شه تييه شنغ - أيامنا هي الأطول.. ترجمة : مي عاشور

كانا يتقدمان بخطاهما في الشارع، دون أن يتجاذبا أطراف الحديث. وكانت الضوضاء المنبعثة من السيارات عالية صاخبة. حان موعد الغداء، فقالت الصبية: “لا أريد أن أتناول الطعام، لست جائعة”.

دخلا إلى مطعم، وجلسا في إحدى زواياه، أخذا يتأملان الشمس الساطعة، والشمسيات الحمراء المارة في الطريق، والمبهرة للنظر. رسمت الفتاة بيدها شكلًا غريبًا جدًا من بقعة ماء كانت موجودة على الطاولة، ولم تتوقف عن إصدار تنهيدات طويلة. أما الشاب، فكان ينظر إلى سكيب البيرة الموجودة بداخل الكأس.

“يقولان الكلام ذاته، مهما ناقشتهما أو تحدثت إليهما”. رمقت الصبية الشاب بنظرة خاطفة، ثم خفضت رأسها.

لم يتوقف الشاب عن شرب البيرة، ثم ذهب بعد ذلك ليشتري طبقين من الطعام.

قالت الصبية: “لا أشعر بالجوع، ولو قليلًا”.

“ماذا قالا؟"، سأل الشاب.

” قالا نفس الكلام… قالا …“. ردت الصبية.

كان هناك صوت منبعث من حشرة صغيرة، تقف على الزجاج، بينما كانت الأصوات المتعبة التي تنادي على بيع الجيلاتي والمياه والشاي تدوي في كل مكان في الشارع.

سأل الشاب الصبية: "وأنتِ؟ ماذا عنكِ أنتِ؟”.

“لا أدري، ربما لا ينبغي عليّ أن أُعطلكَ دائمًا”.

“بل هما من يعيقان طريقنا دائمًا؟”.

“لكن أبي مصاب بمرض ارتفاع ضغط الدم، وأمي عندها مرض القلب”.

ذهب الشاب مرة أخرى لشراء مشروب غازي، فقد شربا اليوم بضع زجاجات منه. لم يلمس أي منهما الطعام الموجود على الطاولة.

“حسنًا، سأنتظر إذًا”. فتح الشاب زجاجة المشروب الغازي مصدرة صوتًا، ووضعها أمام الصبية، ثم استكمل جملته قائلًا:“ أنتظركِ حتى تصابين بارتفاع ضغط الدم، وأصاب أنا بمرض القلب”.

لم تضحك الصبية، لو كان ذلك في الماضي، لكانت ضحكت دون توقف.

“يجب أن تكون معها هي… في الحقيقة…”.

“سبق أن قلت هذا مئة مرة!”.

“في الواقع إنها أفضل مني، إنها حقًا أفضل مني”.

“سأقول لكِ للمرة المئة وواحد: "الفتيات الأفضل منكِ كثيرات؛ لكن أحبهن أم لا، فهذه مسألة أخرى تمامًا!”.

جلسا، حتى أطبق عليهما الصمت مجددًا، لم يتحدثا ثانية، ولم يتطلع أحدهما إلى الآخر. طارت يعسوبة هابطة إلى أسفل، بينما كانت السحب لامعة في الأفق البعيد.

قطعت الصبية الصمت قائلة: “أيمكنها أن تمطر؟”.

“أحضرتُ المظلة”. أجابها الشاب، وكان سارحًا ببصره في كلمة“المحيط الشمالي” (*)

الموجودة على زجاجة المشروب الغازي. وكأنه يجول بخاطره؛ كم سيكون رائعًا، لو أمتلك بيتًا هناك.

“فلتقلل من الشرب”.

“لا بأس، إن البيرة مضاف إليها مشروب غازي”.

طاف برأس الصبية أنها قطعًا عندما تصبح أمًا، ثم سيدة عجوز في المستقبل، ستحتوي وتفهم بنتها أو ابنها.

قال الشاب: “ماذا لو كنتِ أنتِ من لا تقبل، إذًا… إذًا لا عليكِ”. وشرب دفعة واحدة من الكأس الذي كان يمسك به بيده المترنحة.

تشابكت الغيوم القاتمة وردمت السماء، حتى بدت وكأنها على وشك أن تمطر قليلًا.

“وإلا… أقول لكَ… القانون في صفنا”.

“لا داعي، فهما لا يباليان بتلك الأمور”.

“المسألة أنكِ لا تجرئين”.

“لكن والدي مصاب بارتفاع ضغط الدم، ووالدتي مصابة بالقلب”.

صمتا ثانية، وجلسا طويلًا، ثم غادرا المكان.

ضرب سرب من الحمام بجناحيه محلقًا أسفل الغيوم الرمادية الداكنة. كان ناصع البياض، أشبه بالبرق، ومجموعة من الحوريات.

قالت الصبية والدموع تترقرق في عينها: “أحقًا يمكنك أن تنتظرني؟”.

قال الشاب: “قطعًا، إن أيامنا أطول من أيامهم"، فتح الشاب المظلة.

وانهمر المطر من السماء.
ترجمة عن الصينية مي عاشور



(*) المحيط الشمالي: يقصد به هنا نوع محلي من أنواع المشروبات الغازية الصينية.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شه تييه شنغ (1951-2010) واحد من أهم الكتاب والأدباء الصينيين المعاصرين، ولد في بكين. أصيب بالشلل عندما كان في الواحد والعشرين من عمره. كتب العديد من الأعمال التي تعكس معاناته وكيفية اجتيازها، وتحوله من مجرد مريض إلى كاتب. تميزه كتاباته النثرية والقصصية، والتي تأثر بها قطاع كبير من القراء الصينيين. توفي عن عمر يناهز 59 عامًا




1651523694998.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى