د. حسام الدين فياض - حين نحاكم الآخرين بمرآة ذواتنا... هل نرى الحقيقة أم أوهامنا؟

" ليست كل صورة نكونها عن الآخرين وصفاً لهم، فكثيراً ما تكون اعترافاً غير معلن بما يسكن أعماقنا " (الكاتب).

لا تبدأ أكثر الأخطاء الاجتماعية خطورة من سوء الفهم، بل من الاعتقاد بأن ما نراه في الآخرين هو الحقيقة ذاتها. فالإنسان لا يتعامل مع الواقع كما هو، وإنما كما تسمح له خبراته السابقة، ومخاوفه، وقيمه، وتوقعاته أن يراه. لذلك تصبح الأحكام المسبقة أكثر قدرة على تشكيل العلاقات من الوقائع نفسها، ويتحول الإدراك من وسيلة لفهم العالم إلى أداة لإعادة إنتاج الذات داخله. بذلك تنشأ مسافة خفية بين الإنسان والآخر، لا يصنعها اختلاف الأشخاص بقدر ما تصنعها اختلافات العقول التي تنظر إليهم.

في حقيقة الأمر، يتشكل الانطباع عن الآخر داخل بنية نفسية معقدة لا تعمل بمعزل عن التاريخ الشخصي للفرد. فالخبرات المؤلمة، والإحباطات، والصراعات الداخلية، والدوافع والاحتياجات غير المشبعة، قد تدفع الإنسان إلى إسقاط ما يختزنه في داخله على من حوله دون وعي. وعندئذ لا يعود الآخر حاضراً بصفاته الحقيقية، بل بوصفه انعكاساً لمخاوف والرغبات والانفعالات المكبوتة للآخر. ولهذا قد يبدو الشخص الواحد محبوباً لدى بعض الناس، ومرفوضاً لدى آخرين، لا لأن جوهره يتبدل، بل لأن كل فرد يقرأه من خلال بنيته النفسية الخاصة. وهنا تتراجع الموضوعية أمام سلطة الإدراك الذاتي، فيصبح الحكم انعكاساً للناظر أكثر مما هو وصف للمنظور إليه.

ولا يتوقف الأمر عند حدود النفس الفردية، لأن المجتمع نفسه يشارك في إنتاج تلك الصور الذهنية. فالتنشئة الاجتماعية، والانتماء الطبقي، والثقافة السائدة، والخطابات الإعلامية، والقوالب النمطية، جميعها تمنح الأفراد عدسات جاهزة ينظرون من خلالها إلى الآخرين.

وهكذا لا تبنى الأحكام دائماً على المعرفة المباشرة، وإنما على تصورات ورثها الإنسان أو تعلمها أو اعتادها حتى بدت له حقائق لا تحتاج إلى برهان. ومن ثم يغدو تقييم الأفراد امتداداً للبنية الاجتماعية التي ينتمون إليها، فتختلط حقيقة الشخص بالصورة التي أنتجها المجتمع عنه، ويصبح الاختلاف في الرأي انعكاساً لاختلاف المواقع الاجتماعية بقدر ما هو اختلاف في الأشخاص أنفسهم.

وتبلغ هذه المشكلة ذروتها عندما تتحول تلك الصور إلى يقين مغلق يرفض المراجعة. فكلما ازداد الإنسان تمسكاً بالصورة التي رسمها في ذهنه، قل استعداده لرؤية الآخر كما هو. عندئذ يفقد الحوار وظيفته، وتتحول العلاقات إلى مواجهة بين تصورات متنافسة لا بين أشخاص حقيقيين. لذلك لا تكمن الحكمة في سرعة إصدار الأحكام، وإنما في امتلاك الشجاعة لمساءلتها، لأن الوعي النقدي يبدأ عندما يدرك الإنسان أن نظرته ليست الواقع ذاته، بل تفسيراً له يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ.

إن أكثر أشكال النضج الإنساني عمقاً لا يتمثل في القدرة على تفسير الآخرين، بل في القدرة على مراجعة العدسة التي ننظر من خلالها إليهم. فكلما تحرر الإنسان من إسقاطاته النفسية، ومن أحكامه الاجتماعية الموروثة، اقترب من رؤية الإنسان بوصفه كائناً مستقلاً لا نسخة من مخاوفه أو توقعاته. وحين يحدث ذلك، تتحول العلاقات من ساحة لإعادة إنتاج الأوهام إلى فضاء للاعتراف المتبادل، حيث تقاس قيمة الإنسان بما هو عليه في الواقع، لا بما تعكسه عنه مرايا الآخرين.

نصيحتي لك، لا تجعل قيمة الإنسان رهينة انطباعك الأول، ولا تسمح لتجاربك الماضية أن تحكم على من لم يصنعها. درب نفسك على الإصغاء قبل الحكم، وعلى الفهم قبل التصنيف، لأن المجتمع الأكثر تماسكاً لا يبنى بكثرة المتشابهين، بل بقدرة أفراده على الاعتراف باختلاف بعضهم بعضاً دون ظلم أو إقصاء. وكلما اتسعت مساحة الوعي، ضاقت مساحة الأحكام المتسرعة، وأصبح الإنسان أكثر عدلاً مع الآخرين، وأكثر صدقاً مع نفسه. فالحكمة الحقيقية ليست أن تمتلك رأياً في كل إنسان، بل أن تمتلك من التواضع المعرفي ما يجعلك تؤجل الحكم حتى تتجلى الحقيقة. أليس كذلك أصدقائي الأعزاء؟

------------------------------​
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في علم الاجتماع المعاصر
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى