محمد محمود غدية - العزف على وتر الغياب

لا بد من القفز خارج حدود المألوف والعادى، فى مراقبة الطيور السابحة فى الفضاء الرحب، الزمن وحده يأخذنا إلى عوالم مدهشة، أشبه بقطار يمكن تأخير إقلاعه، وإبطاء سيره بعض الوقت، قد يتوهم البعض أن لديه القدرة على إيقاف سيره، لكنها الحياة التى لا تتوقف، تسير بنا وفق مقدرات لا نملكها،
أمام مرآة مذهبة هدية شاعرها، وقفت تتآمل جفنيها المغلقين، مثل سحابتين على قمرين متعبين، كم تغزل فيهما شاعرها الذى أحبها، ومازال ينزف شعرا فى غيابها المفاجئ والصادم، مع عريس جاهز رحبت به أسرتها التى لم تتكلف شيئا فى جهازها سوى شنطة سفر لا غير، وتتبعه مثل طائر مكسور الجناح لا يقوى على الطيران لبلاد الثلج والصقيع،
إمرأة فى عداد الموتى، لأنها لا تعيش الحب،
مثل حبة رمل وحيدة فى صحراء شاسعة، إفتقدت أشعاره الرقيقة وسمرته المدفئة للروح، كالبطاطا والذرة المشوية، تنفض قطرات الثلج من فوق معطفها، وهى جالسة فوق مقعد بارد فى حديقة تخفف روادها، يلفها الصقيع والثلج، والليل المندى برائحة مطر قادم من بعيد، تخالطها رائحة البن وقرقعة النرد وزهر الطاولة وجلبة المقهى، وأغانى محمد منير، الذى يعشقه شاعرها الذى يعيش بنصف قلب وبقايا حلم لم يكتمل،
بعد أن أقام لها فى قصائده معبدا للجمال، وجواز سفر إلى مدن العشق، مأسورا بعينيها التى تشبه البحر زرقة وصفاء، تشتد كثافة الظلمة،
الغيوم تحجب النجوم والقمر، وحدها تمضغ الآسى والغياب، الإعياء يطبق على قلبها الموجوع، تخرج من الحديقة تتبعها موسيقات جنائزية، وصخب المقهى وكلمات شاعرها :
حبيبتى لا تغيبى .. وغابت .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى