حوليات أ. د. مصطفى الشليح - رُباعيَّات رمضانيَة (1443)

1 /
تمثَّلَه ضوءًا فأخفى به الضَّوءُ = أوائلَه .. ثُمَّ ارتقَى باليَدِ البَدءُ
وما إنْ رفا مـاءً .. تقاذفَه النّـوءُ = حفيًّا وحاذاهُ إلى حذفه شيءُ
كأنْ نابذٌ خوفًا .. فمالأه الفيءُ = أن استفتِ مطويّا تأوَّله الجُزءُ
تناولَه، حتَّى إذا أوشكَ النَّشءُ = نـداءً .. تلافاهُ كأنْ خوفُه البُرءُ

***

2 /
ترفَّقَ مأسورًا، وكادَ بأسْرِهِ = سقَى ظلَّه كأسًا ثُمالةَسرِّه
وأبقَى ثريَّاتٍ قبـالةَ سِفْرِه = لعلَّ ثنيَّاتٍ .. يؤبنَ لسِتْـرِه
يملن وللسِّرِّ انثناءةُ فجرِه = تكسَّرَ مخمورًا بأوَّل كسْرِه
أقُلْنَ لعلَّ الرائيَاتِ لسُكره = أقلنَ عثارًا .. ثمَّ كنَّ لبذرِه ؟

***

3 /
تمثَّلَ لي لَمْ يبـدُ إلا تعلَّلا = بأنَّ يدًا بيضـاءَ حين تمثَّلا
تناولَ باسمي ذاتَه فتأوَّلا = وسالَ بفجر ثمَّ كانَ تسلَّلا
وكانَ تخلَّى قائلا مـا تأمَّلا = وما يتحلَّى، ظنَّةً، وتملمَلا
سُؤاليَ عنِّي لَوْ تناولَ أوَّلا - بقيَّةَ أسمائي .. لكانَ مُؤوَّلا


***

4 /
تَوضَّأ بالَمعنى .. وراءَ نداءَ = وأصغَى بعينيْه كأنَّ سَماءَ
كأنَّ حواسًّـا تشرئبُّ ضياءَ = ترتِّبُ أجراسًـا تهبُّ رُخـاءَ
تـلألأ منها خوفُها .. فأفـاءَ = على خوفِها ألا يكونَ وقاءَ
وقيلَ: ألا طوقٌ كـأنَّ رفـاءَ = وإمَّا بسعْيٍ قيلَ: إنَّ غـلاءَ

***

5 /
أخفيتُ نافذةً فأوشكَ طائرُ = يَفتكُّ بنافـذةٍ .. ليُدْرَكَ نائـرُ
شَدَّ الهَواءُ بجانحيـن فَحَائرُ = أنَّ الهَـواءَ .. إذا يُشَدُّ ستائرُ
الريش سال بفضتين فزائر = من أين سؤلهما يهلّ وسائرُ
كمْ طائرًا إِنْ طـوَّقتْه صغائرُ = فبشاهقٍ دُنيا .. تحُلُّ ذخائرُ ؟

***

6 /
أقمتَ، وَإِنْ عهدًا، فليسَ تُقيمُ = غـوى بكَ عهـدٌ .. وكنتَ تهيـمُ
تُلملمُ ظلا .. كادَ عنكَ .. يغيـمُ = وأنتَ بظـلٍّ .. ينْـتــئي .. ويُديـمُ
وأنتَ بقـول.. مُحْدَثٌ وقديـمُ = أمنْ .. غابةٍ .. تلتَفُّ.. رنَّ قسيمُ
إذا الشَّجرُ الرَّائي .. إليْكَ كليـمُ = بأنَّ شتَـاتَ الاسْم .. منكَ نظيمُ ؟

***

7 /
ثلجُ اليَقين وكونُه المَرصُودُ = دَرَجٌ .. وصَاعِدُه كأنْ مَفقُودُ
وإذا نَزلـتَ .. فظلُّه مَمْـدُودُ = وسُـؤالُه .. مِـنْ طَلِّه مَقْدُودُ
أحوالُه .. ونُزولُه .. وصُـعُودُ = أبَدًا .. إلى تَعْدادِها مَحْدُودُ
يُفتي القَصيُّ .. ورأيُه مَـردُودُ = ثلجُ التَّرَدُّدِ بالصََّدى مَعْقُودُ

***

8 /
لترتبكَ الأشيـاءُ خَلِّكَ لاسمِها = بـدائلَه الأولى .. وخَلِّ بكَتمِـها
لتشتبٍكَ الأسْماءُ، ثَمَّ، بوهْمِها = كأنْ صُوَرٌ تذكو بخافتِ رَسْمِها
وَأنتَ بـواديهـا .. وكلٌّ بضمِّها = قريبٌ، وكلٌّ في منـازل حُكمِها
ترَيَّثْ .. بواديـها قلائدُ نظمِها = تقلَّدْ فللأسمـاءِ حكمةَ ختمِها

***

9 /
وإذا اعتزلتَ غزلتَ ضوءًا مائيَا = يجري .. فتأتيه العُيونُ .. تَرائيَا
فكأنْ نزلتَ .. وما نزلتَ، فَنائيَا = أجزلتَ خطوًا .. لَمْ يَحُلَّ فِنَائيَا
وبَذلْتَ .. ظلا واقفًـا .. إِنْ رائيَا = أعملـتُ وقفتَه .. وخلتُ تنائـيَا
مـا .. بينَ نافذتين ..إنَّ سَمـائيَا = رُفِعتْ هَواءً .. فاعتزلتُ ندائيَا

***

10 /
حينَ أملى تريَّثَ القولُ خيلا = خلتُها وقتًا مِنْ فضاءٍ تدلَّى
خلتُها .. والغبارُ ..إذ يتجلَّى = يتملَّى .. كـمْ فارسـًا يتخـلَّى
كمْ .. إلى عِـزَّةٍ .. بغـزَّةَ أدلَى = عَـربيٌّ .. مِنْ كثرةٍ .. بأقـلَّا
يأفلُ النَّجْمُ. ما لذلكَ صَـلَّى = بفلسطينَ .. حينَ رَبُّكَ أملَى

***

11 /
.. أمَّا الغرابُ فلمَّا طائرًا سألا = بأيِّ نافِذةٍ .. إِنْ شَاعرٌ .. عَدَلا ؟
لمْ أعتدلْ بسماءٍ خلتُها جذَلا = بيني وأحرفِها ما حرفُها خذلا
ثُـمَّ اعتللتُ جناحًـا علَّني بَدَلا = وانسلَّ حَطَّ كأنِّي خِطتُه جَدَلا
ثُـمَّ ابتللتُ .. فَإلا شـاعرٌ بـذلا = أنَّى يُوارَى دَمٌ ؟ إلاك مَِنْ قتلا ؟

***

12 /
تَجوَّلتَ .. حتَّى قيـلَ إنَّكَ أسْيَرُ = من الرِّيح تهذي والهَواءُ يُقطَّرُ
تُقطِّرُ مَـرأى الغيب أيَّـانَ يُنظـرُ = سمـاءً .. وتذروهُ سمـاءً تُصوَّرُ
وأنتَ تُعيرُ الحُجْبَ .. ما يتستَّرُ = بها .. خطـوةً أولى .. فلا يتعثَّرُ
كأنْ أنتَ حاديهـا .. فكيفَ يُقَدَّرُ = تحوَّلتَ عنها كلَّما قلتَ: أحذرُ ؟

***

/ 13
كأنَّ بسيرةِ المعنى سَرابا = تلبَّثَ بُرهةً .. أذنتْ غيابا
أسرَّتْ كلَّما أمنتْ حجابا = إلى حُجَّابِهَـا قمرًا مُـذابا
فقيلَ: كيفَ رؤيـاهُ طِلابـا = وإلا أيـنَ سُقيـاهُ انسكابا ؟
وقيلَ: أموقنٌ آبَ اغترابا = بسيرتِه .. كأنْ ليديكَ آبا ؟

***

14 /
المَقدِسِيُّ .. كأنَّ اللّهَ أرسَلَه = يدًا تذُبُّ عن الأقصَى، وأمَّلَه
تهُبُّ أعلَى، ولا شيءٌ لتبذلَه = إلا تمَـلَّى .. إذا روحٌ .. تمثَّلَه
وما تدَلَّى .. كأنَّ اللَّهَ قَالَ له = فَكنْ بعيني كلامًا، ثُمَّ فصَّلَه
أمَّـا الذي يتبقَّى: إنَّ مُدْخَلَه = غريبُ وجهٍ. ألا وجهٌ لتسألَه؟

***

15 /
على قدَر .. مأمولُه .. يتحجَّبُ = ومحْجُوبُه خيلٌ بأرضكَ تنهَبُ
تحدَّبَ مـلمومًـا .. كأنْ يترتَّبُ = على حَجَـر .. مكتومُه يتحدَّبُ
وإنْ شجرٌ يمشي .. ولا يترقَّبُ = سوى ظلِّه ممشى إذا يتقرَّبُ
وبينهُمـا كلُّ الأساطيـر تذهبُ = بتأويلها شتَّى .. وتـأتي تُهـرَّبُ

***

/ 16
ماذا بأرضكَ غيبًا يختفي نُزلا = ويكتفي .. بالذي أنزلتَه سُبلا ؟
أعملتَه فسـلا مِنْ بـذرةٍ عَملا = وكانَ دَرَّ إشاراتٍ .. وكانَ سلا
وأنتَ أهملتَه إمَّا انجلي طللا = فما وقفتَ .. ولكنْ جئتَه بدلا
كأنْ تقول له:ماذا بأرضكَ. لا = بَلْ ما تقولُ لها إِنْ ظامئٌ سألا ؟

***

17 /
وكانَ يُنكـرُ قولي: إنَّها الأرضُ = وكـانَ يُنكـرُ أنَّ الأرضَ تنقضُّ
وَإِنْ تـدورُ فما دارتْ وتنفضُّ = إِنْ دورةٌ فتغشَّى ريحَها قبضُ
وأذْ تفيضُ بـآي .. كلُّها بعضُ = فغاضَ بعضٌ بآياتِ فلا فيضُ
وَقَدْ تغضَّنَ مُربَـدِّا بها ومضُ = وآضَ يْنكرُ قولي: مابها الأرضُ ؟

***

18 /
تَوثَّبَ بَيْنَ الضَّوْءِ والظِّلِّ رَسْمُهُ = وكَادَ خَفَاءً .. لَوْ تدَانَى به اسْمُهُ
تَناءَى فلَمَّا ناءَ .. رَفْرَفَ جِسْمُهُ = وخَفَّ هَوَاءً .. ثُـمَّ أشْرَفَ وَسْمُهُ
أخافَ قليلا .. أمْ .. تَمَثَّلَ وَهْمُهُ = بأنَّ قتيلَ الخَوْفِ .. يُرفَـعُ جُرْمُهُ
وأنْ قاتلٌ أغْـفَى فأَوْشَـكَ حُلْمُهُ = وَإِنْ خَفَّ حُلْمًا وَاثِبًا كانَ سَهْمُهُ ؟

***

/ 19
شَجَرٌ خُرَافيٌّ .. يَدُ المَحبُوبْ = أوراقُه .. أرَقٌ إلى المَكتُوبْ
شَرَقُ بماءٍ .. ضوؤه مَسكوبْ = كأسًا، ومنْ آياتِها مَسحُوبْ
أفُقُ الغيوبِ .. كأنَّه منسوبٌ = وكأنْ إليَّ سَرابُه المَسلوبْ
وكأنْ بقلبِكَ مـا تقولُ غيوبْ = تُفَّاحـةٌ ريئتْ، وقوتُ قلوبْ

***

20 /
تفتَّقَ هذا الكَونُ حتَّى تعتَّقَا = وحتَّى تسـاقَى ظلَّـه وتسلَّقَا
أفاقَ، وما إِنْ باليدين تذوَّقَا = بقيَّةَ فوضَى باليدين فأطرقَا
وحلَّقَ مسْقِيًّـا بشيءٍ تدفَّقا = على أيِّ شيءٍ يلتقي، وتعلَّقا
فلمَّا ذاقَ مرقيًّا، وقيلَ تأنَّقَا = إذا رُقيَةٌ مـاذا بخـرق ليُرتَقَا ؟

***

21 /
كأنَّ لديكَ أبعَدَهُ .. وأقربْ = وقولكَ لي: كأنَّ إليَّ أغربْ
أجـاذبُه .. فأدنـاهُ .. تـوثَّبْ = وجاذبَني بأقصَاهُ .. لأتعبْ
أحاذي ضفَّتيـن إذا تأهَّبْ = بيَ الوادي وإمَّا قَالَ: اركبْ
وحالَ الغيمُ، ثُمَّ إذا ترتَّبْ = أحالَ عليَّ قولكَ إذْ تحَجَّبْ

***

22 /
تَوكَّأ مَنـذورًا إلى الرِّيـح تَلهثُ = على وجع، والمنتأى كادَ يبهتُ
وكـانَ إذا أسرَى به الفقدُ يُنفثُ = تمادَى إليه العقدُ .. أيَّانَ يُنكثُ
تأرَّثَ حتَّى قلتُ: يفنى ويُبعثُ = وقيلَ إذا المعنى قديـمٌ ومُحدثُ
وقالَ الإمـامُ الحَبْرُ إذْ يتحـدَّثُ = فمـا كلُّ شيءٍ .. حينَ ليسَ يؤنَّثُ ؟

***

23 /
أرقتُ قليلا. قلتُ: يا لكَ تأرَقُ = وتفرَقُ إذ يغفُو تضادٌّ مُطوَّقُ
تُعتِّقُ محوَ الذّاتِ ..لا تتفرَّقُ = فلا تشرَقُ الأيـاتُ حينَ تُعتَّقُ
ومنْ آيةٍ .. أنْ كهفُها يتسلَّقُ = عِتاقَ الرُّؤى .. مَجلوَّةً تتدفَّقُ
فكمْ أيـةً تقفُـو .. وليلٌ مُعلَّقُ = بغفوكَ محوًا مـا نداؤكَ أعلقُ ؟

***

24 /
تمثَّلَ لي .. أنَّ الهَـواءَ يفيضُ = علَى أرضِه والنَّائياتِ وميضُ
وأنَّ .. جـناحَـه .. أبدًا .. مهيـضُ = بأفق .. وقـتُ .. صَعدتِه .. مريضُ
إذا .. ينضُو .. فـأوديـةٌ .. تغـيضُ = وأنديـةٌ .. يحـارُ .. بهـا .. القـريضُ
فقلتُ: .. تمثُّلُ الدُّنيـا .. خفيضُ = بـروضته .. فكـيـفَ إذا النَّـقيـضُ ؟

***

25 /
قدَرٌ يَرنُّ .. لتَهدَأَ الأجْراسُ = أبَدًا .. وتقرأ سِفْرَهُنَّ حَواسُّ
تتماسُّ أسمـاءٌ .. بهنَّ جناسُ = فكأنْ سماءٌ .. بالثَّرى تتماسُّ
كالسَّائرينَ وخَطوُهمْ أغراسُ = وبأرضهمٌ مـا بالسَّماءِ يُساسُ
والطَّائـرينَ بخـفَّـةٍ .. تنقـاسُ = قمرًا .. تَرنُّ .. بضوئِه الأقباسُ

***

26 /
أمَا للوقتِ نَجْذبُه قليلا = نُرتِّبُه .. قليلا مُستحِيـلا
نُصاحبُه ونسحبُه بَديلا = وكُنَّا فتيةً نهبُوا المَسيلا
وكُنَّا كهفَنا حَدْسًا قتيلا = بأنَّا حَدْسُنا جَرْسًا عَديلا
بأنْ يخـفَى لنلقفَه نزيلا = وَإِنْ ألفَى بأنَّـا لَنْ نَميـلا ؟

***

27 /
يتملَّى الغريبُ ما كـانَ ظلا = ثُـمَّ أرخَى سُدولَه .. وتدلَّى
كمْ هُنا مَا هُناكَ إذ يتجَلَّى = بينَ ضوءين .. كُلَّمَـا يتخَلَّى
حامِـلا .. كُلَّه .. ليأمَـلَ كُلَّا = قَالَ بعضٌ لبعْضِه ما أقَـلَّا
أنـا مِنْ كثرةٍ، وحوليَ حُبلَى = نُدْرَةٌ .. تستقي البَريَّةَ بذلا
.
***

28 /
خِفِيَةً يَذهبُ التَّذَكُّـرُ أبْعَدْ = مِنْ أقاصِيه والتَّرَدُّدُ يَشْتَدْ
تَـرتئي صُـورَةٌ ..بأنْ تتمَدَّدْ = تتـنادَى .. كأنَّهـا .. تتنـهَّـدْ
والصَّدَى حِمْلُهُ إذا يَتَعَدَّدْ = أيُّ صَوتٍ به .. لكيْ يتوحَّدْ ؟
حِمْلُهُ بالصَّدَى كأنْ يَتَأبَّـدْ = خِفيَةً، والمَدَى تَرَقَّبَ أبْعَدْ

***

29 /
تُسِرُّ إلى لُقيـاكَ أوَّلَ خطـوةِ = كأنَّكَ بالـوادي سفـارةْ خلوةِ
تحلَّلْتَ مخفُورًا بخفَّةِ غَفوةِ = وأمَّلْتَ مَبهورًا تَكُونُ بحُظوةِ
فَإنْ خالعُ نعلا إشارةَ صَفْوَةِ = وَإِنْ طالعٌ ظلا استِعارَةَ فَجْوَةِ
فأنتَ إلى رُؤيَـاكَ سرٌّ بهبْوةِ = من النُّور مبـذورًا بأرض نُبُـوَّةِ…

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى