جوهر فتّاحي - قراءة في فلسفة كورت غوديل والعالم المادّي

"لكل سؤال جواب".. هذه المقولة المتفائلة تبدو خاطئة للأسف.

لقد اِهتم كورت غوديل بهذه المسألة منذ الثّلث الأوّل من القرن العشرين وأثبت أنّ لكلّ نظريّة قصورا وحدودا بحيث لا بدّ أن تحتوي على أسئلة لا يمكن الإجابة عنها من داخل النظريّة، أي لا يمكن إثباتها أو دحضها، ولمحاولة فعل ذلك لا بدّ من اللّجوء إلى نظريّة أخرى مغايرة تماما والخروج من الأولى. وهذا يخلق متتابعة غير منتهية من الأسئلة والنّظريات ينتج عنه بالضرورة أسئلة تبقى غير مجاب عنها. وقد فصّل ذلك، على مرحلتين، في ما يعرف بمبرهنتي عدم الاكتمال (Théorèmes d'incomplétude de Gödel).

عدم الكمال حدس فطري، لكنّ الكمال كان دائما أملا معرفيّا يراود العلماء على مدى قرون، غير أنّه تحوّل إلى ما يشبه الوهم إثر أعمال غوديل التي أثبتت أنّه: نعم! هنالك أسئلة لن نتمكّن أبدا من الإجابة عنها!. وليس ذلك لقصور في عقول البشر أو لنقص في الموارد والزمن ولكن طبيعة المعرفة هكذا.. غير كاملة..

وعلى الطرف الآخر من الضفّة، توجد "نظريّة كلّ شيء الفيزيائيّة" وهي نظريّة طموحة تريد أن توفّق بين كلّ النّظريات الفيزيائيّة المعروفة لتخرج بنظريّة موحّدة تفسّر كلّ العالم المادّي، صغيرا كان أو كبيرا. فقد اِكتشف العلماء بعد رحلة علميّة مضنية أنّ العالم متناهي الصغر لا تحكمه نفس القوانين التي تحكم العالم الفلكي متناهي الكبر. فمثلا، في العالم متناهي الصّغر يمكن للجسيّم أن يتواجد في أكثر من مكان في نفس الوقت على خلاف الأجسام الأكبر. كما يمكن لجسم صغير أن يكون وزنه صفرا، أو حجمه صفرا، وهذا ما لا يمكن أن تجد له تفسيرا أو قبولا خارج قوانين الأجسام الصّغيرة.

وأمام إختلاف القوانين، سعى العلماء إلى إيجاد نظريّة موحِّدة يمكن أنّ تفسّر العالم الكبير والصغير من دون الخروج من النّظريّة. وكانت أولى الجهود بما يسمّى بنظريّة الحبال التي زادت في أبعاد أنشتاين من أربعة أبعاد إلى 11 بعدا في مرحلة أولى، ثمّ إلى 26 بعدا، ثمّ تذبذب النشر العلمي في هذا الموضوع وأصبح قضيّة محفوفة بالسرّية عند مراكز البحث المعنيّة ربّما لحساسيّة النتائج التي يمكن أن تنجرّ عنه. ثمّ أصبحت تسمّى بنظريّة كلّ شيء. ومن أهمّ روّادها ستيفن هوكينغ الذي من أهمّ إكتشافاته إثبات أنّه في مستوى الكوانتا يمكن للأجسام أن تتفادى الحقل المغناطيسي للثقوب السوداء بمفعول الأنفاق المغناطيسيّة.

الطريف أنّ توحيد النّظريات في نظريّة واحدة أصبح من المحظورات المنطقيّة بعد أن أثبت كورت غوديل، كما أسلفنا، وبالبرهان الرّياضي أنّ التوحيد غير ممكن وأنّ في كلّ نظريّة لا بدّ أن تجد شيئا لا يمكن تفسيره، وليتمّ تفسيره يجب الخروج من النّظريّة، وهكذا، بحيث أنّ النظريّة المرجوّة لن تكتمل أبدا.

الصّراع يبدو على أشدّه بين غوديل وأصحاب نظريّة كلّ شيء. وغوديل مازال متقدّما على منافسيه في الوقت المعرفي الرّاهن ولكنّهم ما زالوا مصمّمين على أنّ برهان غوديل، على صحّته، و صلابة منهجّيته، وقوّته، لا يعني العالم الفيزيائي المادّي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى