أنْ نقرأ تجربةً شعريةً ما يعني أن نكتشف سؤالها، وأن نتأولَ مدى حضور هذا السؤال في أنساقها، ومقدار فاعليته في تجلياتها المختلفة؛ برغم التغاير البادي على السطح؛ فيما هي متقاربةٌ في الأعماق؛ يتضافر بعضُها مع بعضٍ، وتتوالد زمرتُها من رحمٍ وحيدةٍ، رحمِ السؤالِ الكائن في ما ورائية النص؛ حيث ينثُّ فيه أسراره، ويبوح له بكلماته، ويمدُّه بأنوار الفيض التي تتجلى في ظهورات تتجاور ولا تتباين؛ لا لكثير عِلَلٍ؛ وإنَّما لأنها تُسقى بماءٍ واحدٍ، هو ماء السؤال لا غير.
بهذا الوعي النقدي، نصحب شاعر هذه المقالة بهويته الشعرية الفارقة. ولعلَّ الأحرار الصادقين من بني الإنسان الذين أدركوا مبكِّراً كُنْهَ الحياة والوجود في التجريب الشخصي، هم وحدهم مَنْ يُحبُّ "قتيلَ لسانِه"، أو"الغلام القتيل". إنَّه العشرينيُّ الموسوم بعمرو بن العبد بن سفيان البكري، ولقبُه "طَرَفَةُ"؛ ذاك النوع من الشجر المعروف بالأثل، قال ابن قتيبة في شأن شعريته: "هو أجود الشعراء قصيدةً، وله بعد المعلقة شعر حسن." وروى ابن سلَّام أن لبيداً بن ربيعة سُئِلَ: من أشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل، قيل: ثم من؟ قال: الغلام القتيل، قيل: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل، يعني نفسه."
أصدقك القول: لستُ حافلاً كثيراً بأحكام الشعراء تجاه بعضهم بعضاً؛ إذْ قد يداخلها المزاج، وتتعاورها آفة الحسد، ولستُ عابئاً بأقوال النقاد؛ حيث لا تسلم من هذا، ولا تبرأ من ذاك؛ مع إقراري بأهميةٍ ما تتبدَّى في سياقاتٍ عديدةٍ؛ إذْ إنَّ بعض هذه الأحكام قد يفتح كوةً يمكن النظر منها إلى تجاربهم؛ برغم إيجازها الشديد، واعتمادها كليةً على الذوق الارتجالي البدهي الذي عادةً ما يأتي استجابةً لتساؤلٍ مباغتٍ؛ فتكون الإجابة عنه حُكْماً نقدياً كفئاً للسؤال.
لكنِّي أحسب أنَّ الجدير بالاحتفال والاهتمام النقديين، هو مجابهة النصوص الشعرية ذاتها وجهاً لوجهٍ بلا وسائط قد تتخللها ضلالات دلالية تنحرف بها وبك عن المقاصد العليا للنص والتجربة. إن القمين بالرعاية النقدية، هو إمكان الاجتراح والاقتراح عبرالبحث عن أسئلة النصوص والتجاريب، والقدرة على التنقيب عنها، وإثارتها حيةً عفيةً كاشفةً عن فرض التأويل أو القراءة كما هو شأننا في صُحبة طرفة. علينا - إذاً - أن نثير إزاء المعلقة، تساؤلاً فحواه: كيف نقرأ طرفة؟ أي بالأساس: كيف نقرأ سؤاله الوجودي المهيمن؟ أو بالأحرى: بأية سُبُلٍ يمكننا أن نلامس نَبْعَتَه الشعرية الفوَّارة؟ وأنَّى لنا أن نميط اللثام عن قسطٍ من أسرارها، وما يعتمل فيها من غموض وجاذبية؛ حتى تنفتح أمامنا مغاليق التجربة، ونقف على كفاءتها العامة بالمفهوم الـ "تشومسكي" في اللسانيات العامة وما يعادله من كفاءةٍ أدبيةٍ في نقد الشعر؟ بعبارةٍ أخرى؛ فإنَّ مغزى التساؤل الرئيس الذي تنبني عليه المقالة، هو: ما الفيض الشعوري والرؤيوي الذي تصدر عنه شعرية طرفة برغم ظهوراتها المختلفة؟ وقصدنا من الفيض ليس المصدر النوراني أو الإلهامي فحسب، وإنما فوقه وأهم منه، كيف ينشط هذا الفيض المحتدم في النفس القلقة المأزومة؛ فيتحول سراً إلى فعلٍ محركٍ يمد التجربة بمائز حيويتها، وامتياز تفوقها على أقرانها؟
في هذا السياق، نأمل أن نتقرَّى على مهلٍ شيئاً من معلقة البكريِّ؛ ليس من حافة الشرح والتفصيل على نحو ما سلك الشُّراح قديماً، والنقاد حديثاً؛ وإنَّما وِفْقَ مأربنا في أن نَسْبُلَ سبيلاً أخرى حرجةً في حيزها؛ إذْ هي محض مقالةٍ عابرةٍ، وعميقةً في قصدها النقدي؛ من حيث تشاء مقاربة التجربة الطرفية مقاربةً تأويلية وميضةً؛ تتغيا إحكام السبر، وفرادة الكشف عن مولجٍ حصيفٍ؛ يُعين على إضاءتها، وفكِّ ألغاز وَضَاءتها الفاتنة؛ وذلك عبر "فاجعة السؤال" و"ظهورات التعليل" على نحو ما سيرد:
1- فاجعة السؤال: (هلْ أنتَ مُخْلِدي؟!!):
ظنِّي أن المدخل الأكثر دقةً ولياقةً لفهم معلقة طرفة؛ ومن ثَمَّ وعي تجربته الشعرية كلها؛ إذْ المعلقة هي المتن الأهم فيها بإطلاقٍ، هو إدراكنا سؤالها، ومدى مركزيته فيها، وكيف يتمدد ديناميكياً في آفاقها سراً وعلانيةً؛ بحيث يشكِّل فرضاً يمكنك أن تتأول التجربة في صميمها من خلاله؟ ولعلَّه حسنٌ لنا في البدء من هذه المعالجة، الإشارة إلى أن السؤال في حدِّ ذاته علامة سيميائية تقتضي طلب الفهم، وحصول المعرفة، وكمال التصور، ودقة الحكم وعمقه، لكنَّه - أيضاً - سَمْيَأةٌ تمور بدلالات مُوَارَّاةٍ تُفعم بالقلق، والشكِّ، والحيرة، السؤال الطرفي – نسبةً إلى طرفة – سؤال الفجيعة؛ من حيث يتفجر من أزمةٍ كبرى بحجم الحياة في إلغازها، والوجود في إعضاله؛ بما في طياته من نثريات جزئية تتعلق بالحبيبة، العشيرة، القبيلة التي ظلمته: "وظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهند"، وكذلك المجتمع كله، إلى أن تتمدد وسيعاً لتشمل الإنسان في منتهاه، والوجود في إطلاقه. إن سؤال طرفة في حقيقته، هو سؤال المحنة المدلهمة، والدويهية التي تصفرُّ منها الأنامل، إنَّه مبعث الأرق والقلق الممضين؛ لذلك ليس سؤال طرفة محض استفهام عَابرٍ، ولا طلب فهمٍ عاجلٍ كبقية الأسئلة، وليس كسؤال أبي الطيب المتنبي الشهير في رحلته إلى ممدوحه الذي يحبه حين قال بيتيه الشهيرين:
نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ: أقصيرٌ طريقُنا أم يطولُ
وكثيرٌ من السؤالِ اشتياقٌ: وكثيرٌ من ردِّه تعليلُ.
فسؤال المتنبي نابعٌ من الشوق والافتتان؛ إذْ يتكئ على حُرقة الوجد، وتَعَجُّلِ اللقاء، أمَّا سؤال طرفة فشأنٌ آخر، ورؤية مغايرة، إنه سؤال المعضلة الوجودية الكؤود، وهو بذلك يكشف كالحاً عن فظاظة المواجهة، وعجز التحدي والمقاومة؛ وبه يتفصَّد السؤال حسرةً والتياعاً، ويُترعُ تأزماً وقلقاً. لقد مارت الذات الطرفية واحتدمت حتى أقصاها؛ لينبثق عنها سؤالها الذي هو سؤال البشرية كلها: "هل أنتَ مخلدي؟" وتقرِّي السؤال في تؤدةٍ، لا يكشف عن طلب إجابةٍ تفتض تعاظل الأزمة، وتفكك حبائلها الشيطانية المتمترسة، ولكنَّه سؤال العارف بيقين استحالة حسم النزاع، وعدم إمكان الخلوص فيه إلى قول يشفي الغلة، ويُذهب الظمأ النفسي الذي يفترس الذات ليل نهار خوفاً من مأساة المصير المحتوم. إنَّه فيما نرى، محض سؤالٍ حجاجي، قفزإلى الواجهة الكلامية في معرض اللوم، وحومة المنازعة والخصومة؛ فكأنِّي بطرفة قد شاء حسم المنهج، واصطفاء الفلسفة والرؤية اللتين هما اختيارٌ شخصيٌّ بصيرٌ يفتضُّ به خصومته مع قومه، ويفكك به تأزمه الحياتي والوجودي معاً. من هنا أقترح أن يكون مولج قراءة طرفة في تجربته عبر هذا السؤال ومن خلال سياقه في هذين البيتين:
ألَا أيُّهَذا الزاجري أحضرَ الوغى: وأنْ أشهدَ اللذاتِ هل أنت مخلدي؟!
فـــإنْ كنـــتَ لا تستطيعُ دفـــعَ منيَّتي: فــدعني أبــادرْها بما ملكتْ يدي.
إنَّ تأمل البيتين يبيِّنُ احتدام الموقف، وتفاقم الأزمة، غير أن الجدير بالتقرِّي هو الخطاب الذي يمثِّل أمثولة الوعي الطرفي، وهو خطاب حجاجٍ قائم على استدلال استقرائي يُضمر في طيات السؤال: هل أنت مخلدي؟! بما فيه من وخزٍ وتوبيخٍ وسخريةٍ واستنكارٍ. إنَّ لك أن تنتبه إلى صدر البيت؛ حيث انتصاب أداة التنبيه "ألا" في فوهته؛ وكأنَّها إشارة حاسمة في ضرورة اليقظة، ومطلق الانتباه لأهمية ما سوف ألقيه عليك من خطابٍ مُسَائِلٍ ومحاججٍ. التنبيه في الصدارة، هو في صميمه، طلب حضور ذات المخاطب بكل جوارحها، ووضعها موضع الاستعداد الحيوي لتلقي مسؤولية الكلام؛ لكأنِّي بي أعي بها سيميائياً عبر انتصاب ألفين إلى الأعلى في بدئها ومنتهاها، أنَّ طرفة يصرخ في وجه زاجره أن: انظر إليَّ!! من ثَمَّ فالتنبيه بكمال سيميائه الإشارية، نزوع إجرائي صوب تمام إدراك الموقف برهافة إصغاءٍ، وحسن تأتي لِعِظَمِ الكُلْفَةِ وخطورة القرار بطرح السؤال الحاسم؛ لذلك تتمدد إشراقات التنبيه دلالياً فيما بعده؛ أي إلى أداة النداء "أي" واسم الإشارة "هذا" الذي يشير إلى الزاجر أو اللاحي، أواللائم حسب الروايات المختلفة للبيت، وهي كلمة مركزية؛ من حيث قدرتها الدلالية على تحديد هوية الموقف، ومائز الخطاب، وأطراف الصراع فيه بين الشاعر والمخاطب. لكن دلالة البيت تتنامى تصاعدياً عبر فعلين: أحضر، أشهد مسندين إلى فاعل واحدٍ هو الشاعر ثم يتناقض التركيب الجملي والدلالي في المكملين المفعولين بهما: الوغى (الحرب، أو صوت السيوف في الحرب)، واللذات؛ إذْ هما على طرفي نقيض؛ بما يحدثه ذلك من تقاطب دلالي يضيء بعضُه بعضاً. لكن الأهم من ذلك كلِّه، وبعد أن استعرض الشاعر ممارسات الحياة في تناقضاتها القصوى، هو انفجار السؤال في وجه زاجره: هل أنت مخلدي؟!! وهو يعلم علم يقينٍ أنه لن يستطيع تخليده، ولا تخليد ذاته لاستحالة الأمر الذي ثبت عبر استقراء تاريخ الإنسان مذْ خلقه الأول. البيت كلُّه حيثية دامغة في معرض الخلاف اللجب، وهو مقدمة منطقية استنباطية بامتياز تؤهل لاستنتاج أهم، وهو مربط الفرس في النص كلِّه؛ ومغزاه أنه ما دمتَ غير قادرٍ على دفع الموت والهلاك عنِّي، فدعني أتول شأني بنفسي وِفْقَ فلسفتي في الحياة، وحسب إدراكي للوجود. إن وعينا بكلمة "المنيَّة" في البيت الثاني لا تفضي بنا إلى الموت والهلاك وكفى؛ فهذا المعنى الظاهر، لكن الكلمة في سريرتها، تخفي القدرة المطلقة، وتضمر الجبروت، والقهر، والغصب، والهجوم الشرس، والمفاجأة، والخلسة، وكل طرائق الموت العجيبة الأليمة...، المنية كلمة جامعة لدلالات سلبية معتمة جمَّةٍ؛ يفاقمها التخييل الاستعاري عبر التشخيص الذي يجعل من الموت سلطان السلاطين، وإله الألهة، فلا ردَّ له، ولا قدرة عليه؛ حين ينشب أظفاره في فريسته فلا تُجدي معه التمائم والتعاويذ على نحو ما جسَّده بعبقريته الفذَّةِ في مأساته الاستثنائية، أبو ذؤيب الهذلي في فاجعة موت أبنائه حين قال:
وإذا المنيَّةُ أنشبتْ أظفارَها: ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ.
إن إدراكنا لفحوى عدم الاستطاعة على الدفع، ولرغبة الشاعر في المبادرة، بالغ الأثر في التدليل على قرار الحسم بالمواجهة الإيجابية التي تعتمد القوة والقدرة والانغماس في اللذات حتى الثمالة. المشكلة الحقيقية ليست في مجرد السؤال، السؤال فوهة المدفع فقط؛ فيما وراءها بَرُوْدٌ كثيفٌ، إنَّه أثرٌ أو تمظهرٌ كاشفٌ عن شيءٍ أكبر منه؛ لعلَّه الوعي الحاد بأزمة المصير الإنساني الذي ينضوي تحته طرفة حتماً. الإشكالية كلها في عبثية هذا المصير، وفقدانه المنطق في العصر الجاهلي؛ لذلك كان وعي طرفة بالقضية مأزوماً إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ، ولعلَّ واحداً من عوامل الحدة في الوعي والاحتدام النفسي، راجعٌ إلى مرحلة الشباب والفتوة؛ حيث الشاعر في عشرينياته من العمر؛ فكأنَّ بذخ القوة الذي استجلب اللذة، واستغرق في اللهو، هو ذاته ما استدعى نقيضه الذي سيتكفل، مع الزمن، بهدمه ونقضه من خلال قدرته العجيبة الغريبة. هكذا يمكننا أن نستوعب هذه القدرة الصياغية الفذَّة لتصور الموت عند طرفة:
أرى الموتَ يعتامُ الكرامَ ويصطفي: عقيلةَ مالِ الفاحشِ المُتشددِ
أرى العيشَ كَنْزَاً ناقصاً كلَّ ليلةٍ: وما تنقصُ الأيامُ والدَّهرُ ينفدِ
لَعَمْرُك إنَّ الموتَ ما أخطأ الفتى: لكالطَّولِ المُرْخى وثنياه في اليدِ
متى ما يشأْ يوماً يقدُه لحتفِه: ومَنْ يكنْ في حبلِ المنيَّةِ ينقدِ.
النص الطرفي قارئٌ أمينٌ حصيفٌ للوجود، وللزمن، وللمصير، ليقودك عبر ذلك كلِّه، إلى فداحة المأساة؛ الشأن الذي يجعل الشاعر يتفجر أسئلةً متحرقةً ومترعةً بالعجب والاستنكار:
فمالي أراني وابنَ عمي مالكاً: متى أدنُ منه ينأَ عنِّي ويبعدِ؟
يلوم! وما أدري علامَ يلومني؟!: كما لامني في الحي قُرْطُ بنُ معبدِ.
إنَّ قراءة الشعر في الأساس، هي محاولة جريئة تراهن على اكتشاف سؤاله، وسبر مراميه، وقراءة مقاصده العليا. السؤال هنا، هو معتور الشعرية في النص، وهو فيضها الذي تفيض عنه، وترتشف منه إلهاماتها، وأنوارها الوضيئة الباهرة. وظنِّي أن سؤال معلقة طرفة الذي يقف خلف كل تمظهراتها الشعرية، هو سؤال المأساة الوجودية للمصير الإنساني المحتوم؛ ذاك الذي تتحطم على عتباته كل الأماني، وتندثر فيه كافة الطموحات، وينعدم معه الخلود، ويتبجح الفناء والعدم. ولعلَّ هذا ينقلنا إلى ظهورات التعليل في الفقرة القادمة.
2- ظهورات التعليل:
تكاد معلقة طرفة مذْ مطلعها الطللي، تموج بحركة غيابٍ يتنامى رويداً رويداً بدءاً بدراما الأطلال وما تشفه عن بقايا الحياة الغائبة، مروراً بالرحلة الموغلة في مهلكة الصحراء، وهي ضربٌ من الغياب، وصولاً إلى غيابه عن العشيرة والقبيلة التي تحاشته وأفردته إفراد البعير المعبد بفعل ظلمها له، إلى أن تستغرق في الغياب المطلق، وهو الغياب الوجودي بفعل الموت ومأساته الباذخة.
من هذه الحافة، يمكن أن نستشعر حيثية الأزمة التي انهار أمامها الشاعر في بدء النص؛ فيما أصحابه يشدُّون أزره قائلين: لا تهلك أسًى وتجلدِ:
لخولةَ أطلالٌ ببرقة ثهمدِ: تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ
وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهم: يقولون لا تهلكْ أسًى وتجلدِ.
يضعنا طرفة وجهاً لوجهٍ أمام قضيته بكل إشكالياتها التي ستتجلى لاحقاً في المعلقة؛ وكأنَّه بهذا المبتدأ، يُحيِّثُ لمشروعه الشعري والرؤيوي والوجودي في آنٍ؛ ذلك أننا نزعم أنَّ الغالبية العظمى من المعلقة، تتجلى كاستجابات تعليلية للسؤال المركزي الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة. فإذا كانت الأطلال تمظهراً لغياب مؤقتٍ أو جزئيٍّ، فإنَّ القصيدة تنطلق منه إلى غياهب غياب مطلق يحققه الموت فناءً وعدماً. وهذا الإدراك الرهيف لحافات المأساة ولجوهرها، هو ما حمل الشاعر حملاً على الاستجابات المختلفة التي تلائم تفكيكاً مؤقتاً لهذه المعضلة؛ وبه يشكِّل السؤال كفاءة الشعرية؛ فيما يمثِّل النص التمظهر الجمالي الذي ينهض عبر فقراته المتنوعة، بدور التعليل الذي تندمل معه جراحات الوعي، ويثلم به مبضع المأساة ولو إلى حينٍ. من هنا نتغيا الإشارة المكثفة إلى أهم تجليات هذه الاستجابات التعليلية في المعلقة فيما ياتي:
أ- الناقة:
يقول طرفة:
وإنِّي لأمضي الهمَّ عند احتضاره: بعوجاءَ مرقالٍ تروحُ وتغتدي.
لقد وقف طرفة عند ناقته وقوف شحيحٍ ضاع في الترب خاتم؛ حيث تأنَّى في وصفها وبذَّر في الوصف مستعرضاً كل ما فيها؛ ليصطنع منها كائناً أسطورياً في خَلْقِه وقوته. إنَّ ناقة طرفة التي هي حقيقة ومجازٌ معاً، تعليلٌ يمثِّل أحد ظهورات القوة التي يستجلبها الشاعر ليدفع بها شبح المنية التي تداهمه خفيةً وبلا منطقٍ، الناقة تعويضٌ نفسيٌّ يتدثر بالخارق والعجائبي الذي يصنعه الشاعر على عينه وفق قدرته على الاستجابة الجمالية لاستفزازات المأساة؛ فهي ليست مجرد آلةٍ لإمضاء الهم العابر، وإنُّما هي معادلٌ موضوعيٌّ، وتعويضٌ قووي عن ضعفٍ مؤكد وهزيمة ماحقة أبدية.
ب- القوة والفروسية:
من الفيض ذاته، يتجلى التعليل القووي في معلقة طرفة؛ إذ هو الفتى المقصود عند نداء القوم، وهو الرجل الجعد الخشاش الذي يعرفونه، يقول في بيتين منفصلين:
إذا القومُ قالوا من فتى؟ خلتُ أنني: عُنيتُ فلم أكسلْ ولم أتبلدِ
... ... ...
أنا الرجلُ الضربُ الذي تعرفونه: خشاشٌ كرأس الحية المتوقدِ.
ويرتبط بالقوة الفروسية التي تتجلى في قوله:
وكرِّي إذا نادى المضافُ مجنَّباً: كسيد الغضا نبَّهتْه المتوردِ.
وقوله:
إذا ابتدرَ القوم السلاحَ وجدتني: منيعاً إذا بلَّت بقائمه يدي.
ج- اللذة:
ربما يكون الإمتاع أوالالتذاذ أهم ظهورات التعليل التي يحتمي بها الشاعر من خلال الانغماس فيها مندفعاً إليها بكل قواه النفسية والشعورية والأيروسية. في هذا الصدد تبرز الخمر، والمرأة معلمين كبيرين يستوعبان التوهج الشهوي لدى طرفة الذي يتعلل بالشربة الكميت، وبالمرأة البهكنة تحت الخباء المعمد، إنه كريم يروي نفسه في حياته مخافة الموت والفناء الذي يستوي فيه الناس كلهم. تأمل أبياته:
فمنهن سبقي العاذلات بِشَرْبةٍ: كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزبدِ
... ... ...
وتقصيرُ يومِ الدَّجنِ والدجنُ معجبٌ: ببهكنةٍ تحت الخباءِ المعمدِ
... ... ...
كريمٌ يروي نفسَه في حياتِه: ستعلمُ إن متنا غداً أيُّنا الصدي
د- الجرأة والتمرد:
طرفة فتًى جريء يتمتع بفطنةٍ وذكاء فطريين. لقد تكشف ذلك في واقعة "استنوق الجمل"؛ حين كان المسيب بن علس ينشد القوم وطرفة لا يزال غلاماً حاضراً فيهم؛ فلمَّا وصل المسيب إلى قوله:
وقد أتناسى الهمَّ عند احتضارِه: بناجٍ عليه الصيعرية مكدم.
قال طرفة: استنوق الجمل؛ اعتراضاً منه على خطأ المسيب الذي خلط بين الجمل والناقة؛ لأن الصيعرية قلادة تكون في عنق الناقة لا الناجي (الجمل) فغضب المسيب وقال: من هذا الغلام؟ فقالوا طرفة بن العبد. فقال: ليقتلنه لسانه، وقد كان كما تفرس فيه المسيب. إن وعينا بهذه الواقعة يمهد لواقعة أخرى كانت سبباً مباشراً في قتل طرفة، وهي مترعة بالجرأة؛ إذْ اعترض على ممارسة الملك عمرو بن هند معه هو وخاله المتلمس؛ فسخر منه بقصيدة منها بيته الذي يقول فيه:
فليتَ لنا مكانَ الملكِ عمرٍو: رغوثاً حول قُبَّتِنا تخورُ.
فالرغوث هي النعجة المرضعة التي لها خوار، وقد علم الملك بالقصيدة وساءه ما فيها؛ فدبر أمر مقتله وخاله على يد عامله في البحرين وعمان، فنجا المتلمس لمعرفته ما في رسالته بعد فض ختمها، ورفض طرفة فض خاتم رسالته فلقي حتفه. لقد كان طرفة مدركاً لجرأته، ومستمتعاً بها؛ لأنها تمثل له تعليلاً عن شيء من تأزمه؛ لذلك تراه يشمخ فاخراً بها:
ولكن نفى عنِّي الرجالَ جراءتي: عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي
لعَمْرُكَ ما أمري عليَّ بغمةٍ: نهاري ولا ليلي عليَّ بسرمدِ.
لكن تمرد طرفة يصل ذروته في صدامه مع العشيرة التي ظلمته، واستولت على ميراثه من أبيه، فاتخذت قراراً بإبعاده عنها لتمرده على أنساقها الاجتماعية الحاكمة. استغرق طرفة في اللذات حتى أنفق ماله تليداً وطريفاً في شرب الخمر، وكان هذا نوعاً من التعليل التعويضي عن مأساته التي تفاقمت بطرد العشيرة له:
وما زال تشرابي الخمورَ ولذتي: وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرةُ كلُّها: وأُفردتُ إفرادَ البعيرِ المُعبَّدِ.
إنَّ مثل هذه الظهورات التعليلية التي أشرنا إليها سريعاًعلى نحو ما سلف، إنَّما تتأتى كلُّها استجابةً دقيقةً لشعرية السؤال الذي تفجَّر في أعماق الفتى الجعد، وظلَّ يعتمل في فؤاده حتى أترع نفسه، ووعيه، وفكره؛ الشأن الذي فاقم المأساة؛ فاحتدم الشعور، لينفرج في أسطرة الناقة، وبذخ القوة والفروسية، ونزق الجرأة والتمرد. إن تجربة طرفة بن العبد البكري، هي تجربة الذات العربية في عنفوان فتوتها الجاهلية التي تلتصق بالمحسوسات، وتستجير من ألم الفقد باللذة رافضةً الاستكانة، والاستسلام، والضعف. لقد كان طرفة مستقْرِئاً لآلة الزمن، مستشرفاً مآلات الأيام؛ فعلم بها عِلْمَ من لا يستريب، وفطن لغدرها فطنة الألمعي الأريب. ولعلَّ هذا يفسر لنا نزوعه الحثيث إلى استحضار الرؤية في خطابه الشعري؛ حيث يتكرر فعل الرؤية إيجاباً وسلباً تسع مرات مع مرادفه مثل: "أشهد". فمن قبيل فعل الرؤية قوله: "أرى الموت، أرى العيش، فمالي أراني، أرى قبر نحام، أرى جثوتين، رأيت بني غبراء ...،" إنَّ الرؤية هنا ليست مقصورة على الإدراك البصري فحسب؛ وإنَّما تتمدد عميقاً إلى البصيرة الحاذقة بأنوارها العقلية، وإشراقاتها القلبية معاً. باشر طرفة رؤيته بمنطق المتمرد على تمترس النسق الاجتماعي، وعلى فقدان التسبيب المنطقي للحادثات ونتائجها؛ ليخلص إلى منهاجه في تفكيك المبهم، وكشف التعاظل، ورد الاختلالات إلى منطق المواجهة. كاد طرفة الفتيُّ في ذلك كلِّه، أن يكون شيخاً حكيماً ذا وِقارٍ وشيبةٍ، أو فيلسوفاً وجودياً مباشراً في خطابه؛ وكأنَّه يقول للإنسانية جمعاء قولة حقٍّ لا تقنع بقراءة الساعة؛ وإنَّما تُغوى بفك طلاسمها، ومعرفة أسرار دورانها الوجوديِّ والحياتيِّ. هكذا كان ختام المعلقة الذي هو في حقيقته، ختمٌ نهائيٌّ على رسالته في الحياة للناس أجمعين؛ وكأنَّه بيانٌ شديد اللهجة، ونافذ الإرادة؛ لعلهم يدركون هول الكارثة، وهوية الزمن فاضح الأخبار، وكلح الحقيقة العابسة:
أرى الموتَ أعدادَ النفوسِ ولا أرى: بعيداً غداً ما أقربَ اليوم من غدِ
ستُبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً: ويأتيك بالأخبارِ مَنْ لم تُزودِ
ويأتيك بالأخبارِ مَنْ لمْ تبعْ له: بتاتاً ولم تضربْ له وقتَ موعدِ.
بهذا الوعي النقدي، نصحب شاعر هذه المقالة بهويته الشعرية الفارقة. ولعلَّ الأحرار الصادقين من بني الإنسان الذين أدركوا مبكِّراً كُنْهَ الحياة والوجود في التجريب الشخصي، هم وحدهم مَنْ يُحبُّ "قتيلَ لسانِه"، أو"الغلام القتيل". إنَّه العشرينيُّ الموسوم بعمرو بن العبد بن سفيان البكري، ولقبُه "طَرَفَةُ"؛ ذاك النوع من الشجر المعروف بالأثل، قال ابن قتيبة في شأن شعريته: "هو أجود الشعراء قصيدةً، وله بعد المعلقة شعر حسن." وروى ابن سلَّام أن لبيداً بن ربيعة سُئِلَ: من أشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل، قيل: ثم من؟ قال: الغلام القتيل، قيل: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل، يعني نفسه."
أصدقك القول: لستُ حافلاً كثيراً بأحكام الشعراء تجاه بعضهم بعضاً؛ إذْ قد يداخلها المزاج، وتتعاورها آفة الحسد، ولستُ عابئاً بأقوال النقاد؛ حيث لا تسلم من هذا، ولا تبرأ من ذاك؛ مع إقراري بأهميةٍ ما تتبدَّى في سياقاتٍ عديدةٍ؛ إذْ إنَّ بعض هذه الأحكام قد يفتح كوةً يمكن النظر منها إلى تجاربهم؛ برغم إيجازها الشديد، واعتمادها كليةً على الذوق الارتجالي البدهي الذي عادةً ما يأتي استجابةً لتساؤلٍ مباغتٍ؛ فتكون الإجابة عنه حُكْماً نقدياً كفئاً للسؤال.
لكنِّي أحسب أنَّ الجدير بالاحتفال والاهتمام النقديين، هو مجابهة النصوص الشعرية ذاتها وجهاً لوجهٍ بلا وسائط قد تتخللها ضلالات دلالية تنحرف بها وبك عن المقاصد العليا للنص والتجربة. إن القمين بالرعاية النقدية، هو إمكان الاجتراح والاقتراح عبرالبحث عن أسئلة النصوص والتجاريب، والقدرة على التنقيب عنها، وإثارتها حيةً عفيةً كاشفةً عن فرض التأويل أو القراءة كما هو شأننا في صُحبة طرفة. علينا - إذاً - أن نثير إزاء المعلقة، تساؤلاً فحواه: كيف نقرأ طرفة؟ أي بالأساس: كيف نقرأ سؤاله الوجودي المهيمن؟ أو بالأحرى: بأية سُبُلٍ يمكننا أن نلامس نَبْعَتَه الشعرية الفوَّارة؟ وأنَّى لنا أن نميط اللثام عن قسطٍ من أسرارها، وما يعتمل فيها من غموض وجاذبية؛ حتى تنفتح أمامنا مغاليق التجربة، ونقف على كفاءتها العامة بالمفهوم الـ "تشومسكي" في اللسانيات العامة وما يعادله من كفاءةٍ أدبيةٍ في نقد الشعر؟ بعبارةٍ أخرى؛ فإنَّ مغزى التساؤل الرئيس الذي تنبني عليه المقالة، هو: ما الفيض الشعوري والرؤيوي الذي تصدر عنه شعرية طرفة برغم ظهوراتها المختلفة؟ وقصدنا من الفيض ليس المصدر النوراني أو الإلهامي فحسب، وإنما فوقه وأهم منه، كيف ينشط هذا الفيض المحتدم في النفس القلقة المأزومة؛ فيتحول سراً إلى فعلٍ محركٍ يمد التجربة بمائز حيويتها، وامتياز تفوقها على أقرانها؟
في هذا السياق، نأمل أن نتقرَّى على مهلٍ شيئاً من معلقة البكريِّ؛ ليس من حافة الشرح والتفصيل على نحو ما سلك الشُّراح قديماً، والنقاد حديثاً؛ وإنَّما وِفْقَ مأربنا في أن نَسْبُلَ سبيلاً أخرى حرجةً في حيزها؛ إذْ هي محض مقالةٍ عابرةٍ، وعميقةً في قصدها النقدي؛ من حيث تشاء مقاربة التجربة الطرفية مقاربةً تأويلية وميضةً؛ تتغيا إحكام السبر، وفرادة الكشف عن مولجٍ حصيفٍ؛ يُعين على إضاءتها، وفكِّ ألغاز وَضَاءتها الفاتنة؛ وذلك عبر "فاجعة السؤال" و"ظهورات التعليل" على نحو ما سيرد:
1- فاجعة السؤال: (هلْ أنتَ مُخْلِدي؟!!):
ظنِّي أن المدخل الأكثر دقةً ولياقةً لفهم معلقة طرفة؛ ومن ثَمَّ وعي تجربته الشعرية كلها؛ إذْ المعلقة هي المتن الأهم فيها بإطلاقٍ، هو إدراكنا سؤالها، ومدى مركزيته فيها، وكيف يتمدد ديناميكياً في آفاقها سراً وعلانيةً؛ بحيث يشكِّل فرضاً يمكنك أن تتأول التجربة في صميمها من خلاله؟ ولعلَّه حسنٌ لنا في البدء من هذه المعالجة، الإشارة إلى أن السؤال في حدِّ ذاته علامة سيميائية تقتضي طلب الفهم، وحصول المعرفة، وكمال التصور، ودقة الحكم وعمقه، لكنَّه - أيضاً - سَمْيَأةٌ تمور بدلالات مُوَارَّاةٍ تُفعم بالقلق، والشكِّ، والحيرة، السؤال الطرفي – نسبةً إلى طرفة – سؤال الفجيعة؛ من حيث يتفجر من أزمةٍ كبرى بحجم الحياة في إلغازها، والوجود في إعضاله؛ بما في طياته من نثريات جزئية تتعلق بالحبيبة، العشيرة، القبيلة التي ظلمته: "وظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهند"، وكذلك المجتمع كله، إلى أن تتمدد وسيعاً لتشمل الإنسان في منتهاه، والوجود في إطلاقه. إن سؤال طرفة في حقيقته، هو سؤال المحنة المدلهمة، والدويهية التي تصفرُّ منها الأنامل، إنَّه مبعث الأرق والقلق الممضين؛ لذلك ليس سؤال طرفة محض استفهام عَابرٍ، ولا طلب فهمٍ عاجلٍ كبقية الأسئلة، وليس كسؤال أبي الطيب المتنبي الشهير في رحلته إلى ممدوحه الذي يحبه حين قال بيتيه الشهيرين:
نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ: أقصيرٌ طريقُنا أم يطولُ
وكثيرٌ من السؤالِ اشتياقٌ: وكثيرٌ من ردِّه تعليلُ.
فسؤال المتنبي نابعٌ من الشوق والافتتان؛ إذْ يتكئ على حُرقة الوجد، وتَعَجُّلِ اللقاء، أمَّا سؤال طرفة فشأنٌ آخر، ورؤية مغايرة، إنه سؤال المعضلة الوجودية الكؤود، وهو بذلك يكشف كالحاً عن فظاظة المواجهة، وعجز التحدي والمقاومة؛ وبه يتفصَّد السؤال حسرةً والتياعاً، ويُترعُ تأزماً وقلقاً. لقد مارت الذات الطرفية واحتدمت حتى أقصاها؛ لينبثق عنها سؤالها الذي هو سؤال البشرية كلها: "هل أنتَ مخلدي؟" وتقرِّي السؤال في تؤدةٍ، لا يكشف عن طلب إجابةٍ تفتض تعاظل الأزمة، وتفكك حبائلها الشيطانية المتمترسة، ولكنَّه سؤال العارف بيقين استحالة حسم النزاع، وعدم إمكان الخلوص فيه إلى قول يشفي الغلة، ويُذهب الظمأ النفسي الذي يفترس الذات ليل نهار خوفاً من مأساة المصير المحتوم. إنَّه فيما نرى، محض سؤالٍ حجاجي، قفزإلى الواجهة الكلامية في معرض اللوم، وحومة المنازعة والخصومة؛ فكأنِّي بطرفة قد شاء حسم المنهج، واصطفاء الفلسفة والرؤية اللتين هما اختيارٌ شخصيٌّ بصيرٌ يفتضُّ به خصومته مع قومه، ويفكك به تأزمه الحياتي والوجودي معاً. من هنا أقترح أن يكون مولج قراءة طرفة في تجربته عبر هذا السؤال ومن خلال سياقه في هذين البيتين:
ألَا أيُّهَذا الزاجري أحضرَ الوغى: وأنْ أشهدَ اللذاتِ هل أنت مخلدي؟!
فـــإنْ كنـــتَ لا تستطيعُ دفـــعَ منيَّتي: فــدعني أبــادرْها بما ملكتْ يدي.
إنَّ تأمل البيتين يبيِّنُ احتدام الموقف، وتفاقم الأزمة، غير أن الجدير بالتقرِّي هو الخطاب الذي يمثِّل أمثولة الوعي الطرفي، وهو خطاب حجاجٍ قائم على استدلال استقرائي يُضمر في طيات السؤال: هل أنت مخلدي؟! بما فيه من وخزٍ وتوبيخٍ وسخريةٍ واستنكارٍ. إنَّ لك أن تنتبه إلى صدر البيت؛ حيث انتصاب أداة التنبيه "ألا" في فوهته؛ وكأنَّها إشارة حاسمة في ضرورة اليقظة، ومطلق الانتباه لأهمية ما سوف ألقيه عليك من خطابٍ مُسَائِلٍ ومحاججٍ. التنبيه في الصدارة، هو في صميمه، طلب حضور ذات المخاطب بكل جوارحها، ووضعها موضع الاستعداد الحيوي لتلقي مسؤولية الكلام؛ لكأنِّي بي أعي بها سيميائياً عبر انتصاب ألفين إلى الأعلى في بدئها ومنتهاها، أنَّ طرفة يصرخ في وجه زاجره أن: انظر إليَّ!! من ثَمَّ فالتنبيه بكمال سيميائه الإشارية، نزوع إجرائي صوب تمام إدراك الموقف برهافة إصغاءٍ، وحسن تأتي لِعِظَمِ الكُلْفَةِ وخطورة القرار بطرح السؤال الحاسم؛ لذلك تتمدد إشراقات التنبيه دلالياً فيما بعده؛ أي إلى أداة النداء "أي" واسم الإشارة "هذا" الذي يشير إلى الزاجر أو اللاحي، أواللائم حسب الروايات المختلفة للبيت، وهي كلمة مركزية؛ من حيث قدرتها الدلالية على تحديد هوية الموقف، ومائز الخطاب، وأطراف الصراع فيه بين الشاعر والمخاطب. لكن دلالة البيت تتنامى تصاعدياً عبر فعلين: أحضر، أشهد مسندين إلى فاعل واحدٍ هو الشاعر ثم يتناقض التركيب الجملي والدلالي في المكملين المفعولين بهما: الوغى (الحرب، أو صوت السيوف في الحرب)، واللذات؛ إذْ هما على طرفي نقيض؛ بما يحدثه ذلك من تقاطب دلالي يضيء بعضُه بعضاً. لكن الأهم من ذلك كلِّه، وبعد أن استعرض الشاعر ممارسات الحياة في تناقضاتها القصوى، هو انفجار السؤال في وجه زاجره: هل أنت مخلدي؟!! وهو يعلم علم يقينٍ أنه لن يستطيع تخليده، ولا تخليد ذاته لاستحالة الأمر الذي ثبت عبر استقراء تاريخ الإنسان مذْ خلقه الأول. البيت كلُّه حيثية دامغة في معرض الخلاف اللجب، وهو مقدمة منطقية استنباطية بامتياز تؤهل لاستنتاج أهم، وهو مربط الفرس في النص كلِّه؛ ومغزاه أنه ما دمتَ غير قادرٍ على دفع الموت والهلاك عنِّي، فدعني أتول شأني بنفسي وِفْقَ فلسفتي في الحياة، وحسب إدراكي للوجود. إن وعينا بكلمة "المنيَّة" في البيت الثاني لا تفضي بنا إلى الموت والهلاك وكفى؛ فهذا المعنى الظاهر، لكن الكلمة في سريرتها، تخفي القدرة المطلقة، وتضمر الجبروت، والقهر، والغصب، والهجوم الشرس، والمفاجأة، والخلسة، وكل طرائق الموت العجيبة الأليمة...، المنية كلمة جامعة لدلالات سلبية معتمة جمَّةٍ؛ يفاقمها التخييل الاستعاري عبر التشخيص الذي يجعل من الموت سلطان السلاطين، وإله الألهة، فلا ردَّ له، ولا قدرة عليه؛ حين ينشب أظفاره في فريسته فلا تُجدي معه التمائم والتعاويذ على نحو ما جسَّده بعبقريته الفذَّةِ في مأساته الاستثنائية، أبو ذؤيب الهذلي في فاجعة موت أبنائه حين قال:
وإذا المنيَّةُ أنشبتْ أظفارَها: ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ.
إن إدراكنا لفحوى عدم الاستطاعة على الدفع، ولرغبة الشاعر في المبادرة، بالغ الأثر في التدليل على قرار الحسم بالمواجهة الإيجابية التي تعتمد القوة والقدرة والانغماس في اللذات حتى الثمالة. المشكلة الحقيقية ليست في مجرد السؤال، السؤال فوهة المدفع فقط؛ فيما وراءها بَرُوْدٌ كثيفٌ، إنَّه أثرٌ أو تمظهرٌ كاشفٌ عن شيءٍ أكبر منه؛ لعلَّه الوعي الحاد بأزمة المصير الإنساني الذي ينضوي تحته طرفة حتماً. الإشكالية كلها في عبثية هذا المصير، وفقدانه المنطق في العصر الجاهلي؛ لذلك كان وعي طرفة بالقضية مأزوماً إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ، ولعلَّ واحداً من عوامل الحدة في الوعي والاحتدام النفسي، راجعٌ إلى مرحلة الشباب والفتوة؛ حيث الشاعر في عشرينياته من العمر؛ فكأنَّ بذخ القوة الذي استجلب اللذة، واستغرق في اللهو، هو ذاته ما استدعى نقيضه الذي سيتكفل، مع الزمن، بهدمه ونقضه من خلال قدرته العجيبة الغريبة. هكذا يمكننا أن نستوعب هذه القدرة الصياغية الفذَّة لتصور الموت عند طرفة:
أرى الموتَ يعتامُ الكرامَ ويصطفي: عقيلةَ مالِ الفاحشِ المُتشددِ
أرى العيشَ كَنْزَاً ناقصاً كلَّ ليلةٍ: وما تنقصُ الأيامُ والدَّهرُ ينفدِ
لَعَمْرُك إنَّ الموتَ ما أخطأ الفتى: لكالطَّولِ المُرْخى وثنياه في اليدِ
متى ما يشأْ يوماً يقدُه لحتفِه: ومَنْ يكنْ في حبلِ المنيَّةِ ينقدِ.
النص الطرفي قارئٌ أمينٌ حصيفٌ للوجود، وللزمن، وللمصير، ليقودك عبر ذلك كلِّه، إلى فداحة المأساة؛ الشأن الذي يجعل الشاعر يتفجر أسئلةً متحرقةً ومترعةً بالعجب والاستنكار:
فمالي أراني وابنَ عمي مالكاً: متى أدنُ منه ينأَ عنِّي ويبعدِ؟
يلوم! وما أدري علامَ يلومني؟!: كما لامني في الحي قُرْطُ بنُ معبدِ.
إنَّ قراءة الشعر في الأساس، هي محاولة جريئة تراهن على اكتشاف سؤاله، وسبر مراميه، وقراءة مقاصده العليا. السؤال هنا، هو معتور الشعرية في النص، وهو فيضها الذي تفيض عنه، وترتشف منه إلهاماتها، وأنوارها الوضيئة الباهرة. وظنِّي أن سؤال معلقة طرفة الذي يقف خلف كل تمظهراتها الشعرية، هو سؤال المأساة الوجودية للمصير الإنساني المحتوم؛ ذاك الذي تتحطم على عتباته كل الأماني، وتندثر فيه كافة الطموحات، وينعدم معه الخلود، ويتبجح الفناء والعدم. ولعلَّ هذا ينقلنا إلى ظهورات التعليل في الفقرة القادمة.
2- ظهورات التعليل:
تكاد معلقة طرفة مذْ مطلعها الطللي، تموج بحركة غيابٍ يتنامى رويداً رويداً بدءاً بدراما الأطلال وما تشفه عن بقايا الحياة الغائبة، مروراً بالرحلة الموغلة في مهلكة الصحراء، وهي ضربٌ من الغياب، وصولاً إلى غيابه عن العشيرة والقبيلة التي تحاشته وأفردته إفراد البعير المعبد بفعل ظلمها له، إلى أن تستغرق في الغياب المطلق، وهو الغياب الوجودي بفعل الموت ومأساته الباذخة.
من هذه الحافة، يمكن أن نستشعر حيثية الأزمة التي انهار أمامها الشاعر في بدء النص؛ فيما أصحابه يشدُّون أزره قائلين: لا تهلك أسًى وتجلدِ:
لخولةَ أطلالٌ ببرقة ثهمدِ: تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ
وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهم: يقولون لا تهلكْ أسًى وتجلدِ.
يضعنا طرفة وجهاً لوجهٍ أمام قضيته بكل إشكالياتها التي ستتجلى لاحقاً في المعلقة؛ وكأنَّه بهذا المبتدأ، يُحيِّثُ لمشروعه الشعري والرؤيوي والوجودي في آنٍ؛ ذلك أننا نزعم أنَّ الغالبية العظمى من المعلقة، تتجلى كاستجابات تعليلية للسؤال المركزي الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة. فإذا كانت الأطلال تمظهراً لغياب مؤقتٍ أو جزئيٍّ، فإنَّ القصيدة تنطلق منه إلى غياهب غياب مطلق يحققه الموت فناءً وعدماً. وهذا الإدراك الرهيف لحافات المأساة ولجوهرها، هو ما حمل الشاعر حملاً على الاستجابات المختلفة التي تلائم تفكيكاً مؤقتاً لهذه المعضلة؛ وبه يشكِّل السؤال كفاءة الشعرية؛ فيما يمثِّل النص التمظهر الجمالي الذي ينهض عبر فقراته المتنوعة، بدور التعليل الذي تندمل معه جراحات الوعي، ويثلم به مبضع المأساة ولو إلى حينٍ. من هنا نتغيا الإشارة المكثفة إلى أهم تجليات هذه الاستجابات التعليلية في المعلقة فيما ياتي:
أ- الناقة:
يقول طرفة:
وإنِّي لأمضي الهمَّ عند احتضاره: بعوجاءَ مرقالٍ تروحُ وتغتدي.
لقد وقف طرفة عند ناقته وقوف شحيحٍ ضاع في الترب خاتم؛ حيث تأنَّى في وصفها وبذَّر في الوصف مستعرضاً كل ما فيها؛ ليصطنع منها كائناً أسطورياً في خَلْقِه وقوته. إنَّ ناقة طرفة التي هي حقيقة ومجازٌ معاً، تعليلٌ يمثِّل أحد ظهورات القوة التي يستجلبها الشاعر ليدفع بها شبح المنية التي تداهمه خفيةً وبلا منطقٍ، الناقة تعويضٌ نفسيٌّ يتدثر بالخارق والعجائبي الذي يصنعه الشاعر على عينه وفق قدرته على الاستجابة الجمالية لاستفزازات المأساة؛ فهي ليست مجرد آلةٍ لإمضاء الهم العابر، وإنُّما هي معادلٌ موضوعيٌّ، وتعويضٌ قووي عن ضعفٍ مؤكد وهزيمة ماحقة أبدية.
ب- القوة والفروسية:
من الفيض ذاته، يتجلى التعليل القووي في معلقة طرفة؛ إذ هو الفتى المقصود عند نداء القوم، وهو الرجل الجعد الخشاش الذي يعرفونه، يقول في بيتين منفصلين:
إذا القومُ قالوا من فتى؟ خلتُ أنني: عُنيتُ فلم أكسلْ ولم أتبلدِ
... ... ...
أنا الرجلُ الضربُ الذي تعرفونه: خشاشٌ كرأس الحية المتوقدِ.
ويرتبط بالقوة الفروسية التي تتجلى في قوله:
وكرِّي إذا نادى المضافُ مجنَّباً: كسيد الغضا نبَّهتْه المتوردِ.
وقوله:
إذا ابتدرَ القوم السلاحَ وجدتني: منيعاً إذا بلَّت بقائمه يدي.
ج- اللذة:
ربما يكون الإمتاع أوالالتذاذ أهم ظهورات التعليل التي يحتمي بها الشاعر من خلال الانغماس فيها مندفعاً إليها بكل قواه النفسية والشعورية والأيروسية. في هذا الصدد تبرز الخمر، والمرأة معلمين كبيرين يستوعبان التوهج الشهوي لدى طرفة الذي يتعلل بالشربة الكميت، وبالمرأة البهكنة تحت الخباء المعمد، إنه كريم يروي نفسه في حياته مخافة الموت والفناء الذي يستوي فيه الناس كلهم. تأمل أبياته:
فمنهن سبقي العاذلات بِشَرْبةٍ: كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزبدِ
... ... ...
وتقصيرُ يومِ الدَّجنِ والدجنُ معجبٌ: ببهكنةٍ تحت الخباءِ المعمدِ
... ... ...
كريمٌ يروي نفسَه في حياتِه: ستعلمُ إن متنا غداً أيُّنا الصدي
د- الجرأة والتمرد:
طرفة فتًى جريء يتمتع بفطنةٍ وذكاء فطريين. لقد تكشف ذلك في واقعة "استنوق الجمل"؛ حين كان المسيب بن علس ينشد القوم وطرفة لا يزال غلاماً حاضراً فيهم؛ فلمَّا وصل المسيب إلى قوله:
وقد أتناسى الهمَّ عند احتضارِه: بناجٍ عليه الصيعرية مكدم.
قال طرفة: استنوق الجمل؛ اعتراضاً منه على خطأ المسيب الذي خلط بين الجمل والناقة؛ لأن الصيعرية قلادة تكون في عنق الناقة لا الناجي (الجمل) فغضب المسيب وقال: من هذا الغلام؟ فقالوا طرفة بن العبد. فقال: ليقتلنه لسانه، وقد كان كما تفرس فيه المسيب. إن وعينا بهذه الواقعة يمهد لواقعة أخرى كانت سبباً مباشراً في قتل طرفة، وهي مترعة بالجرأة؛ إذْ اعترض على ممارسة الملك عمرو بن هند معه هو وخاله المتلمس؛ فسخر منه بقصيدة منها بيته الذي يقول فيه:
فليتَ لنا مكانَ الملكِ عمرٍو: رغوثاً حول قُبَّتِنا تخورُ.
فالرغوث هي النعجة المرضعة التي لها خوار، وقد علم الملك بالقصيدة وساءه ما فيها؛ فدبر أمر مقتله وخاله على يد عامله في البحرين وعمان، فنجا المتلمس لمعرفته ما في رسالته بعد فض ختمها، ورفض طرفة فض خاتم رسالته فلقي حتفه. لقد كان طرفة مدركاً لجرأته، ومستمتعاً بها؛ لأنها تمثل له تعليلاً عن شيء من تأزمه؛ لذلك تراه يشمخ فاخراً بها:
ولكن نفى عنِّي الرجالَ جراءتي: عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي
لعَمْرُكَ ما أمري عليَّ بغمةٍ: نهاري ولا ليلي عليَّ بسرمدِ.
لكن تمرد طرفة يصل ذروته في صدامه مع العشيرة التي ظلمته، واستولت على ميراثه من أبيه، فاتخذت قراراً بإبعاده عنها لتمرده على أنساقها الاجتماعية الحاكمة. استغرق طرفة في اللذات حتى أنفق ماله تليداً وطريفاً في شرب الخمر، وكان هذا نوعاً من التعليل التعويضي عن مأساته التي تفاقمت بطرد العشيرة له:
وما زال تشرابي الخمورَ ولذتي: وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرةُ كلُّها: وأُفردتُ إفرادَ البعيرِ المُعبَّدِ.
إنَّ مثل هذه الظهورات التعليلية التي أشرنا إليها سريعاًعلى نحو ما سلف، إنَّما تتأتى كلُّها استجابةً دقيقةً لشعرية السؤال الذي تفجَّر في أعماق الفتى الجعد، وظلَّ يعتمل في فؤاده حتى أترع نفسه، ووعيه، وفكره؛ الشأن الذي فاقم المأساة؛ فاحتدم الشعور، لينفرج في أسطرة الناقة، وبذخ القوة والفروسية، ونزق الجرأة والتمرد. إن تجربة طرفة بن العبد البكري، هي تجربة الذات العربية في عنفوان فتوتها الجاهلية التي تلتصق بالمحسوسات، وتستجير من ألم الفقد باللذة رافضةً الاستكانة، والاستسلام، والضعف. لقد كان طرفة مستقْرِئاً لآلة الزمن، مستشرفاً مآلات الأيام؛ فعلم بها عِلْمَ من لا يستريب، وفطن لغدرها فطنة الألمعي الأريب. ولعلَّ هذا يفسر لنا نزوعه الحثيث إلى استحضار الرؤية في خطابه الشعري؛ حيث يتكرر فعل الرؤية إيجاباً وسلباً تسع مرات مع مرادفه مثل: "أشهد". فمن قبيل فعل الرؤية قوله: "أرى الموت، أرى العيش، فمالي أراني، أرى قبر نحام، أرى جثوتين، رأيت بني غبراء ...،" إنَّ الرؤية هنا ليست مقصورة على الإدراك البصري فحسب؛ وإنَّما تتمدد عميقاً إلى البصيرة الحاذقة بأنوارها العقلية، وإشراقاتها القلبية معاً. باشر طرفة رؤيته بمنطق المتمرد على تمترس النسق الاجتماعي، وعلى فقدان التسبيب المنطقي للحادثات ونتائجها؛ ليخلص إلى منهاجه في تفكيك المبهم، وكشف التعاظل، ورد الاختلالات إلى منطق المواجهة. كاد طرفة الفتيُّ في ذلك كلِّه، أن يكون شيخاً حكيماً ذا وِقارٍ وشيبةٍ، أو فيلسوفاً وجودياً مباشراً في خطابه؛ وكأنَّه يقول للإنسانية جمعاء قولة حقٍّ لا تقنع بقراءة الساعة؛ وإنَّما تُغوى بفك طلاسمها، ومعرفة أسرار دورانها الوجوديِّ والحياتيِّ. هكذا كان ختام المعلقة الذي هو في حقيقته، ختمٌ نهائيٌّ على رسالته في الحياة للناس أجمعين؛ وكأنَّه بيانٌ شديد اللهجة، ونافذ الإرادة؛ لعلهم يدركون هول الكارثة، وهوية الزمن فاضح الأخبار، وكلح الحقيقة العابسة:
أرى الموتَ أعدادَ النفوسِ ولا أرى: بعيداً غداً ما أقربَ اليوم من غدِ
ستُبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً: ويأتيك بالأخبارِ مَنْ لم تُزودِ
ويأتيك بالأخبارِ مَنْ لمْ تبعْ له: بتاتاً ولم تضربْ له وقتَ موعدِ.