ميس الرازم - الأقحوانة..

الطريق تنتزع مني بصري الطويل وتطيل امتداده باتجاه الخضرة والسهول، وأحس بأنفاسي تتلاحق، تود لو تتكاثر وتندمج انصهاراً مع جمال الطريق وروعة الصباح الربيعي، وكأن ذرات بيضاء يعلوها احمرار حيوي من الدم الساخن في الرئتين تتغنى بسرية التراب ذلك الغاطس في لوعة المطر الكامن في تلا فيف الانحناءات الشجرية وربما البشرية، وتلك المساحات الفراغية العابقة بالعشب الندي ........ !

فتحت النافذة بهدوء الطقس الربيعي الرطب وصوبت الكاميرا الديجيتال باتجاه الغرب، كأنني التقط خارطة المغتصب النازف بعين الوجع المستدير في فوهة الكاميرا !

أخفيت عين الكاميرا الدامعة بشوقها وحنينها عن مرآة السائق المتحركة يمنة ويسرة حيثما اتجهت، وبهدوء تسلل الهواء النقي المنساب في خصلات شعري المتطايرة بسلاسة على وجهي، أرجعت الصورة في كادرها وتأملت المشهد النابع بتكبير واضح في عين الكاميرا....!

يا للهول ... إنها اقحوانة !

أقحوانة...... ؟

أكل هذا الكادر الواسع وعين الكاميرا تأخذ فقط اقحوانة ؟ وأين الفضاء والغابات والأشجار والأشواك والجبال والتلال والوديان والسماء والغيوم البيضاء التي أراها الآن ؟؟ وأين تلك المساحات الخضراء الوارفة أمامي كأنها جنات من التدرجات الفنية في قلب عمارة الجغرافيا الحية ؟
اقحوانة ؟؟ وصفراء لا شية فيها ؟؟ ورحت ابحث في الطريق بعيني عن بروز صفار بين الأخضر عساني لا أزعج السائق واطلب إليه التوقف خلال ازدراد الإسفلت لأزيز إطارات سيارته المتسارعة .

عدلت جلستي الجانبية وتطلعت إلى الهواء إياه سارحة في خمس سنوات من الانسياب اليومي على تلك الطريق الوادعة !
وادعة ؟

نعم وادعة ... ! إلا من رحم ربي من الطائشين هؤلاء حتى امتلأت بالدموع والوداع فاستبدلت الوداعة بالوداع !!
رباه ... ! وتلك الشقائق المتفرعنة بقلوبها السوداء والمتراقصة على خضرة الربيع، كأنها تجهش بالبكاء وتعلن الحداد العميق في القلب، على أصدقاء من نفس طريق الجامعات، توقفوا هنا طويلاً ولم يتسن لهم الوصول بأحلامهم ! فحطوا رحالهم وسكنوا هنا على هذه الطريق إلى أن يشع الضوء ليلاً بين صرير العجلات واصطكاك ركب السائقين المتهورين، ويرفع قبعاته حزناً على الشباب الكامنين بين الصخور وفي اكفهم شهاداتهم التي انتظروها بحب وانطلاق وغناء ليوم التخرج الكبير ! لطموحاتهم التي أزفت ساعاتها ومعها الرحيل !

تتسارع الإطارات على الطريق وأنا اطلب من السائق الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والتمهل... ! فانا أرى تحت العجلات تربة خصبة تحنو على بذورها المخبوءة ! ربما هي لأصدقاء لنا ما زالوا يتوقفون على الطريق حاملين الكتب الجامعية وبعض المشاريع المحمولة في القلوب والتعب والسهر، ويرفعون اكفهم بالدعاء للسماء بالنجاح ! ربما هم يتوقفون الآن بين شجيرات منحنية أمامي خلف أشجار الصنوبر، ينتظرون حافلة أفضل من السابقة، وسائقها أكثر إحساسًاً بالخضرة في عيون الشباب ! وفي عيون الطريق الربيعي الخلاب !.

لله در هذا الطريق ما أجمله ! ولله ما أروع الرائحة المنبعثة إلى فم النافذة بعبير الربيع في وطني الصغير ! وبعض ألوان الاحمرار من شقائق النعمان التي تهب موزعة سوادها المرصود في قلب الدحنونة على بياض الأرواح الساكنة في أطراف الطريق !

يا له هذا السواد.. كأنه الدمع والحداد !

تتناثر أوراق الدحنونة الشفافة لشدة الرياح، وتلتصق إحدى الوريقات بزجاج النافذة فتظهر وكأنها قبلة مشقوقة الشفتين تأبى النزول، فأخشى من فتح النافذة وأخشى من تحريك الزجاج، يا لها من قبلة طارت بسرعة توافد النسمات إلى زجاج نافذتي أنا وليست نافذة السائق !

يا رب.... ! هل لا بد من طريق متعرج مملوء بالدموع لنرى شقائق النعمان وقد فتحت بلون الدم !؟

والسيارة تتهادى أمام قفقفا في سهل ممتد بالراحة على اكف التراب المبلول بالندى !

ماذا تريد تلك الوريقة الحمراء ؟

إلى اليمين يا عم.. !

ليتك تتوقف بضع ثوان فقط !

لا وقت يا ابنتي، فالركاب الذين ينتظرونني سأتأخرعليهم !

ثانية يا عمي.. !

أتريدين أن تنزلي لالتقاط الصور ؟

لا .. سألتقط الصور غداً حينما احضر مع والدتي لهذه المدينة، فالربيع يحتاج لوقت ومزاج وتداعيات للذكريات !

لا أفهم والله يا ابنتي ! ماذا يعني كلامك ؟

أعني يا عم ... أنني لن أزعجك لأكثر من التوقف لثانية أريد أن.... !

يا ابنتي ... الثانية تعني لي الكثير في السواقة على هذا الطريق وأنا رجل أسارع الثواني كما تعرفين، فأنت قلت لي بأنك درست في جامعة العلوم والتكنولوجيا وبناءً على ذلك طلبت مني أن انزل لإربد بدون ركاب بسبب سرعتك وحاجتك للسفر لهذه المدينة التي فيها درست !

هون عليك يا عم وتوقف فقط للحظة.

الأفضل لك أن تصلي جامعتك التي تخرجت فيها وتستعجلي !

السرعة لن توصلني يا عم رويدك !

الورقة تلتصق وتتكور كأنها شفة لفتاة شابة في عمر الزهور تطبع قبلتها على خدي شوقاَ، وسؤالاً عني ! والوريقة تتحول من شفة واحدة مع الريح إلى شفتين !

والسائق يرفض التوقف وينهب الأرض والطريق الجميل الرومانسي بسرعة الخوف في قلب جندي في جبهة الهزيمة !

إنه يتجاوز المركبات، ويزدوج مع المركبات الكبيرة . إنه أيضا يميل ذات اليمين وذات الشمال، والطريق واسع فيه روعة وسكينة !

أواه ... ! ما سبب هذا التلوي والتجاوز والانحناء ؟

يا عم .. !

نعم

الطريق جميل وواسع والفضاء ندي يا عم ! فلماذا الألعاب البهلوانية يا عم ؟

ضحك وقهقه ... ورد علي قائلاً : إنها متعة قيادة السيارات يا عم !

تقصد مسابقة الموت يا عم !

فال الله ولا فألك يا ابنتي !

ولكن الدماء ما زالت طرية على زجاج النافذة.. !

دماء ؟

نعم يا عم فأرجوك توقف للحظة !

أزاح المقود يميناً بسرعة كأنه يسابق الريح وغطس في الطين على اليمين !

تمايلت على المقعد والتويت، والوريقة تتكون من جديد وبصري يتشبث بها على الزجاج !

انزلي يا ابنتي !

لا عليك يا عم !

سآخذها عن الزجاج

من هي التي تأخذينها عن الزجاج ؟

أحبت الطريق كثيراً ... ! ورسمته في مشاريعها الجمالية في العمارة !

................... الطريق عريض .. سهل ومريح ولو كنت سائقاً لجعلت منه متعة سفري وموئل تأملي في الربيع !

الوريقة اختفت فجأة ولم يبق لها أثر، وقد تلمست الرسمة المنقوشة كالوشم على الزجاج فابتلت أصابعي بالندى في نفس المكان ! تذوقت أصابعي بشفتي فكانت بنفس نكهة الدموع ..... فيها ملوحة !

رجعت إلى مقعدي في السيارة والسائق يشعل سيجارته بحنق وينظر إلى ساعته ويتململ وربما يخطط للتعويض عن الثانية بستين ثانية !

كان بإمكانك أن تأخذي تاكسي بدل أن تستأجري سرفيس من العبدلي بدون ركاب !

نزلت في الطين والهواء العليل يصيب مني الجبين، وأنا أهمس ما أروع الطريق !

كانت تحب هذا الطريق .... ورسم شقائق النعمان في كل مكان وكانت لوحاتها التعبيرية دائماً عن إربد وجمال الطريق ! ما زالت لوحاتها في مرسمي تعبر الطريق المحاط بالشقائق والنوار والأقحوان.

كانت جميلة متفوقة ممشوقة القوام، شعرها الكستنائي الطويل الأملس يحمل نواة الوطن في بصيلاته النابتة على أرض من الخضرة والسمرة في بشرتها الأردنية الطازجة !

سكنت لبنى في نفس المنطقة بين الأشجار ... حيث روت الدماء من وجهها الجميل ربيع الشمال بعد أن رفض السائق الامتثال للهدوء في سرعته المجنونة ! قالوا لي : تناثرت أوراقها ودراستها عن حسن فتحي ! الذي كانت معجبة به لتشيد البيوت في بلادها من نظريته المعمارية ! ظلت أوراقها تتطاير على الأرض وظلت ترفرف لفترة من الزمن على الطريق قبل أن يأتي المطر وينقعها في التراب !

! وظلت تشير بيديها إلينا كل صباح تود اللحاق بنا لحضور المحاضرة في ذلك الصباح الجميل، ويوم حفل التخرج الذي كان بدونها، وضعت صورتها محاطة بأزهار الأقحوان،فقد كانت دوماً تنادي مدينة إربد بزهرة الأقحوان وترسمها على شاشة الكمبيوتر !

ترسم الأقحوان وتضعه على زجاج النافذة، وتطلق النكتة خلال تعطل الكمبيوتر.

تلصق الصور لإربد التي أحبتها وتقول : ( تلك هي شاشة الكمبيوتر ) يا بنات ! وتلصق قبلة لنا في الصباح فيأتي الدكتور المحاضر ليسأل من هو هذا المشاغب الذي لا يستطيع رسم المشروع فرسم حبة جوافة ؟

فنضحك كلنا إلا هي... ! ليقول لها عرفتك يا لبنى يا شقية العمارة !

لبنى...... ! أنا هنا اليوم ...... حضرت من الولايات المتحدة وقد تخرجت برسالة الماجستير من فرجينيا وجئت إلى إربد لازور جوهرة الجامعات ... لبنى .... !

السيارة تنهب الطريق ....... والطريق واسع أخضر بلون الجنة الموعودة في وصولي ... والأرض تفوح منها روائح العشب الندي الغاطس في الطين الرطب .. ورائحة التراب تفتح خياشيمي بسيل الدموع والشوق ! وأنا أعيد فتح عدسة الكاميرا... أتأمل الأقحوانة التي تملأ الكادر !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى