلك على تتبع تلك الدلالات والمعاني . بأبعادها – الفكرية والفنية – لفن المفارقة بهذا القدر و ذاك ، والخروج من كل ذلك بتعريف يضم أطراف المفارقة المترامية الأبعاد .
وبدأت الباحثة من أعماق التاريخ حيث حضارة وداي الرافدين الموغلة في القدم ، فتبين لنا اعتماد الكاتب العراقي القديم – عفوياً- على المفارقة في كتابة ملحمة كلكامش ، ثم لاحظت الباحثة هناك نصوصاً ملحمية لشعوب شرقية – منها ملحمة مهابهاراتا وملحمة رامايانا – وغربية قديمة – شاخصة في ملحمة الأوديسة – احتوت في تضاعيفها جميعاً مفارقات عدة ، أجاد الفنان في صياغتها على احسن صورة ، وابعد اثر في نفس المتلقي ، مما يؤكد عراقة هذا الفن الرفيع منذ القدم .
وقد اعتمدت الباحثة في دراستها على ثلاث ركائز رئيسة ، كل ركيزة منها تمثل رؤية معينة للمفارقة ، من زاوية محددة ، ومنها نتفرع إلى رؤى متعددة ، باجتماعها تتكون الصورة الموضوعية الفنية الحقيقية للمفارقة ، هذا ما أكده التقصي الحثيث والبحث الجاد في تضاعيف دواوين شعراء ما قبل الإسلام ،المحققة تحقيقياً علمياً فضلاً عن أشعار المختارات ، وهذه الركائز مثلت العناوين الرئيسة لفصول هذه الدراسة.

الفصل الأول :
فقد عني بتقصي تجارب الشاعر الجاهلي الحياتية ، من خلال بحث وتحليل موضوعي ؛ لأن المفارقة ذات نواة فكرية ، تنمو وتزدهر ، فتينع ألفاظها ، وتتلون معانيها ، لتنتج باقة شعرية مختلفة الألوان والأريج .
وبشأن الفصل الأول ، عني بتحديد الأبعاد الحياتية للمفارقة في الخطاب الشعري . ومن خلاله طرقنا أبواب الحياة الجاهلية ، التي تجسدت فيها المفارقة بشكل تلقائي ، فكانت جزءاً لا يتجزأ من عالم الشاعر الجاهلي المرهف الحس ، ففي زاوية رصد الحياة والموت ، كانت المفارقة أصلية نابعة من عمق الفكر والإحساس في آن ، فهي بارزة الظهور في الخطابات الشعرية ، يحفها التناقض والتضاد العالي الذي تفرزه طبيعة معادلة الحياة والموت الغامضة ، وتنتهي رحلة الخطاب الشعري لبطل المفارقة في هذا الجانب إلى أحضان الموت والهلاك ، فنجد الشاعر الجاهلي واعياً مدركاً لهذه المعادلة المؤلمة القاسية ، ولتوازنها الدقيق الذي يحفظه القدر ، ولا يستطيع الإنسان أن يخل بهذا التوازن مهما تحايل أو هرب .
وتبرز المفارقة في زاوية أخرى من زوايا الرصد الشعري ، وهي القيم الاجتماعية ، التي تميزت بالتناقض الواضح الذي أفرزته طبيعة الحياة الصحراوية من جهة ، وقيم النظام القبلي من جهة أخرى ، إلى جانب ما أكده النقاد والمؤرخون عن عصر ما قبل الإسلام ، من جهة أخرى ، فجاءت الخطابات الشعرية في هذا المضمار غنية مفعمة بالمفارقة التلقائية القسرية . وإذا انتقلنا إلى زاوية رصد أخرى متمثلة بالتجارب الوجدانية – الحب للوطن والأهل والحبيبة – فنستشعر الأحاسيس الصادقة الجياشة والمواقف العاطفية الفنية بالتناقض الذي تفرضه القيم والأعراف الاجتماعية العربية من جهة ،ولطبيعة البيئة الصحراوية من جهة ثانية ، وطبيعة العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة من جهة ثالثة ، كل ذلك زود عالم المفارقة الفكري بمفارقات رومانسية عذبة منسوجة عن وعي وإدراك غالبا، وبفنية متميزة تجسد أحاسيس الشاعر ، وتبثها ألفاظا شفافة ، فيتلقاها المتلقي باستمتاع ورضاً .
وفي محور آخر من الفصل نفسه ، وهو محور الأبعاد الدينية والأسطورية العربية قبل الإسلام ، أمدنا الخطاب الشعري في هذا المجال ، بمفارقات تلقائية ، تفرزها مواقف الناس عامة والشاعر خاصة نحو معبوداته ، المقرونة بمعتقدات الشاعر المضطرب القلق بتلك المعبودات ، فعلى الرغم من فروض الطاعة والولاء التي يظهرها لصنمه أو وثنه ، فإننا نشعر باهتزاز إيماني في خطابه الشعري ، يقضي إلى مفارقة موقف مميزة .
الفصل الثاني:
دار حول المفارقة في صياغتها البلاغية والاسلوبية والحوارية، مما اكسبها في السياق الشعري جمالاً ورونقاً ، انتقل الشعر بها من عالم المألوف إلى عالم الفضاءات الإبداعية الخلاقة وبذلك أفصحت عن براعة الشاعر واستجابة المتلقي في آنٍ، وسجلت ميزة للشعر العربي وللشاعر قبل الإسلام
وضمن إطار الدراسة البلاغية والأسلوبية والحوارية التي تكفل بها – الفصل الثاني – أثبتت الباحثة فيه أن المفارقة أحد الفنون البلاغية ، فمرة تحمل صفة مزدوجة كما هو الحال في الطباق ، ومرة تأتي منفردة بعيدة عن الفنون الأخرى كما هو الحال في كثير من الاستعارات ، إذ تظهر ساطعة مجسدة لفن بلاغي معين ، فتنطبق معه انطباقا كليا لا انفصام فيه ، نحو فن الكناية ، إذ كل كناية هي مفارقة لا خلاف فيها ، من حيث هي ذكر شيء دون التصريح به ، ونحو فن الطباق أيضا ، فكل طباق هو مفارقة لا غبار عليها ، من حيث هي شكل من أشكال النقيضة ، ولكن في كلتا الحالتين لا يشترط أن تكون كل مفارقة كناية ، أو كل مفارقة طباقاً .
وتظهر مرة أخرى المفارقة فناً بلاغياً إلى جانب عن آخر ، تدعمه وتزينه وتزيده جمالا وبعدا فكريا يساعد على إيصال رسالة الشاعر أو فكرته إلى المتلقي ، مثل تغلفها في فن (التشبيه، الاستعارة ، الجناس ، تأكيد المدح بما يشبه الذم ) .
وفي تلك الفنون جميعاً ، تغدو المفارقة جنساً بلاغيا أدركه الشاعر العربي وتفنن في صياغته ، ولمح أليه الناقد العربي ، وبحث فيه من زوايا معينة ، بالرغم من أن الشاعر والناقد لم يقعا على مصطلح المفارقة ، ولكنهما اشتركا في الإشارة إلى مضامينه .
وقد تقصت الباحثة المفارقة في جمال الأسلوب، وظهر إنها جزء من الأسلوبية ، وتقنية الصياغة الأسلوبية المعروفة لكل أديب أو شاعر ، لا تخرج عنه أبدا، بل تضيف إليه غرزة فنية تعزز نسجه الشعري .
وأخيراً الصياغة الحوارية ، التي ظهرت في الكثير من الخطابات الشعرية الجاهلية ، والتي تدفع طرفي الحوار – من مواقف بعينها – نحو المفارقة ، وذلك لطبيعة المتحاورين ، ( الشاعر من طرف، والإنسان من طرف آخر ) ، فضلاً عن بروز المرأة العاذلة التي جسدتها الحوارية بدقة وإتقان عاليين ، فتخرج الحوارات في إطار مفارقة موقف أو حدث .
نتائج الدراسة :
تناولت الباحثة في خاتمة الدراسة النتائج التي توصلت إليها حول المفارقة ، التي طرزت الشعر العربي قبل الإسلام ، ببعديه الفكري والفني، حيث توصلت الباحثة إلى أنه :تؤكد هذه الدراسة حقيقة أن الشاعر الجاهلي ذكي فطن عرف المفارقة بحسه الفطري، وأنضجتها تجاربه ومشاهداته ، ولكنه لم يعطها اسماً واضحاً ، وحتى في انتقالها إلى أحضان البحث والتقصي النقدي لم تحض باسم أو مصطلح معروف لدى النقاد العرب ، لكنهم تطرقوا إليها عن وعي وإدراك في اغلب الأحايين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى