د. صبرى محمد خليل خيرى - الطريقة والاستخلاف: الضبط الشرعي لمفهوم الطريقه فى التصوف الاستخلافي

اولا: ملخص الدراسه :
الطريقه لغة السيرة والمذهب " المعجم الوسيط ". اما اصطلاحا فنرجح تعريفها بانها : مذهب معين فى الترقى الروحى ، استدلالا بقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، ورد فى تفسير ابن كثير( " إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا": اي ساع إلى ربك سعيا وعامل عملا ، " مُلَاقِيهِ": أي فملاق ربك ومعناه فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك").اما الطريقه الشرعيه فهى التى تضبط هذا الترقى الروحى بمفاهيم وقيم وقواعد الوحى الكليه ، التى مصدرها اصول الدين النصيه الثابته، والدليل قوله تعالى : (وَأن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا )(الجن :16 )، ورد فى تفسيرالطبرى ( الاستقامة : الطاعة. " لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا " : طريقة الإسلام ، على طريقة الحقّ والاستقامة )... والتصوف الاستخلافى هو ربط التصوف السنى، بمفهوم الاستخلاف القرآنى بأبعاده المتعددة،والذى يلزم منه تدعيم الاستخلاف بأبعاده المتعددة، وهو نقيض للتصوف الاستضعافى، الذى يلزم منه تكريس الاستضعاف، ومن ثم يفتح الطريق أمام الخضوع للاستكبار بأشكاله المتعددة. ... ولمصطلح التصوف دلالتين أساسيتين : دلالة اصليه “تاريخية”، وهى محل خلاف. ودلالات تبعية “لاحقة" متعددة، والتعريف الذى نرجحه هو بأنه الترقي الروحي للإنسان ،المقيد تكليفيا بالوحي و تكوينيا بالسنن الالهيه ، والذى يمثل البعد التكليفى لسنة “الكدح إلى الله “النوعيه ، المشار إليها في ايه الكدح ، ويستند الى تعريف ابن القيم له بانه زاوية من زوايا السلوك الحقيقي "مدارج السالكين، ج ٢ ، ص ٣١٧". اتساقا مع هذا التعريف فانه ينطلق من التصوف السني، القائم على الضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي (ويترتب على هذا انه - وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له - يلتزم بآليات الضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي التي قررها علماء أهل السنة – وكذا أعلام التصوف السني) . كما انه نقيض للتصوف البدعي ( الذي يطلق عليه خطأ اسم التصوف الفلسفي- فمصدره الأساسى بعض الأديان الشرقية القديمة الوثنية وليس الفلسفة -)، والمستند إلى مفاهيم أجنبية “كالحلول والاتحاد ووحدة الوجود”، والذي لا يلتزم بالضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي... ويتصل بالهوية السنية للتصوف الاستخلافي- وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له - محاولة إحياء التصوف الحنبلي ( وهو أحد مذاهب التصوف السنى،ظهر فى مرحلة معينة من مراحل التاريخ الاسلامى ، لكن لم تكتب له الاستمرارية لاسباب متعددة) ، باعتباره جزء من كل هو التصوف السنى، وبهدف تحقيق الوحدة الإسلامية. وقد ارخ الامام ابن تيمية له فى كتابه الصفدية ، واخذ اشكال متعددة منها:انتماء بعض أعلام المذهب الحنبلى للتصوف "، واقرار العديد من أئمة المذهب مرورهم بتجارب روحيه (مثاله الامام ابن القيم فى كتابه" مدارج السالكين")، و ثناء العديد من علمائه على اعلام التصوف المنضبط بالشرع(مثاله تعريف الامام الذهبى للعديد منهم فى فى كتاب تاريخ الاسلام)،واقرارهم بجمع العديد من الشيوخ بين المذهب الحنبلي والتصوف (مثاله شهادة الامام ابن تيميه عن الامام الهروي فى كتاب الأجوبة المصرية). وينطلق التصوف الاستخلافي- وكذا مفهوم الطريقه طبقا لتعريفه له- من تصور – إسلامي -للوجود الانسانى ، مضمونه أن الوجود الانسانى وجود مركب وليس وجود بسيط ، فهو ذو أبعاد متعددة، وانه يجب الإقرار بالقيمة المتساوية لهذه الأبعاد المتعددة . ويقوم التصوف الاستخلافي – وكذا مفهوم الطريقه طبقا لتعريفه له- على الضبط الشرعي لمفهوم"الأحوال والمقامات"من خلال: أولا: اعتبار أنها درجات الترقي الروحي للإنسان﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾، ينبغي ان يقيد تكليفيا" بالوحى"، و تكوينيا"بالسنن الالهيه" تعالى ثانيا: رفض تصور التصوف البدعى لها ، والقائم على أن له نهاية هي الوصول إلى الله تعالى- فى الحياه الدنيا - " بالحلول أو الاتحاد او الوحدة " ، وان كل درجة من درجاته تنعدم بالانتقال إلى درجة أعلى . وقد قدم الامام ابن القيم نموذج للضبط الشرعى للأحوال والمقامات فى العديد من كتبه، وبشيء من التفصيل فى كتابه "مدارج السالكين". كما يقوم التصوف الاستخلافي- وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له- على الضبط الشرعي للمصطلحات الصوفيه،ويضمن هذا الضبط الانطلاق من التصور الإسلامي الصحيح للعلاقة بين الوجود الإنساني المحدود ،والوجود الإلهي المطلق ، والذي يجعلها علاقة ارتباط – بين الخالق والمخلوق - من جهه، وتمييز- بين الخلق والمخلوق أيضا- من جهة اخرى. ورفض التصور البدعى لهذه العلاقه، والمستند الى مفاهيم اجنبيه ” الحلول والاتحاد ووحدة الوجود” ، والذى يجعلها علاقة خلط ودمج . كما يقوم التصوف الاستخلافى – وكذا مفهوم الطريقه طبقا لتعريفه له – على الضبط الشرعى لمفهوم الحب الالهى ، الذي عبر عنه الصوفية بمصطلحات مثل: " الجذب او الحب او العشق الالهى" ، وأشارت إليه العديد من النصوص بمصطلح " حب الله " كما فى قوله تعالى(… فسَوْفَ يَأْتي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ …). كما يقوم التصوف الاستخلافى– وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له –على الإثبات المقيد لمراتب الولاية ودرجاتها- والتي عبر عنها الصوفية بمصطلحات: والأقطاب والأبدال والأوتاد والنقباء والنجباء – و الذي يتجاوز موقفي الإثبات والنفي المطلقين لها ، ويلتزم بموقف قائم على إثبات هذه المراتب والدرجات ، في حال اتساقها – أو عدم تعارضها- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية ، ونفى هذه المراتب والدرجات في حال تعارضها مع هذه المفاهيم والقيم والقواعد . فهو- اى التصوف الاستخلافي – وكذا مفهوم الطريفة طبقا لتعريفه له - يتجاوز مذهب الإجمال اى المذهب الذي يضع حكما كليا بالرفض أو القبول لهذه المراتب والدرجات، إلى المذهب التفصيل اى المذهب الذي يميز بين الكيفيات المتعددة لهذه المراتب والدرجات: فهناك الكيفية التي تستند إلى مفاهيم ونظريات ذات مصدر أجنبي ، تتعارض مع الإسلام كدين “كالحلول والاتحاد ووحدة الوجود”، وهذه الكيفية مرفوضة ، وهناك الكيفية التي تستند إلى المفاهيم والقيم والقواعد الكلية للدين ، والفهم الصحيح للدين ، كما قرره السلف الصالح وعلماء أهل السنة ، وهذه الكيفية مقبولة . ويمكن الاستئناس هنا بإقرار بعض السلف وبعض علماء أهل السنة بمراتب ودرجات الولاية ، لكن بكيفية تتسق مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية. ويستند التصوف الاستخلافي – وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له – على الاثبات المقيد للكرامه، تكليفيا (بالالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد وحى الكليه) ، وتكوينيا (اى انها تتحقق دون انقطاع اضطراد السنن الالهيه التى تضبط حركه الوجود ،والغاء السببية اى علاقة التلازم بين السبب والمسبب).ورفض الإثبات المطلق لها ، الذى لا يقيدها تكليفيا " بعدم الالتزام بهذه المفاهيم والقيم والقواعد " او تكوينيا " اى يمكن أن تتحقق بانقطاع اضطراد هذه السنن الالهيه ، والغاء السببية". ويقرر التصوف الاستخلافي- وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له- امكانيات النفس التى أشار إليها القرآن الكريم .وأنها كإمكانيات متاحة للجميع ، لكن تحققها مقصور على البعض فقط ، ممن بذل الجهد اللازم للانتقال من الامكانيه إلى التحقق. وهى:اولا: النفس السوية “الملهمة (امكانيه فعل الخير والشر).ثانيا: النفس الأمَّارة بالسوء( امكانيه متعلقة بحث النفس لذاتها على فعل الشر). ثالثا:النفس اللوامة(إمكانية لوم النفس لذاتها عند فعلها الشر).رابعا: النفس المطمئنة(إمكانية متصلة بالوثوق”الإيمان – اليقين ” بالفعل الالهى المطلق “الربوبية”. ولها حالتين فى الحياة الدنيا والحياة الآخرة ولها صفتين فىي حالتها الاخيره:ا/النفس الراضية : (وصف لرضي النفس المطمئنة بما أوتيت من ثواب اخروى) .ب/النفس المرضية ( وصف لرضي الله تعالى عن النفس المطمئنة( .أما مصطلح النفس الكاملة فهو غير ثابت نصا ، ويجب ضبطه شرعيا ، حتى لا يختلط مقام الرسول(صلى الله عليه وسلم )- كمال العصمة بالوحى- ، والسلف الصالح (الصحابة والتابعين"رضى الله عنهم "- كمال العدالة النصيه - بمقام سواهم من مسلمين ممن لهم كمال العداله غير النصيه .وهنا يكون المقصود يكون وصف للنفس المطمئنة بمعنى انها اكثر امكانيات النفس شمولا.

..........................................................

ثانيا: المتن التفصيلي للدراسة:

مفهوم الطريقة :

لغة: المنهج والمسلك ، ومنه مسلك الطائفة "الجماعة "من المتصوفة ، والجمع طرق . وقيل: هى السيرة والمذهب والطريق (المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية ، دار الكتب المصرية ، القاهرة ، بدون تاريخ ، ج2 ، ص 576) . وقد ورد المصطلح فى القرآن بدلالة الحال والسيرة، سواء كانت حسنة أو سيئة ، ‏مثال للجمع بينهما قوله تعالى (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا‏)( الجن : 11)، ومثال للسيئة قول فرعون (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى) (طه:63)، ومثال للحسنة قوله تعالى ( وَأن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا )(الجن :16 ).
اصطلاحا: الطريقة عند بعض علماء الصوفية هي : السيرة المختصة بالسالكين إلى الله ، من قطع المنازل والترقي في المقامات (الجرجانى ،التعريفات ، ص 18)( للمزيد انظر: مفهوم الطريقة لغة واصطلاحاً ونشأة الطرق الصوفية وتطورها / ربيع محمد / موقع مشكاة الانوار /2018/04/26 ) . والتعريف الذى نرجحه هو ان الطريقه هى مذهب معين فى الترقى الروحى، مضمونه مجموعة من المفاهيم والقيم والقواعد الجزئية"اى مصدرها فروع الدين الاجتهادية المتغيرة"،التى ينبغى ان تكون مقيدة بمفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية " اى مصدرها أصول الدين النصيه الثابتة " ، التي تضبط درجات هذا الترقي الروحي الذاتية "الأحوال " ، والموضوعية "المقامات " ،اى تضبط علاقة المستخلف - بفتح الالف - "الإنسان"، المستخلف- بكسر الالف- " الله تعالى"، وبالتالى تضبط ايضا علاقته مع غيره من مستخلفين "بشر"، و مستخلف فيه " الطبيعة ".

التصوف الاستخلافى: هو محاوله فى التصوف الإسلامى المعاصر، تنطلق من الربط بين التصوف الاسلامى فى قطاعه السنى ، ومفهوم الاستخلاف القرآنى ،بأبعاده المتعددة الحكمية " الفلسفية " والمنهجية والمذهبية – مع التركيز على البعدين الاولين – باعتبار انهما يمثلان اسسه العقدية - والذى يلزم منه تدعيم الاستخلاف بأبعاده المتعددة “السياسية ، الاجتماعية ، الاقتصاديه..”. لأنه يثبت الوجود الانسانى بأبعاده المتعددة- ومن ثم تثبت فاعليته. وهو نقيض لنمط أخر من أنماط التصوف ، يمكن أن نطلق عليه اسم التصوف الاستضعافى، لأنه يلزم منه تكريس الاستضعاف بإلغائه للوجود الانسانى – بإلغائه لبعض أبعاده – ومن ثم إلغاء فاعليته ، ومن ثم يفتح الطريق أمام الخضوع للاستكبار بأشكاله المتعددة ” الخارجي والداخلي: السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي…

دلالات مصطلح التصوف: لمصطلح”التصوف” دلالتين أساسيتين :

أولا: الدلالة الأصلية “التاريخية”: وهى محل خلاف ، فقد اختلف الباحثون في اشتقاق كلمة صوفي: فقيل إنه لقب أي لا تشهد له من جهة العربية اشتقاق أو قياس. وقيل المشتق من الصفاء ، وقيل نسبة لأهل الصفة ، وقيل مشتق من كلمة (صوفيا) اليونانية وهي تعني الحكمة.وقيل أنها مشتقة من الصوف، ويقال الصوفي للرجل إذا لبس الصوف، وكثير من الصوفية يرون هذا الرأي ومنهم السراج الطوسي في كتابه (اللمع)، وأيده ابن خلدون وآخرون منهم الإمام ابن تيمية.ونرى انه الراى الراجح،وبناء على هذا فان الدلالة الأصلية التاريخية للمصطلح مشتقة من لبس الصوف كعلامة كانت تميز الصوفية في مراحل تاريخية سابقه،حيث كان يرمز إلى الزهد كقيمة أساسية في التصوف.

الدلالات التبعية “اللاحقة”: وهى دلالات متعددة، حيث تعددت تعريفات التصوف بتعدد :المواقف منه ،و الزوايا المنظور منها إليه،وعناصره التي يتم التركيز عليها .. والتعريف الذى نرجحه - والمستند إلى الاستخلاف كفلسفة ومنهج إسلاميين- فهو تعريف التصوف بأنه: الترقي الروحي للإنسان المقيد تكليفيا بمفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية و تكوينيا بالسنن الالهيه الكلية والنوعية التي تضبط حركه الوجود الشهادى الشامل للوجود الاستخلافي “الإنسان” والتسخيرى “الطبيعي “. وهذا الترقى الروحي يمثل البعد التكليفى لسنة “الكدح إلى الله “النوعيه ، المشار إليها في الآية “يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ” والذي مضمونه أن تأخذ حركة الإنسان شكل فعل غائي محدود بغاية مطلقه (الألوهية) وفعل مطلق( الربوبية) ، والذي يحدد – ولا يلغى – بعدها التكويني الذي مضمونه أن حركة الإنسان تتم عبر ثلاثة خطوات: المشكلة فالحل ، هذا التعريف يستأنس بتعريف الإمام ابن القيم للتصوف والذي مضمونه ان التصوف (…زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتسعد بسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى) (مدارج السالكين، ج ٢ ، ص ٣١٧(...

انطلاق التصوف الاستخلافي من التصوف السني: واستناد التصوف الاستخلافي لهذا التعريف للتصوف والذي يقيده ” تكليفيا ” بمفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية ، يعنى انه ينطلق من التصوف السني القائم على الضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي ،والمتضمن للالتزام بالضوابط الشرعية لهما، من خلال موافقة مذهب أهل ألسنه ، القائم على الضبط الشرعي لاعتقاد وسلوك المسلم ، ومفارقة الاعتقاد بالمفاهيم الأجنبية ” كالحلول والاتحاد ووحدة الوجود” ، والسلوك المخالف للكتاب والسنة...ز

الالتزام التصوف الاستخلافى باليات الضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي التي قررها علماء أهل السنة وأعلام التصوف السني: اتساقا مع هذا فان التصوف الاستخلافي- وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له - يلتزم بآليات الضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي التي قررها علماء أهل السنة – وكذا أعلام التصوف السني- ومن هذه الآليات :ا/عدم مخالفة الكتاب والسنة : يقول الإمام النووي(أصول طريق التصوف خمسة: ... وإتباع السنة فى الأقوال والأفعال ... )(رسالة المقاصد في التوحيد والعبادة وأصول التصوف/ ص 20) ب/ التمييز بين الأصيل والمدسوس: يقول الإمام ابن تيمية (وان سمع شي من ذلك- اى الحلول والاتحاد- منقول عن بعض أكابر الشيوخ فكثير منه مكذوب ، اختلقه الأفاكون من الاتحادية المباحيه الذين أضلهم الشيطان) (مجموع الفتاوى ، كتاب التصوف ص 74) . ج/ التمييز بين الصوفية وأدعياء التصوف : يقول الإمام السيوطي (قد كثر في التصوف الدخيل على القوم ...فوجه أهل العلم التمييز بين الصنفين"الدخيل على القوم، ليعلم أهل الحق من أهل الباطل )(الرسالة القشيريه، ص 16).د/ حمل المقولات “الصوفية ” على وجهها الصحيح الذي يتفق مع الشرع: يقول الإمام ابن تيمية ( وفي كلام أهل التصوف عبارات موهمة في ظاهرها بل وموحشة أحيانًا، ولكن تحتمل وجهًا صحيحًا يمكن حملها عليه، فمن الإنصاف أن تحمل على الوجه الصحيح … )(مجموع الفتاوى /ص337(

رفض التصوف البدعى: والتصوف الاستخلافى هو نقيض للتصوف البدعى ” الذي يطلق عليه – خطأ – اسم التصوف الفلسفي”، والمستند إلى مفاهيم أجنبية “كالحلول والاتحاد ووحدة الوجود”، والذي لا يلتزم بالضبط الشرعي للاعتقاد والسلوك الصوفي، يلزم منه تكريس ثنائية الاستكبار- والاستضعاف.

خطأ اسم “التصوف الفلسفي”: غير أن تسمية التصوف البدعي بالتصوف الفلسفي خاطئة لعدة أسباب أهمها:أولا: أن هذا الاسم قائم على افتراض مضمونه أن مصدر هذه المفاهيم والعقائد الاجنبيه (الحلول والاتحاد ووحدة الوجود) هو الفلسفة ، وهو افتراض خاطئ ، لان المصدر الاساسى لهذه المفاهيم هو بعض الديانات الشرقية القديمة- الوثنية- (كالهندوسيه) والفلسفات. ثانيا: أن هذا الاسم يوحى بالتعارض المطلق بين الفلسفة والتصوف، بينما هناك مذاهب فلسفية تتعارض مع التصوف ، وكما أن هناك مذاهب فلسفية تتفق مع التصوف.ثالثا:أن هذا الاسم يستند إلى افتراض “خاطئ” ، مضمونه إجماع علماء أهل السنة ” بمذاهبهم الفقهية والاعتقادية المتعددة ” على تحريم الفلسفة بكل دلالاتها ، اى أنهم اتفقوا على الرفض المطلق للفلسفة بكل دلالاتها. ووجه الخطأ في هذا الافتراض أن علماء أهل السنة لم يتخذوا موقف واحد من الفلسفة ، بل اتخذوا موقفين منها هما :أولا: موقف الرفض المطلق: اى الرفض المطلق للفلسفة بكل دلالاتها. ثانيا: موقف الأخذ والرد “الموقف النقدي” (الجمع بين المنع والإيجاب) ، والقائم على افتراض مضمونه أنه ليس هناك تعارض مطلق” دائم” بين الإسلام كدين والفلسفة بصورة عامة ،والفلسفة اليونانية بصورة خاصة ، بل هناك أوجه اتفاق وأوجه اختلاف، وفي حالة الاختلاف يكون الرد و الرفض” اى المنع بدرجاته من كراهة أو تحريم حسب درجه الاختلاف ،والمفسدة التي تلزم من الآخذ به ، وفي حالة الاتفاق يكون الأخذ والقبول” اى الإيجاب بدرجاته من أباحه أو ندب أو وجوب… حسب درجه الاتفاق، والضرورة وهذا الموقف هو الموقف الحقيقي، للعديد من أعلام علماء أهل السنة ، طبقا لمذاهبهم المتعددة ومنهم ا/ الإمام ابن تيمية “المذهب الحنبلي”(الذى قسمها الى الهيات- اى الميتافيزيقا اليونانية- "مرفوضه" ، وطبيعيات "تاخذ فى حال فصلها عن الإلهيات"،ورياضات يجب على المسلمين اخذها لانها مفيده لعلوم كالتركه والميراث"، ب/ الإمام الغزالي”المذهب الاشعرى”(الذى قسمها الى ما تعارض مع اصول الدين لفظا ومعنى "فتحرم"، وتعارض معها لفظا لا معنى "فتبدع"، وما اتفق معها لفظا ومعنى "فتقبل") ج/ الإمام ابن حزم”مذهب أهل الظاهر” ، حيث يرى أن الفلسفة تتفق مع الدين في الغاية (إصلاح النفس)، (الفصل في الملل والنحل، ج1، طبعة القاهرة، 1317هـ(.

محاولة إحياء التصوف الحنبلى كجزء من التصوف السنى : ويرتبط بانطلاق التصوف الاستخلافي- وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له - من التصوف السنى،محاوله إحياء التصوف الحنبلى ، ليس باعتباره كل قائم بذاته ،ولكن للاعتباره جزء من كل هو التصوف السني. ويأتي ذلك الأحياء فى سياق تقليل الخلاف المذهبى،وتشجيع الحوار بين المذاهب الاسلاميه، ومن موجباته تحقيق الوحدة الإسلامية "التكليفية"،والتى مضمونها الاتفاق على أصول الدين اليقينية الورود القطعية الدلالة، مع تضييق نطاق الاختلاف في فروعه الظنية الورود والدلالة ما امكن .


تعريف بالتصوف الحنبلى: هو أحد مذاهب التصوف الاسلامى "السنى"، الذى يستند عقديا وفقهيا الى المذهب الحنبلى، والذى ظهر فى مرحلة معينه من مراحل التاريخ الاسلامى ، لكن لم تكتب له الاستمرارية - خلافا لمذاهب اخرى فى التصوف الاسلامى "السنى" - نتيجة لأسباب متعدده، أهمها تنامي الخلاف المذهبى بين مذهبين من مذاهب أهل السنة ، هما المذهب الحنبلي والمذهب الأشعري" .

تأريخ الامام ابن تيميه للتصوف الحنبلى"تصوف اهل الحديث": وقد قام الامام ابن تيميه بالتأريخ للتصوف الحنبلى، الذى اطلق عليه اسم تصوف اهل الحديث، حيث يشير الى ان العديد من شيوخ الصوفيه منذ القرن الثانى الهجرى على مذهب اهل السنه والجماعه ومذهب اهل الحديث، فيقول في كتابه ‘الصفدية‘(الشيوخ الأكابر -الذين ذكرهم أبو عبد الرحمن السُّلَمي في ‘طبقات الصوفية‘ وأبو القاسم القُشيري في ‘الرسالة‘- كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل الحديث... وكلامهم موجود في السنة وصنفوا فيها الكتب)(ص171)،كما يقوم بتصنيف الصوفيه طبقا لمنطلقاتهم الفكريه،ويشير فى هذا السياق الى صوفيه اهل الحديث( ... فصارت المتصوفة تارةً على طريقة صوفية أهل الحديث وهم خيارُهم وأعلامهم، وتارةً على اعتقاد صوفية أهل الكلام"اى الاشاعره" فهؤلاء دونهم...)(172(.

أشكال التصوف الحنبلي : وباخذ التصوف الحنبلى أشكال متعددة منها:

انتماء بعض أعلام المذهب الحنبلى للتصوف: حيث تشير الكثير من المصادر و المراجع (الحنبلية قبل غيرها ) الى انتماء بعض أئمة المذهب الحنبلي للتصوف او تاثرهم به (الدكتور خالد كبير علال / الحركة العلمية الحنبلية و أثرها في المشرق الإسلامي / رسالة الدكتوراه- محمد الصياد/ اندماج الصوفية والمحدّثين والفقهاء/ موقع الجزيرة - فقهاء الحنابلة سلكوا التصوف/ منتدى السادة الرفاعية فى فلسطين /غزة(.

إقرار أئمة المذهب الحنبلى مرورهم بتجارب روحيه : منهم الإمام ابن الجوزى فى كتاب " صيد الخاطر"، والإمام الهروى فى كتابه "منازل السائرين " والامام ابن القيم فى كتابه" مدارج السالكين" – وهو شرح للكتاب السابق- والإمام ابن تيمية فى العديد من الاقوال المنقولة عنه بواسطة تلميذه ابن القيم .

الثناء على اعلام التصوف المنضبط بالشرع: فنطالع على سبيل المثال لا الحصر - الامام الذهبيّ يثنى على عدد كبير من أعلام التصوف المنضبط بالشرع، فيصف - في ‘تاريخ الإسلام‘-أبا البقاء التَّفْليسي الصوفي بأنه (كان صوفيا جليلا معظما نبيلا، له معرفة بالفقه والأصول والعربية والأخبار والشعر والسلوك، وكان صاحب رياضات ومجاهدات(.

اقرارعلماء المذهب الحنبلى بجمع العديد من الشيوخ بين المذهب الحنبلى والتصوف:
ينقل ابن رجب شهادة ابن تيمية بإمامة الهروي في التصوف والحديث(وقال شيخ الإسلام أبو العباس (= ابن تيمية) في كتاب ‘الأجوبة المصرية‘: شيخُ الإسلام (= الهروي) مشهور معظَّم عند الناس، هو إمام في الحديث والتصوف والتفسير، وهو في الفقه على مذهب أهل الحديث، يعظِّم [الإماميْن] الشافعيَّ وأحمدَ(.

الموقف الحقيقى لأئمة المذهب الحنبلي من التصوف يتجاوز موقفي الرفض و القبول المطلقين الى الموقف التقويمي: فالموقف الحقيقى لأئمة المذهب الحنبلي من التصوف يتجاوز موقفى الرفض و القبول المطلقين، الى الموقف التقويمي" النقدى باصطلاح الفلسفه الغربيه "، الذى مضمونه أخذ الايجابيات"على مستوى الفروع" وما اتسق مع اصول الدين النصيه الثابتة"على مستوى الأصول"، ورفض السلبيات وما تناقض مع هذه الأصول . – وهو الموقف الذى دعي منهج التفكير الاسلامى إلى الالتزام به، بعد تقييده بمعايير موضوعيه مطلقه ، هي النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، كقوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)،ينقل القرطبى فى تفسيره عن ابن عباس: (هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن القبيح فلا يتحدث به( .

الإمام أحمد بن حنبل : رغم اعتراضه على العديد من سلوكيات الصوفية فى عصره، لكن فى ذات الوقت ينقل عنه وصف الصوفية بأوصاف ايجابيه، حيث نجد في الجزء الثاني من طبقات الحنابلة للقاضي محمد بن أبي يعلي، مقدمة الشيخ أبي محمد بن تميم النبلي ، في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل (… وكان يعظم الصوفية ويكرمهم وقال وقد سئل عنهم وقيل له يجلسون في المساجد فقال: العلم أجلسهم). و نقل إبراهيم القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية :لا أعلم أقواما أفضل منهم،قيل : إنهم يستمعون ويتواجدون، قال : دعوهم يفرحوا مع الله ساعة (الفروع لإبن مفلح المقدسي الحنبلي ، ج 3 ، ص، 152دار إحياء التراث العربي، ونقلها عنه البهوتي كشاف القناع(.

الامام ابن تيميه : هناك الكثير من النصوص التى توضح ان الموقف الحقيقى لابن تيميه من التصوف الموقف التقويمي"النقدى "- و ليس الرفض المطلق – حيث قسمهم الى اقسام متعدده- وهذا يعنى تعدد المواقف منهم - ، فيقول ( ...و ” الصواب ” أنهم- اى الصوفيه- مجتهدون في طاعة اللّه، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة اللّه، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين....ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه ...)(مجموع الفتاوى ج 11، ص5) ، ويقول (وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة؛ ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم … فَهَذَا أَصْلُ التَّصَوُّفِ . ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَشَعَّبَ وَتَنَوَّعَ وَصَارَتْ الصُّوفِيَّةُ ” ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ –1 صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ 2 – وَصُوفِيَّةُ الأَرْزَاقِ 3 – وَصُوفِيَّةُ الرَّسْمِ . )(مجموع الفتاوى، ج14 ، ص176 (

الامام ابن القيم : كما أنه الموقف الحقيقي لابن القيم الذي يقول “(فاعلم إن في لسان القوم من الاستعارات ...ما ليس على لسان أحد من الطوائف غيرهم ... وصار هذا سبباً لفتنة طائفتين: طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم فبدعوهم وظلموهم. والطائفة الثانية حجبوا بما رأوه من محاسن القوم ...عن رؤية شطحاتهم ونقصانها فسحبوا عليها زيل المحاسن وأجروا حكم القبول وهؤلاء أيضاً معتدون مفرطون.والطائفة الثالثة: وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم ...بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد)(مدارج السالكين، ج3، ص39( .

الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما ان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رغم ما هو معروف من حمله على كثير من عقائد وسلوكيات الصوفية ، فان بعض النصوص المنقولة عنه تتضمن إشارات إلى جوانب ايجابيه عند الصوفية ، ففي القسم الثالث من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء (فتاوى ومسائل) قام بجمعها الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم ومحمد عبد الرازق الدويسي والصفحة رقم (31) المسألة الخامسة “اعلم أرشدك الله – أن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي هو العلم النافع ودين الحق الذي العمل الصالح إذا كان من ينسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ومنهم من يتعانى بالعبادة طلب الآخرة كالصوفية. وبعث الله بنبيه بهذا الدين الجامع للنوعين) . وفي (ملحق المصنفات) “هذه مسألة” صفحة (124) قال ” فنفس محبته أصل عبادته والشرك فيها أصل الشرك في عبادته ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيراً بمتابعة العلم قال بعضهم “ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه”.

أبعاد الوجود الانسانى :ينطلق التصوف الاستخلافى- وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له - من تصور اسلامى للوجود الانسانى ، مضمونه أن الوجود الانسانى وجود مركب وليس وجود بسيط ، فهو ذو أبعاد متعددة، وانه يجب الإقرار بالقيمة المتساوية لهذه الأبعاد المتعددة . ويرفض التطرف في التأكيد على بعض أبعاد الوجود الانسانى ، لدرجه إلغاء أبعاده الأخرى .

الأبعاد السلبية والايجابية للوجود الانسانى: فالبعد السلبي للوجود الانسانى " التحرر من القيود المفروضة على مقدرة الإنسان على الترقي"، لا يلغي البعد الايجابي له " ذات المقدرة على الترقى"، فكلاهما متساويان في القيمة، وأولوية البعد الأول على البعد الثاني أولوية ترتيب وليست أولوية تفضيل. وبالتالى لا يجوز التطرف في التأكيد على البعد الأول ، لدرجه إلغاء البعد الثاني،ومن اشكاله الغاء ضوابط الترقى الروحى التكليفية "بالقول بسقوط التكاليف"، والتكوينية" بالقول بخرق العادة المطردة "،كما فى التصوف البدعي .

الأبعاد الروحية والمادية: والبعد الروحي للوجود الانسانى ” الترقي الروحي اى إشباع الحاجات الروحية ” ، لا يلغى البعد المادي له “الترقى المادي اى إشباع الحاجات المادية ” ، بل يحدده كما يحدد الكل الجزء فيكمله وبغنية، وأولوية البعد الأول على الثانى أولوية قيمة –نسبيه –وليست اولويه وجودية-مطلقة – وبالتالي لا يجوز التطرف في تأكيد البعد الأول ، لدرجه إلغاء البعد الثاني، كما فى التصوف البدعي.

الأبعاد الذاتية والموضوعية: كما أن البعد الذاتي للوجود الانسانى ” تصور الذات للغايات”، لا يلغى البعد الموضوعي له ” لفعل اللازم لتحقيق الغايات “، فالعلاقة بينهما لا تخرج عن إطار جدل المعرفة من الموضوعي (المشكلة التي يطرحها الواقع) إلى الذاتي (الحل الذهني) إلى موضوعي مره أخرى من اجل تغييره (تنفيذ الحل في الواقع بالعمل). وبالتالى لا يجوز التطرف في التأكيد على البعد الأول لدرجه إلغاء البعد الثاني ، ومن اشكاله السقوط في هوه الذاتية المطلقة المتمثلة فى التصور الهرمي للمعرفة ( الانتقال من الموضوعي إلى الذاتي بدون رجوع الى الموضوعي مره اخرى من اجل تغيير بالعمل والمأخوذ من الفلسفة الأفلاطونية) كبديل للتصور الجدلي للمعرفة(من الموضوعي إلى الذاتي إلى الموضوعي )، كما فى التصوف البدعى


الأبعاد الفردية والجماعية: كما ان البعد الفردي للوجود الانسانى ” الترقي الفردي:اى حل المشاكل الخاصة” لا يلغى البعد الجماعي له ” الترقي الاجتماعي: اى حل المشاكل العامة”. فالجماعة بالنسبة للفرد كالكل بالنسبة للجزء تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه . وبالتالى لا يجوز التطرف في التأكيد على البعد الأول لدرجه إلغاء البعد الثاني وهو ما يتضح من قوله بالعزلة والخلوة المستمرة ، وكذلك التصور النخبوي التقسيم الثلاثي"عامة وخاصة وخاصة الخاصة"،باعتباره تقسيم طبقى مغلق "وراثى"، معزول عن المجتمع ،وشكل من أشكال استغلاله ، كبديل للتصور الطليعى لهذا التقسيم باعتباره تقسم درجى مفتوح " كسبى"، كطليعه لتغيير المجتمع بالاقتداء.

الضبط الشرعى لمفهوم “الأحوال والمقامات “: ويقوم التصوف الاستخلافي –وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له- على الضبط الشرعي لمفهوم"الأحوال والمقامات" ،الذي أشار إليه أعلام التصوف الاسلامى من خلال: أولا: اعتبار أن الأحوال والمقامات هى درجات "مراحل"الترقي الروحي للإنسان، الذى ينبغي ان يقيد تكليفيا" بالوحي"، و تكوينيا"بالسنن الالهيه"، ونستند في ذلك إلى تقرير القرآن أن الوجود الإنساني ينبغي أن يكون في صعود دائم عبر درجات كما في قوله تعالى ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾. و أوجه الاختلاف بين الأحوال والمقامات،أن الأحوال تمثل الدرجات الذاتية لهذا الترقي الروحي ، متمثلة في الأنماط الانفعالية والمعرفية ، التي تجئ كمحصلة لالتزام الإنسان بمجموعة من القواعد، التي تحدد للإنسان ما ينبغي أن يكون عليه وجدانه وتفكيره. بينما المقامات تمثل درجات هذا الترقي الروحي الموضوعية، متمثلة في الأنماط السلوكية، التي تجئ كمحصله لالتزام الإنسان بمجموعة القواعد ، التي تحدد له ما ينبغي أن يكون عليه سلوكه. ثانيا: رفض تصور التصوف البدعى للأحوال والمقامات ، والقائم على أن لهذا الترقي الروحي نهاية هي الوصول إلى الله تعالى- فى الحياه الدنيا - " بالحلول أو الاتحاد او الوحدة " ، وان كل درجة من درجات هذا الترقي الروحي تنعدم بالانتقال إلى درجة أعلى ، لأنه يتعارض مع العقيدة الإسلامية ،والاخذ بتصور للأحوال والمقامات – يقارب تصور التصوف السني لها – مضمونه انه ليس للترقي الروحي للإنسان نهاية ، وأن كل درجة من درجات هذا الترقي الروحي لا تنعدم بالانتقال إلى درجة اعلي ، وهنا نستأنس بقول الإمام ابن القيم (اعلم أن ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام ويفارقه وينتقل منه إلى التالي بعده ، كمنازل السير الحسي، وإنما هذا الترتيب ترتيب المشروط المتوقف على شرط المصاحب له )( مدارج السالكين: ج1/ ص108 -109 ).

نموذج للضبط الشرعى للأحوال والمقامات عند الامام ابن القيم:

اولا: المقامات: التوبة: عرفها بأنها ( ... الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل)( مدارج السالكين: 1/ ذ44) . ثم بين شروط التوبة النصوح (الأول: تعميم جميع الذنوب… والثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها… والثالث :تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ) (مدارج السالكين:1/ 138)... الانابه: عرفها بأنها ( عكوف القلب على الله ... وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته، وذكره بالإجلال والتعظيم وعكوف الجوارح على طاعته... )( مدارج السالكين: 1/ 328). ثم قسمها إلى عده أقسام ( والناس في إنابتهم إلى الله إلى درجات عدة : فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات ...وهذه الانابه مصدرها مطالعه الوعيد …ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات …وهذه الإنابة مصدرها الرجاء ومطالعة الوعد.. ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاء… ومصدر هذه الانابه شهود الفضل والمنه..)( طريق الهجرتين: ص 313- 314).ثم يرى أن أعلى أنواع الانابات انابه الروح لخالقها سبحانه(طريق الهجرتين: ص 314)...الزهد: أورد أقوال العلماء في تعريفه ، وأشار إلى تعريف الامام ابن تيميه له بأنه" ترك ما لا ينفع في الاخره". ثم أشار إلى أقسامه (أحدهما فرض على كل مسلم وهو الزهد في الحرام .. الثاني: زهد مستحب وهو الزهد في المكروه وفضول المباحات… الثالث : زهد الداخلين في هذا الشأن وهم المشمرون في السير إلى الله ، وهو نوعان: أحدهما الزهد في الدنيا جمله وليس تخليها من اليد ...وإنما المراد إخراجها من القلب بالكلية …النوع الثاني: الزهد في نفسك ... وهو نوعان أحدهما وسيله وبدايه : وهى أن تميتها فلا يبقى بها عندك من القدر شي، فلا تغضب لها ولا ترضى لها ولا تنتصر لها ولا تنتقم لها …..وهذا وان كان ذبحا لها واماته عن طباعها وأخلاقها فهو عين حياتها وصحتها.. النوع الثاني : غاية وكمال : وهو ان يبذلها للمحبوب جمله... بل يزهد فيها زهد المحب في قدر خسيس من ماله، قد تعلقت رغبه محبوبة به) (طريق الهجرتين :ص 453 – 458 )... الاستقامة: عرفها بأنها (... القيام بن يدى الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد …)( المدارج: 2/ 80 ). وبين الطرق الموصلة إليها ( ...احدهما :حراسه الخواطر وحفظها والحذر من إهمالها والاسترسال معها.. الثاني :صدق التأهب للقاء الله عز وجل)....التوكل: بين شروطه ( 1- المعرفة بالرب وصفاته… 2- ...الأخذ بالأسباب مع عدم الركون إليها… 3- رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل… 4- اعتماد القلب على الله … 5- حسن الظن بالله…. 6- استسلام القلب له …7- التفويض… 8- الرضا بالقدر…) ( مدارج السالكين 2/ 90-94).... الصبر: عرفه بأنه ( حبس النفس عن الجزع والتسخط ، وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش) ( مدارج السالكين : 2/119)،كما قسم الصبر إلى أقسام متعددة هي: 1/ صبر بالله وهو الاستعانة به سبحانه ( ... وما صبرك الا بالله)…2/ صبر لله : أن يكون الباعث على الصبر محبة الله وإرادة وجهه …3/ صبر مع الله: دوران العبد مع مراد الله الديني- اى التكليفي- منه : وهو ثلاثة أقسام ا/ صبر على الأوامر والطاعات،ب/ وصبر عن المناهى والمعاصي،ج/ صبر على المحن والمصائب). ولكنه يقرر ان كف اللسان عن الشكوى من لوازم الصبر، إلا انه قال انه لا يقدح في الصبر( إخبار المخلوق بالحال للاستعانة بإرشاده ، أو معاونته للتوصل إلى زوال ضرره : كاخبار الطبيب بشكايته ،وإخبار المظلوم من ينتصر به لحاله..)( عده الصابرين : ص 270)...الصدق:كما أشار إلى مقام الصبر فقال " منزله القوم الأعظم ، الذي منه نشا جميع منازل السالكين "... الذكر:كما أشار إلى مقام الذكر فقال ( الذكر منشور الولاية الذى من أعطيه اتصل ومن منعه عزل), كما بين أقسامه فقال (…القسم الأول: ذكر أسماء الرب تبارك وتعالى وصفاته ...وهذا القسم نوعان: الأول: إنشاء الثناء عليه من الذاكر …الثاني الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته ،وأفضل هذا النوع الثناء عليه بما اثنى عليه الله تعالى نفسه، وبما اثنى عليه رسوله (صلى الله عليه وسلم) – اى الذكر بالماثور- ….القسم الثاني : ذكر أمره ونهيه وإحكامه وهى نوعان : ذكره بذلك إخبارا عنه بأنه امر بكذا.. وذكره عند امره فيبادر إليه ،وعند نهيه فيهرب منه ..)(الوابل الصيب: ص 178- 181).

ثانيا:الأحوال:الرجاء : عرفه بأنه ( حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب - وهو الله- والدار الاخره ويطيب لها السير….)( مدارج السالكين : 2/ 27 ). كما أشار إلى أن الفرق بينه وبين التمني ، أن الاخير يكون مع الكسل... والاول يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل )( المصدر السابق: نفس المكان). كما أشار إلى ضرورة الجمع بين الرجاء والخوف فقال ( القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزله الطائر، فالمحبة رأسه ، والخوف والرجاء جناحاه... )(مدارج السالكين: 1/ 390(...الخوف: ميز بين الوجل والخوف والخشبة والرهبة (.. فالخوف حركه ، والخشية انجماع وانقباض وسكون ، أما الرهبة فهي إمعان في الهرب من المكروه ، أما الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه….أما الهيبة فخوف مقارن للتعظيم والاجلال… والاجلال تعظيم مقرون بالحب…..)، اتساقا مع هذا التمييز قرر ان " الخوف لعامه المؤمنين ، والخشية للعلماء ، والهيبة للمحبين، والاجلال للمقربين" ( مدارج السالكين: 1/ 386 -387)....المحبة: وأشار إلى لوازم المحبة وهى:1- توحيد الله وإفراده بجميع أنواع العبادة… 2- موافقة الله في إتباع ما يأمر به واجتناب ما ينهى عنه… 3- محبه القران الكريم …المراقبة: عرفها بانها ( دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى ظاهره وباطنه… و التعبد بأسمائه الرقيب والحفيظ والعليم والسميع والبصير ، فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة)( مدارج السالكين : 2/ 49 – 50)...الإخلاص: عرفه بأنه (إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة…) ،وأشار إلى أفاته (... رؤيته وملاحظته .. وطلب العوض عنه ..ورضاه به وسكونه اليه .). وقرر ان علاج الاولى ( مشاهدته لمنه الله عليه وفضله وتوفيقه له.. )وعلاج الثانيه (علمه بأنه عبد محض..)، وعلاج الثالثه(..أمرين: أحدهما مطالعه عيوبه وآفاته.. الثاني: علمه بما يستحقه الرب من حقوق العبودية.. )( مدارج السالكين 2/ 70- 72).

ضبط شرعي لبعض المصطلحات الصوفية فى التصوف الاستخلافي- وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له : الهاجس او الخاطرالاول: امكانيه نفسيه ” ذاتيه ”، قابله للارتقاء الى تحقق نفسى، ثم توجه ذاتى لفعل موضوعى “هو مضمون الترقي الروحي”. ولابد من ضوابط موضوعيه مطلقه لهذا لهذا الارتقاء”، وهى مفاهيم وقيم وقواعد الوحى الكليه...الاراده:فى علم النفس هى نزوع ذاتي للفعل الموضوعى، اما فى علم الترقى الروحى”التصوف”فهو نزوع ذاتي لفعل موضوعى معين “هو الترقي الروحي”....المريد: هو الشخص الذي لديه نزوع للترقى الروحى،ويدل المصطلح على ان هذا الترقى الروحى التزام ذاتي وليس الزام موضوعى، اى اختيارى وليس اجبارى...الشطح:عباره يدل ظاهرها على معنى يخالف الدين وتصوره- الصحيح- للعلاقة بين الوجود الإنساني المحدود ،والوجود الإلهي المطلق ، وقد تكون علة الشطح التصور البدعى لهذه العلاقه، والمستند الى مفاهيم اجنبيه ” الحلول والاتحاد ووحده الوجود” , والذي يلزم منه توهم ان الاتصال الروحى بينهما ، يتضمن إمكانية الخلط او الدمج بينهما. وهنا يجب الرد عليه. كما قد تكون على الشطح شده الوجود الروحي الى درجة عدم تقيدها بضوابطه الموضوعيه” العقليه والنقليه”، والتى يلزم منها توهم انه – اى الترقي الروحي- توحد وجودى “موضوعى”، وليس توحد نفسى “ذاتى” وهنا يجب تأويل هذه العبارة الى معنى لا يتعارض مع الدين...القبض: انفعال نفسى سلبى ،علته شعور الذات ” الواعى او غير الواعي” بعدم اشباعها لحاجاتها الروحية ، او تناقضها مع بعدها الروحي...البسط: انفعال نفسي ايجابى، علته شعور الذات باشباعها لحاجاتها الروحية ، او اتساقها مع بعدها الروحي...الهيبه: أثر الشهود الصفاتى – وليس الذاتى كما فى التصوف البدعي- للجلال الالهى المتصل بصفات الربوبية ، التى مضمونها ما دل على كونه تعالى الفاعل المطلق...الانس: اثر الشهود الصفاتى – وليس الذاتى” للجمال الالهى، المتصل بصفات الالوهيه،التى مضمونها ما دل على كونه تعالى غاية مطلقة “...الوجد ” الروحى” : الوجد والوجدان بشكل عام شكل من أشكال الحب، الذى مضمونه توحد نفسى “ذاتى” ، وليس توحد وجودى- “موضوعي” ، اى ميل أو انجذاب بين وجودين مستقلين ، وليس تحولهما الى وجود واحد. فبالتالي فان الوجد الروحى هو توحد نفسى “ذاتى” بين الوجودين الانسانى ” المحدود” والالهى”المطلق”, وان ما يترتب عليه هو القرب بالمفهوم الشرعي”واسجد واقترب” اى الظهور الصفاتى المقيد ” حيث أن الظهور الذاتي مقصور على الآخرة” . ولم يقرر ان الحب الالهى هو توحد ” موضوعي ” بين الوجودين الانسانى والالهى إلا أنصار التصوف البدعي (القائم على مفاهيم أجنبية كالحلول والاتحاد ووحده الوجود)...التواجد: ادعاء الوجد الروحى. فهو توافر مظاهر الوجد الروحى الظاهرية – الخارجية “الموضوعية” ، دون توافر الانفعال “الذاتي “....الجمع:الاتصال الروحي بين الوجود الإنساني المحدود والوجود الإلهي المطلق. وهو قائم على الارتباط – وليس الدمج والخلط بينهما – كما فى التصوف البدعي القائم على المفاهيم الأجنبية “الحلول والاتحاد ووحدة الوجود”–...الفرق:هو التمييز بين الوجود الإلهي المطلق والانسانى المقيد ، وليس الفصل بينهما، لأنه يلزم منه الثنويه، اى القول بوجود وجودين مطلقين...الفناء:تحديد الوجود الإلهي ” المطلق” للوجود الإنساني “المحدود”: تكوينيا بالسنن الالهيه ، وتكليفيا بمفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية. وليس إلغاء الاول للثانى – كما فى التصوف البدعي...الغيبة:غياب الوعى عن إدراك الواقع الموضوعى، نتيجه استغراقه”الذاتى ” فى العبادة ، وهوغياب نسبي” جزئى / مؤقت”، وليس غياب مطل” كلي / دائم”.]...الحضور: هو إدراك الوعي للواقع الموضوعي....المحو: الغاء الوجود الإنساني باعتباره وجود قائم بذاته ومستقل – بصوره مطلقه تتضمن الاستغناء– عن الوجود الالهى...الاثبات: اثبات الوجود الإنساني باعتباره وجود قائم بالوجود الإلهي” اى وجود محدود”....القرب: هو الترقي الروحي” او الكدح الى الله بالتعبير القرآنى” ،وهو مستمر وليست له نهاية فى الحياة الدنيا ، كما يعتقد أنصار التصوف البدعي....البعد: وهو نقيض الترقي الروحى، فهو الارتداد الروحى....الشريعة: يدل المصطلح فى علم الترقى الروحى”علم التصوف” على البعد التكليفى للترقى الروحى، اى مفاهيم وقيم وقواعد الوحى الكليه كضوابط موضوعية له...الحقيقه: يدل المصطلح فى علم الترقى الروحى على البعد التكويني للترقى الروحى، اى السنن الالهيه التى تضبط حركته....العلاقة بين المصطلحين:والشريعة تحدد الحقيقه، كما يحدد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ، ولكن لايلغيه... القلب : ورد فى القرآن بدلالات متعدده، وميز الصوفية بين دلالته على الجسم الصنوبرى الشكل ، الموجود فى صدر الانسان، ودلالته على لطيفه روحانيه وهى المقصودة لديهم ، وفى علم النفس هو تعبير عن المستوى الانفعالى العاطفي للبعد الذاتى الواعى للوجود الانسانى، ويتكون من نسق من الانفعالات المتقابلة (فرح / حزن- حب/ كراهية..).. وتشكك اغلب اتجاهات العلم الحديث فى مقولة أرسطو ان القلب هو مركز الحس المشترك – اى الذى يحتاج الى اكثر من حاسه- والتي استند اليها انصار مذهب اعتبار القلب وسيلة ومصدر للمعرفه،فى كل الثقافات فى كل زمان – ومنها الثقافة الإسلامية- ويقرر العلم الحديث يصوره شبه مجمع عليها ان مراكز كل الحواس موجودة فى المخ.وقد أضعفت عمليات نقل القلب حجج أنصار هذا المذهب بصورة كبيرة جدا دون ان تقضى على المذهب نهائيا. وفى كل الأحوال يجب تقرير العلاقة التكاملية بين كل أجهزة الجسم الانسانى ومنها الجهاز العصبي – المرتبط بالمعرفة- والجهاز الدموى ومركزه القلب.
النفس:ورد فى القرآن بدلالات متعددة ومنها الإنسان ككل ، والبعد الذاتي للوجود الانسانى… وفى علم النفس المعاصر هي المستوى الذاتي للوجود الانسانى المتضمن لمستويين: مستوى انفعالي عاطفى، ومستوى عقلانى يتضمن ملكات التذكر التخيل والادراك...الروح: ورد فى القران بدلالات متعددة ويدل فى علم الترقى الروحى – طبقا للتصوف الاستخلافي – على تحديد الوجود الإنساني – بما هو فعل غائى- بفعل مطلق” هو مضمون الربوبية “، وغايه مطلقه” هى مضمون الألوهية “.....السر: لغه اخفاء امر عن الغير، وفي علم النفس هو العقل الباطن، بما هو ذات العقل الظاهر، لكن فى حالة توقف الحواس ” الجزئى” عن القيام بوظائفها فى الإدراك الحسي للواقع الموضوعي. ونرى أنه فى علم الترقى الروحى اخفاء البعد الذاتي للترقى الروحى ، ممثلا فى الاتصال الروحي بين الوجود الإنساني والالهى، بما هو ارتباط بدون دمج او خلط ، ويتضمن العبادات وخاصه ما اوجب او ندب الشرع ان تكون سرا ، ودون العبادات التى اوجب او ندب الشرع ان تكون جهر, وهنا نرفض دلاله المصطلح على معنى ان العلاقه بين الوجودين علاقه حلول او اتحاد او وحده كما فى التصوف البدعى .

الضبط الشرعي لمفهوم الحب الالهى: كما يقوم التصوف الاستخلافي – وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له – على الضبط الشرعى لمفهوم الحب الالهى . فحب الله تعالى – الذي عبر عنه الصوفية بمصطلحات “الجذب او الحب او العشق... الالهى”- هو احد أنماط الحب”الانسانى” المتعددة وأعلاها درجة. وقد أشارت إليه العديد من النصوص ومنها قوله تعالى(… فسَوْفَ يَأْتي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ … ). والحب الإلهي يختلف عن الأنماط الأخرى للحب الإنساني فى كون موضوعه الخالق وليس المخلوق. وهو مرتبط بالغائية التي مضمونها اتخاذ الله تعالى وحده غاية مطلقة ، واتخاذ صفات الوهيته ” ما دل على كونه تعالى غايه مطلقه ” قيم – مثل عليا – مطلقة يسعى الإنسان لتحقيقها في الأرض ” اى في واقعة المحدود زمانا ومكانا”، دون ان تتوفر له إمكانية التحقيق النهائي لها – لذا تمد الذات بإمكانيات غير محدوده للترقى الروحى – ولا يكون ذلك بإلغاء تصور الإنسان للقيم – للمثل العليا- المحدودة زمانا ومكانا، بل بتحديده باتخاذ مقتضى صفات الألوهية ضوابط موضوعية – مطلقة له . وهى متضمنه فى قاعده “احصاء اسماء الله الحسنى” ، التى اشارت اليها النصوص، كقوله (صلى الله عليه وسلم) (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ(، والمقصود باحصائها معرفتها – على المستوى المعرفى “الذاتى ” – والعمل بمقتضاها -على المستوى السلوكى” الموضوعى”- ينقل ابن حجر في الفتح (…ولكن معنى ذلك: أولاً: الإحاطة بها لفظاً. ثانياً: فهمها معناها. ثالثاً: العمل بمقتضاها). غير انه يجب التمييز بين كيفيتان لإحصاء أسماء الله الحسنى،استنادا الى التمييز بين اظهار صفات الالوهية وإظهار صفات الربوبية ، الكيفية موضوع البحث هنا العمل بمقتضى صفات الألوهية ، على الوجه المشار اليه اعلاه ، يقول ابن القيم: (لما كان سبحانه يحبّ أسماءه وصفاته: كان أحبّ الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها، وأبغضهم إليه: من اتصف بالصفات التي يكرهها…وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر، فإنّها لا تنافي العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها من العبيد لم يتعد طوره، ولم يخرج بها من دائرة العبودية)(طريق الهجرتين: ج1/ ص219 ). والحب الالهى اى حب الله تعالى لا يلغى الأنماط الأخرى للحب الانسانى، بل يحدده كما يحدد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، بدليل اشاره النصوص إلى الأنماط المتعددة للحب الانسانى،والنصوص لم تنكر هذه الأنماط المتعددة للحب- لأنها ميل طبيعي – ولكنها أنكرت تقديمها على الحب الالهى، قال تعالى(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ … أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(.

الضبط الشرعي لمراتب الولاية: كما يقوم التصوف الاستخلافي – وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له – على الضبط الشرعى لمفهوم الولاية . فقد اثبت أهل السنة بمذاهبهم المتعددة الولاية استنادا إلى ثبوتها بنصوص يقينية الورود قطعيه الدلالة كقوله تعالى ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ، لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (يونس:62-64 )، يقول ابن تيميه ( ومن أصول أهل السنة : التصديق بكرامات الأولياء …)( مجموع الفتاوى : ج3/ ص156 ). واختار الفكر الصوفي الاسلامى بيان مراتب هذه الولاية ودرجاتها،وعبر عن هذه المراتب بمصطلحات كالأقطاب والابدال والاوتاد والنقباء والنجباء … غير أن إثبات أو نفى هذه المراتب ، ظل محل خلاف في الفكر الاسلامى بين مذاهب متعددة:

اولا:مذهب الإثبات: فهناك المذهب الذي يثبت هذه المراتب والدرجات، استدلالا ببعض النصوص، واحتجاجا بأقوال بعض العلماء، كما يفصل هذه المرتب و الدرجات ويبين خصائصها :فقد استدل هذا المذهب ببعض النصوص، ومنها : روى الطبراني في الأوسط عن انس (رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن , فيهم يسقون , وبهم ينصرون , ما مات منهم احد الا أبدل الله مكانه آخر) ( قال الحافظ ابو الحسن الهيثمى في" مجمع الزوائد " إسناده حسن(.

ثانيا:مذهب النفي : وهناك المذهب الذي ينفى هذه المراتب والدرجات ، ويرى أنها لا أصل لها في الشرع ، وأنها تستند إلى مفاهيم بدعية ( كالحلول والاتحاد ووحده الوجود ) ،كما يستند هذا المذهب إلى تشكيك بعض علماء أهل السنة فى صحه النصوص الواردة فيها .


ثالثا: مذهب الإثبات المقيد: وهو المذهب الذى يتسق مع التصوف الاستخلافي – وكذا مفهوم الطريقه طبقا لتعريفه له – ومضمونه الاستناد الى موقف يتجاوز موقفي الإثبات المطلق والنفي المطلق ، ويلتزم بموقف قائم على إثبات هذه المراتب والدرجات ، في حال اتساقها – أو عدم تعارضها- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية ، ونفى هذه المراتب والدرجات في حال تعارضها مع هذه المفاهيم والقيم والقواعد .

من الإجمال إلى التفصيل : فهذا الموقف يتجاوز مذهب الإجمال اى المذهب الذي يضع حكما كليا بالرفض أو القبول لهذه المراتب والدرجات، إلى المذهب التفصيل اى المذهب الذي يميز بين الكيفيات المتعددة لهذه المراتب والدرجات:الكيفية الأولى : الاستناد إلى المفاهيم الأجنبية ( المرفوضة) : فهناك الكيفية التي تستند إلى مفاهيم ونظريات ذات مصدر أجنبي ، تتعارض مع الإسلام كدين “كالحلول والاتحاد ووحده الوجود”، وهذه الكيفية مرفوضة من أعلام التصوف المعتبرين، لأنهم رفضوا هذه المفاهيم والنظريات الأجنبية كما ذكرنا اعلاه. الكيفية الثانية: الاستناد إلى مفاهيم وقيم وقواعد الدين(المقبولة) : وهناك الكيفية التي تستند إلى المفاهيم والقيم والقواعد الكلية للدين ، والفهم الصحيح للدين ، كما قرره السلف الصالح وعلماء أهل السنة ، وهذه الكيفية مقبولة .

الموقف الحقيقي للإمام ابن تيمية من مراتب الولايه: القراءة المتأنية لأقواله تبين أن موقفه من هذه المراتب والدرجات يتجاوز موقفي الإثبات المطلق لكل كيفيات هذه المراتب والدرجات، أو النفي المطلق لكل كيفياتها ، إلى موقف قائم على نفى كيفية معينة لهذه المراتب والدرجات ، لأنها تتعارض مع الشرع ، واثبات كيفيه أخرى لها لأنها تتفق مع الشرع . فهو يقرر أولا أن هذه الأسماء لا توجد عند السلف – طبقا للترتيب الشائع لها – ولا هي مأثورة عن المشايخ المقبولين – طبقا للترتيب والمعاني الشائعة لها ،و يرفض ابن تيميه اسم الغوث والغياث. إما اسم الأوتاد فيقبله ابن تيمية لكن بمعنى معين هو: من يثبت الله به الإيمان والدين دون حصره بعدد معين، حيث يقول(وأما الأوتاد فقد يوجد فى كلام البعض أنه يقول : فلان من الأوتاد ، يعني بذلك أن الله تعالى يثبت به الإيمان والدين فى قلوب من يهديهم الله به ، كما يثبت الأرض بأوتادها ، وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء ، فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة .. وليس ذلك محصورا في أربعة ولا أقل ولا أكثر ... ). كما لا يرفض ابن تيميه اسم القطب بمعنى كل من دار عليه آمر من أمور الدين والدنيا دون حصره في عدد معين(وأما القطب فيوجد أيضا فى كلامهم ... فكل من دار عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا باطنا أو ظاهرا فهو قطب ذلك الأمر ومداره ، ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر ...) . كما لا يرفض اسم البدل بمعانيه التي لا تتعارض مع الشرع مع عدم حصره في عدد معين ، حيث يقول (والذين تكلموا باسم " البدل " فسروه بمعان ، منها : أنهم أبدال الأنبياء ، ومنها : أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا ، ومنها : أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بحسنات ، وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ، ولا بأقل ولا بأكثر ، ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض ) ( مجموع فتاوى ابن تيمية :11/433-444(

درجات للترقي القيمى – الروحي وليست درجات للوجود: بناء على ما سبق فانه يمكن القول أن مضمون مراتب ودرجات الولاية هي أنها درجات للترقي الروحي – القيمى للإنسان (كما تقرر الكيفية الثانية المقبولة )،وليست درجات للوجود (كما تقرر الكيفية الأولى )،فهي درجات لتحديد لحركة الإنسان – بما هي فعل غائي – بفعل مطلق ” الربوبية” وغاية مطلقه ” الألوهية ” أو درجات للكدح إلى الله تعالى بالتعبير القرآني ،اى هي درجات للعبودية والعبادة ، وليست إلغاء لتوحيد الربوبية والألوهية. كما أنها درجات للصلاح : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) (النساء).

مراتب الولاية لا تفيد القطع إلا بورود نص : ومراتب الولاية – في الكيفية الثانية المقبولة – لا تفيد القطع إلا في حالة وجود نص يفيد ذلك ، كما هو الحال عند الأنبياء (عليهم السلام ) والرسول (صلى الله عليه وسلم )الصحابة( رضي الله عنهم)، لأنه لا يمكن القطع بدخول احد سواهم الجنة أو النار ما لم يرد نص يفيد ذلك . قال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) (إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل الجنة) ( رواه الشيخان من حديث ابن مسعود)

الضبط الشرعي لمفهوم الولاية والتمييز بين الولاية الخاصة والعامة : وقبول مراتب ودرجات الولاية – في الكيفية الثانية – مشروط بالالتزام بالضبط الشرعي لمفهوم الولاية ، والتمييز بين الولاية الخاصة والولاية العامة، فالولاية لغة : لها معنيان: المعنى الأول القرب ( معجم مقاييس اللغة : 6/141) . والمعنى الثاني النصرة ( مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب الأصفهاني ، ص 885).الولاية اصطلاحا: علاقة مضمونها القرب والنصرة، بين طرفين هما العبد وربه، فهي من جهة العبد التزام بشروطها الذاتية (التي عبر القران عن جملتها بالأيمان)، والموضوعية(التي عبر القران عن جملتها بالتقوى)، ومن جهة الله تعالى وعد بنفي الخوف والحزن،والبشرى في الدنيا والاخره. قال تعالى( أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ) [يونس : 62 – 64] .

أقسام الولاية: وللولاية قسمان:القسم الاول: ولاية خاصة: وهى علاقة قرب ونصره بين الله تعالى وفرد معين ، وهذا القسم من أقسام الولايه يكون بواسطة الوحي، و يستلزم العصمة، وهو مقصور على الأنبياء والرسل، وبالتالي فإنه بختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا القسم من أقسام الولاية.القسم الثانى: ولاية عامة: وهى علاقة قرب ونصره بين الله تعالى ومن التزم بشروط الولاية(الذاتية والموضوعية) بدون تعيين، لعموم الخطاب القرآني إلى الالتزام بشروط الولاية (الإيمان والتقوى) ،يقول ابن كثير في تفسير الآية ( يُخْبِر تَعَالَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ كَمَا فَسَّرَهُمْ رَبّهمْ فَكُلّ مَنْ كَانَ تَقِيًّا كَانَ لِلَّهِ وَلِيًّا). وهذا القسم من أقسام الولايه لا يكون بواسطة الوحي ، بل بالالتزام بالوحي .ولا يستلزم العصمة إنما العدالة . لان الوحي والعصمة مقصوران على الرسل والأنبياء. وتتفاوت درجات الولاية العامة. مع اختصاص الصحابة(رضي الله عنهم) فى الامه المحمدية بأعلى هذه الدرجات لقربهم من الرسول(ص)،ولشهادة القران لهم بالولاية.بناء على ما سبق فان المقصود بمراتب الولاية بعد وفاة الرسول )(صلى الله عليه وسلم ) وختم النبوة مراتب الولايه العامة، وليس مراتب الولاية الخاصة المقصورة على الأنبياء (عليهم السلام)،ويترتب على هذا انه لا يجوز المساواة في الدرجة، بين من نال اى مرتبة من مراتب الولاية العامة ، بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) والأنبياء لان لهم درجة الولاية الخاصة ، كما لا يجوز المساواة بينه وبين الصحابة (رضي الله عنهم ) ، لان لهم الدرجات العليا للولاية العامة. وتنقسم الولاية العامه إلى قسمين :الأول :ولاية تكليفية :متصلة بالالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، والاجتهاد في المفاهيم والقيم والقواعد الجزئية،وتتضمن المجددين والعلماء بالدين.الثاني:ولاية تكوينية: وتتصل بالالتزام بالسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى، الشامل للوجود الاستخلافي “الانسانى ” والتسخيرى “الطبيعي” ، وتتضمن الحكام العادلين وزعماء الأمة عبر التاريخ الاسلامى…


الاثبات المقيد تكليفيا وتكوينيا للكرامات: ويقوم التصوف الاستخلافى – وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له – على:اولا: الاثبات المقيد للكرامه، تكليفيا (بالالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد وحى الكليه) ، وتكوينيا (اى انها تتحقق دون انقطاع اضطراد السنن الالهيه التى تضبط حركه الوجود ،والغاء السببية اى علاقة التلازم بين السبب والمسبب). ثانيا: رفض الاثبات المطلق لها ، الذى لا يقيدها تكليفيا ( بعدم الالتزام بهذه المفاهيم والقيم والقواعد ")، او تكوينيا ( اى يمكن أن تتحقق بانقطاع اضطراد هذه السنن الالهيه ، والغاء السببية( .

مذاهب تفسير الكرامه عند أهل السنة: فقد أثبت أهل السنة بفرقهم المختلفة كرامات الأولياء ، غير أن هناك مذهبين في إثباتها، و بالتالي تفسيرها:

الأول:مذهب الإثبات المطلق:وهو المذهب الذى يتعارض مع التصوف الاستخلافي – وكذا مفهوم الطريقه طبقا لتعريفه له – ومضمونه إثبات الكرامة دون تقييد مضمونها تكليفيا وتكوينيا ، على الوجه المشار اليه اعلاه . وقد عبر أصحاب هذا التفسير عن الأخير- اى عدم تقييدها تكوينيا- بتعريف الكرامة بأنها " خرق للعادة "، والمقصود بالعادة عند أصحاب هذا التفسير العادة المضطرة اى السنن الالهيه. غير أن هذا التفسير لا يوضح الفرق بين الكرامة والمعجزة، لذا رفضه عدد من متأخري الأشاعرة و المتصوفة منهم السبكي القائل (معاذ الله أن يتحدى نبي بكرامه تكررت على ولي، بل لا بد أن يأتي النبي بما لا يوقعه الله على يد الولي، و إن جاز وقوعه فليس كل جائز في قضايا العقول واقعا . و لما كانت مرتبة النبي أعلى و أرفع من مرتبة الولي ، كان الولي ممنوعا مما يأتي به النبي على الإعجاز و التحدي، أدبا مع النبي )( طبقات الشافعية، ج 2، ص 320 (.

الثاني:مذهب الإثبات المقيد: وهو المذهب الذى يتسق مع التصوف الاستخلافي – وكذا مفهوم الطريقه طبقا لتعريفه له – ومضمونه إثبات الكرامة مع تقييد مضمونها تكليفيا وتكوينيا على الوجه المشار اليه أعلاه ،ويترتب على الاخير – اى التقييد التكويني للكرامة- ان الكرامة فى هذا المذهب هي تكريم الله تعالى لشخص صالح، فيمنحه قدرة تفوق قدرة تفوق قدره غيره من أشخاص عاديين، دون انقطاع باضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،ودون إلغاء السببية ، اى دون إلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب- فهي ظهور صفاتي وليس ذاتي "كما في المعجزة" للفعل الالهى المطلق - يقول الإسفرائيني (إن الكرامة لا تبلغ مبلغ خرق العادة ، وإنما هي إجابة دعوة أو موافاة ماء في غير موقع المياه أو ما ضاهي ذلك، وكل ما جاز معجزة لنبي لم يجز كرامة لولي)( الموافقات، ص25) ، وهو يقارب رأى عدد من العلماء الذين فرقوا بين الكرامة والمعجزة بان ما جاز معجزة لنبي لا يجوز كرامة لولى ، يقول الإمام النووي (... قال وصار بعض أصحابنا إلي أن ما وقع معجزة للنبي لا يجوز تقدير وقوعه كرامة لولي فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر وينقلب العصا ثعبان ويحي الموتى إلي غير ذلك من آيات الأنبياء كرامة لولي )( الإمام النووي، بستان العارفين، ص 30.)، ورفض أبو محمد بن أبي زيد المالكي الكرامة طبقا للتفسير الأول إلا بشرط حدوثها في المنام , وتبعه في هذا الرأي عددا من العلماء منهم أبا الحسن علي القابسي ،وأبا جعفر أحمد الداودي ، وجوز الإمام ابن حزم من أهل الظاهر الكرامة طبقا للتفسير الأول في حياة الرسول أما بعد موته صلى الله عليه وسلم فيرى انه لا سبيل إلى شيء من هذا (الأصول والفروع،دار الكتب العلمية،بيروت،1984.)، وطبقا لهذا التفسير يجوز الأخذ بالتعريف الكرامة بأنها"خرق للعادة"، بشرط أن يكون المقصود بالعادة ما اعتاد عليه الناس لا العادة المضطردة، ورد في شرح العقيدة الطحاوية (فالمعجزة في اللغة كل أمر خارق للعادة ،وكذلك الكرامة في عرف الأئمة أهل العلم المتقدمين، ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما...وجماعها الأمر الخارق للعادة...وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله ،ويعلمه ما علمه الله إياه، ويستغني عما أغناه الله ،ويقدر على ما اقدره الله عليه من الأمور المخالفة للعادة المضطردة أو لعاده اغلب الناس ،فجميع المعجزات والكرامات لا تخرج عن هذه الأنواع )( شرح العقيدة الطحاوية ،مكتبه الدعوة الاسلاميه،القاهرة،ص 499.)، ونحن إذ نرجح التفسير الثاني ، فإننا نرى انه بفرض صحة التفسير الأول، فإنه لا يجوز القول به بعد ختم النبوة ،ونستأنس هنا بموقف الإمام ابن حزم السابق ذكره .

إمكانيات النفس: ويقرر التصوف الاستخلافي- وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له- امكانيات النفس التى أشار إليها القرآن الكريم .وأنها إمكانيات متاحة للجميع ، لكن تحققها مقصور على البعض فقط ، ممن بذل الجهد اللازم للانتقال من الامكانيه إلى التحقق. وهى:أولًا: النفس السوية “الملهمة”: وردت الاشاره إليها في قوله تعالى﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ (الشمس: 7، 8)، وهى امكانيه فعل الخير والشر، التي تتوافر للنفس البشريه منذ أن خلقها الله تعالى ،قال الفراء(” فَأَلْهَمَهَا ” عرَّفَها طريق الخير، وطريق الشر).ثانيًا: النفس الأمَّارة بالسوء(امكانيه حث النفس لذاتها على فعل الشر):وردت الاشاره إليها في قوله تعالى﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ (يوسف: 53)،وهى امكانيه متعلقة بحث النفس لذاتها على فعل الشر.ثالثًا: النفس اللوامة(امكانيه لوم النفس لذاتها عند فعلها الشر): وردت الاشاره إليها في قوله تعالى ﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ (القيامة: 2)، وهى امكانيه متصلة بلوم النفس لذاتها عند فعلها للشر،مما يمهد الطريق أمام رجوعها عن فعل الشر. لذا عرفه الجرجاني بأنها النفس التي كلما صدرت عنها سيئة، بحكم جبلتها الظلمانية، أخذت تلوم نفسها، وتتوب عنها ( كتاب التعريفات) . رابعًا: النفس المطمئنة:وردت الاشاره إليها في عده مواضع منها قوله تعالى﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ (الفجر: 27 )، وهى امكانيه متصلة بالوثوق”الإيمان – اليقين ” بالفعل الالهى المطلق “الربوبية”. قال ابن عباس “رضي الله عنه”) المطمئنة إلى ما قال الله، والمصدِّقة بما قال (تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير).وقد أشار القران الكريم إلى حالتين للنفس المطمئنة هما :ا/ حالتها في الحياة الدنيا:فهي وثوق” إيمان- يقين” بالفعل الالهى المطلق “الربوبية ” في الحياة الدنيا” ، وقد وردت الاشاره إليها في عده مواضع منها قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾. ب/ حالتها في الحياة الاخره:فهي وثوق” إيمان- يقين” بالفعل الالهى المطلق “الربوبية ” في الحياة الاخره” ،وقد وردت الاشاره إليها في الايه ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) . وللنفس المطمئنة كامكانيه في حالتها الاخيره ” في الحياة الاخره” صفتين:ا/النفس الراضية :وردت الاشاره إليها في الايه ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) وهى وصف لرضي النفس المطمئنة بما أوتيت من ثواب اخروى .ب/النفس المرضية : وردت الاشاره إليها في نفس الايه ، وهى وصف لرضي الله تعالى عن النفس المطمئنة . أما مصطلح “النفس الكاملة” فقال به بعض الصوفية، لكنه غير ثابت نصا،ولكن يمكن قبوله كوصف للنفس المطمئنة بعد ضبطه شرعيا ، من خلال الالتزام بالمفهوم الاسلامى الصحيح لمفهوم الكمال ، والذي مضمونه:أن الكمال المطلق ينفرد به الله تعالى”لان وجوده وحده هو الوجود المطلق “،أما كل وجود سواه فهو وجود محدود ،وبالتالي فانه كماله محدود،والأخير له درجات أعلاها كمال العصمة بالوحى فى امور الدين ، وهى للأنبياء والرسل وهى أيضا درجات أعلاها للرسول (صلى الله عليه وسلم)،باعتباره خاتم الأنبياء والمرسلين ، وبالتالي فهو أكمل البشر، وبالتالي فان كما لنا المحدود لا يتحقق إلا بإتباعه قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (آل عمران) ويليها كمال العدالة النصية (اى من نص على عدالتهم) وهى للسلف الصالح )الصحابة والتابعين"رضى الله عنهم" )، وبالتالي فان الكمال المحدود لسواهم من مسلمين - وهو كمال العداله غير النصيه- لا يتحقق إلا بالاقتداء بهم، قال تعالى (فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا)(البقرة: 137). فليس المقصود بكمال النفس المطمئنة لسواهم من المسلمين انه يتحقق لهم كمال العصمة والعدالة النصيه . بل المقصود به انها أكمل النفوس اى أكثر إمكانيات النفس شمولا، وبالتالي فإنها لا تلغى الامكانيات”النفوس”الأقل منها شمولا ، إنما تحدها كما يحد الكل الجزء فتكمله وتغنيه.


د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم


.................................

الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات الموقع الرسمي للدكتور صبري محمد خليل خيري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى