أ. د. عادل الأسطة - عبد اللطيف عقل.. (ملف)

1- عبد اللطيف عقل: فكيف أخون نبض دمي؟

في كتابي "سؤال الهوية: فلسطينية الأدب والأديب" (2000) أعدتُ نشر دراسة مكثفة عنوانها "جدلية الموقع والموقف في الأدب الفلسطيني"، شكلت ركناً أساساً لأطروحة الدكتوراه الخاصة بالكاتب خضر محجز "إميل حبيبي بين الوهم والواقع"، حيث نشر جزءاً كبيراً من المقالة كملحق في كتابه الذي صدر عن دار قدمس في دمشق في العام 2006.
في تلك الدراسة، أثرتُ أسئلة حول إشكالات عديدة، منها تشابه الكتابة في حالة تشابه التجربة، وهو ما أعدتُ الإشارة إليه متكئاً على رأي محمود درويش في أشعاره وأشعار زملائه من شعراء المقاومة في الأرض المحتلة قبل هجرته في 1970.
تتشابه الكتابة فتتشابه التجربة، ويتشابه الموقف فتتكرر الأفكار نفسها.
وكنت توقفت أمام فكرة البقاء والصمود والحث على رفض الرحيل في الأدب الفلسطيني، وتساءلت إن كان غسان كنفاني أول من حث على فكرة البقاء والصمود في روايته "رجال في الشمس" 1963. وسأرى أنه في قصته "ثلاث أوراق من فلسطين " -ورقة من غزة- 1956 كان أتى على الفكرة التي ستحضر حضوراً لافتاً في 60 ق20 وستظل تحضر إلى الآن.
في العام 1980، ينشر عبد اللطيف عقل قصيدة عنوانها "رسالة إلى صديق قديم" تأتي على الفكرة نفسها التي حضرت في نصوص غسان ومحمود وسميح وأميل حبيبي. والسؤال الذي يثيره قارئ الأدب الفلسطيني، بعد أن يقرأ قصيدة عقل هو: هل كانت قصيدة سميح القاسم "إليك هناك حيث تموت" حاضرة في ذهن عبد اللطيف عقل وهو يكتب قصيدته أم أن تجربته تشابهت مع تجربة سميح القاسم، فكانت الكتابة من باب "تشابه التجربة ...تشابه الكتابة" لا من باب التأثر والتقليد فالمحاكاة؟
الرسالة التي وصلت إلى سميح في 1968 من بيروت تشبهها رسالة وصلت إلى عقل في 1980 من الخليج. وتتشابه نغمة كاتبي الرسالتين في أنهما يحببان المرسل إليه في مكان إقامتهما وتنفيره من مكان إقامته وحثه من ثم على ترك الوطن والهجرة، فماذا يوجد فيها حيفا أو الضفة؟
يقرع كلا الشاعرين المرسل ويرفض صاحب الرد الاستجابة ويصر على البقاء في أرضه ووطنه.
يفتتح عقل قصيدته بقوله: "كتب إلي أن أوافيه في الخليج فقد وجد لي عملاً".
وينهيها بقوله:
"تزين لي الرحيل
كأن لا يكفيك من رحلوا
وتغريني بأني
إن أتيت إليك
مثل البدر أكتمل
فشكراً يا صديق طفولتي
اختلفت بنا السبل
أنا نبض التراب دمي
فكيف أخون نبض دمي وأرتحل؟"
ولطالما كرر بعض أصدقاء عقل البيت الأخير لمداعبته وممازحته.
في مثل هذا الشهر من العام 1993، فارق الشاعر الحياة وكان في حياته شغل الناس. في ملابسه وشكله الخارجي وفي مقالاته الساخرة "شالوم عليكم" وفي التزامه وعدم التزامه بما يقول، وفي موقفه من المدينة وهو الريفي المثقف القادم من دمشق إلى نابلس تحت الاحتلال، حيث الموات الثقافي قياساً إلى دمشق وبيروت، فمدينته هذه يفتخر أهلها بأنهم ما ارتكبوا جريمة التفكير مرة، مدينته التي أقام فيها دون أن ينسجم معها فآثر مغادرتها إلى مدينة أرحب هي رام الله.
نعم لقد كرر بعض أصدقاء عقل البيت الأخير لمداعبته وممازحته أكثر من مرة، فالشاعر كان ترك فلسطين إلى أميركا ليكمل الدكتوراه وعاد ولم تكن القصيدة كتبت واشتهرت، وكان ترك فلسطين في أثناء انتفاضة 1987 ليقيم في الأردن بعيداً عن أجواء المواجهات، وليعود إلى نابلس بنهاية الانتفاضة في 1991/1992.
في ذينك العامين، اجتمع الأدباء الفلسطينيون في القدس وكنت واحداً من الحضور وكان عقل والقاسم أيضاً من الحضور. ما إن دخل الشاعر إلى القاعة حتى رحب به بعض أصدقائه مكررين على مسمعه:
أنا نبض التراب دمي
فكيف أخون نبض دمي وأرتحل؟
هل تذكرت يومها أفلاطون وجمهوريته؟
إحدى إشكالاتي مع عقل والقاسم وأيضاً مع محمود درويش تكمن في تتبعي ما يكتبون وملاحظة مدى التزامهم بما كتبوا، ولم يرق هذا لهم الثلاثة، ولذلك لم تكن علاقتي بهم سمناً على عسل، ولم يمنع هذا من مواصلة الكتابة عنهم والاحتفال، بعد رحيلهم، بذكراهم، بل ولم يقلل من تقديري لهم ولأشعارهم.
وعودة إلى أفلاطون وجمهوريته. كان الفيلسوف وضع الشعراء في مرتبة متأخرة، بل وأراد طردهم من جمهوريته والسبب؟
الشعراء ينافقون الحكام ويمالئون الجمهور. هذه هي وجهة نظر أفلاطون التي تفتح وعيي عليها في بدايات 70 ق20.
كنت أقرأ في مجلة "الثقافة العربية" الليبية عن الشعراء وعبد الناصر، وقد افتتح صاحب المقالة مقالته بعبارة أفلاطون، فبعض من مدح عبد الناصر في حياته تساءل بعد موته: "كيف أعرف أن الذي بايعته المدينة غير الذي وعدته السماء؟".
في شهر آب 1993، غادرنا الشاعر عبد اللطيف عقل. سينسى كثيرون أنه فعل عكس ما كتب وسيتذكرون أشعاره التي حثت على البقاء والصمود وسيكرر قسم منا:
أنا نبض التراب دمي
فكيف أخون نبض دمي وأرتحل؟
وقد يكرر قسم آخر البيت ساخراً، لا من عقل نفسه، وإنما مما يدفعه إلى البقاء والصمود في زمن أخذت فيه مقومات البقاء والصمود تضعف كثيراً.
في ذكرى رحيل عقل، ليس لنا إلا أن ننشد له الراحة في تراب وطنه، حيث نبض دمه الذي.... إلخ. إلخ.

عادل الأسطة
2017-08-27

***

2- تجربة المدينة في شعر عبد اللطيف عقل

- مدخل:

موضوع المدينة في الشعر المعاصر من أهم المواضيع المشتركة بين الشعراء، وهو موضوع عصري ومتجدد. عالجه كثير من الشعراء أمثال البياتي والسياب وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي .. وغيرهم.

عبد اللطيف عقل تناول هذا الموضوع في مجموعاته الشعرية، ونظرة على حياته من خلال دواوينه توضح حنينه إلى القرية، فالشاعر عاش في جو القرية ثُمَّ انتقل إلى المدينة، ولذا فقط ظلت القرية حية في ذهنه، ولا عجب أن رأينا القرية والمدينة تعيشان جنباً إلى جنب في نفس الشاعر، وما الألفاظ التي يستخدمها الشاعر مثل ( التين )، العوسج، البيادر، الدافور ... ) إلا دليلاً على ذلك. هذه الألفاظ التي يمكن أن تشكل قامومساً خاصاً يميز عقل عن غيره.

في دراستي هذه تناولت ثلاثة دواوين للشاعر، أما ديوانه ( شاطئ القمر ) ففقداني له أفقد هذا الموضوع جزءاً قد يكون جعله مبتوراً، وأما ديوانه الأخير ( الأطفال يطاردون الجراد ) فلا توجد فيه صورة واضحة للمدينة وإن كان يصور في قصيدته المباشرة جداً نفسيات الناس الذين يتعامل معهم.

أغاني القمة والقاع:

في هذا الديوان يصور لنا الشاعر موقفه من المدينة، وصورة المدينة هنا قاتمة، إنها المدينة التي لا تحفل بالغرباء، والشاعر غريب جاء من بيئة يتعاطف أهلها مع بعضهم البعض، فإذا به أمام أناس ليسوا بشرا، لقد تحجروا وأصبحوا طوباً، ونتيجة لذلك فإن إنسانيتهم فقدت وتحولت إلى أشياء. والذي يريد العيش في هذه المدينة عليه ألا يرى وألا يسمع، وعليه أن يقبل الذل ويهلل للقاضي، لأن كل الذين يعيشون فيها أذلاء. العلاقات الاجتماعية في هذه المدينة انقلبت رأساً على عقب، فالزوجة تمردت على وضعها المتعارف عليه قبل أن تصبح هذه المدينة مدينة أرقام، لقد أصبحت المرأة رجلاً قواماً تشرب وتدخن وتسهر حتى منتصف الليل، أليس المال هو المسيطر في هذه البيئة؟ فلماذا لا تتحكم المادة في كل شيء؟ حتى الأبناء عقوا آباءهم ولم يعودوا يحترمونهم. الناس في هذه المدينة عبيد للمادة لقد نسوا الله وأصبحوا ملاحدة كفاراً، يقول عقل:

لن تجد مناماً فالجامع مغلق

والناس ملاحدة كفار

نعم لقد نسوا الله وأصبح الاههم العقل الذي يحسب النقود، ولذلك فإن مدينته – ما دامت وصلت إلى هذه المرحلة – لا تحترم الشعراء، ولا مكان فيها للكلمة، فالفلسفة والشعر خطايا، والحاكم في هذه المدينة لا يخاف من شيء، إلا من الكلمة، والذي يتفوه بكلمة فإن مصيره الإعدام، ويبرز لنا هنا أن عنصر الخوف عند الناس يمنعهم من التعامل بالكلمة، فحاكمهم يترك لهم أن يفعلوا ما يشاؤون إلا التفكير، وهنا تتدخل الناحية السياسية ويبين الشاعر موقفه الشاعر من هذا الحاكم.

إن عبد اللطيف عقل يتأسى لهذا الوضع المزري للمدينة، إن موقفه من المدينة في هذا الديوان، هو موقف الإنسان الذي يشعر بالضياع والوحدة، لقد كان الشاعر غريباً عن المدينة التي لم تحفل به، والذي زاد من شعوره بالضياع قدومه من بيئة تختلف كل الاختلاف عن هذه البيئة الجديدة، فالبيئة القروية بيئة بسيطة لا تعقيد فيها، بيئة أهلها يحبون بعضهم البعض، ولذا فإن هذا الوضع الجديد الذي فرض عليه – أعني بيئة المدينة – لم يعجبه، لقد صرخ عبد اللطيف معلناً اشمئزازه من هذا الجو الجديد، الجو المخنوق الذي لا وجود فيه إلا للمادة.

ما أقسى أن تتشيأ أفئدة الناس
تتحول أسفلتا، آلات، ونحاس

وبالإضافة إلى ذلك، فقد نجم عن هذه النقلة وهذا التغير الذي طرأ على حياته أن أنكر الشاعر حاضره، إنه إنسان لا ينتمي إلى هذا الحاضر، إنه ابن الأمس أي ابن القرية وهنا تظهر النزعة الرومانسية عند الشاعر، ولهذا تساءل الشاعر كيف سيظل في المدينة:

لست ابن اليوم
أنا ابن الأمس، فكيف أظل هنا.

لكن الشاعر – رغم تساؤله ورغم شكه في إمكانية بقائه في المدينة، يعلن، بصراحة، موقفه، وهو أنه سيظل موجوداً في المدينة، ولكن هل يعيش كما يعيش أهلها؟ هل يأخذ من أهلها عاداتهم، ومن ثُمَّ يؤمن بها؟؟ نحن لن نجيب عن هذه الأسئلة وسنترك الإجابة للشاعر وحده القول عن موقفه بعد معرفته لجو المدينة.

سأظل هنا
لن تعرفني حتى لو عدت إلى الصحراء
ما دمت نسيت الصحراء
هي أو الموت:

هل ظل عبد اللطيف غريباً في هذه المدينة؟ هل ظل موقفه سلبياً تجاهها؟ ثُمَّ ما هو موقفه كإنسان مثقف؟ هل ينزوي بعيداً وحيداً أم هل يعمل على تغيير هذا الوضع الذي لم يعجبه؟ ثُمَّ هل ظلت نظرته نظرة سلبية أم أنه اكتشف أشياء جديدة جعلته يغير من نظرته القاتمة بعض الشيء؟ كل هذه الأسئلة سنجيب عنها من خلال قراءتنا لديوانه الثالث الذي يمثل ذروة إنتاجه الفني.

لا ننكر أن هذا الديوان شغل موضوع فيه المدينة حيزاً لا بأس به، لقد كرس الشاعر مساحة أكبر لمعالجة هذا الموضوع فيه، كما أن صورة المدينة تتضح أكثر، أما بالنسبة لموقفه فسنتعرف عليه من خلال قراءتنا للقصائد التي عولج فيها الموضوع.

عاش الشاعر وتربى في القرية، ولهذا فقد ظل يحن إلى بساطة القرية وأشجارها وحيواناتها التي تذكره بطفولته، وتبرز أهمية القرية في نظره بعد أن جرب حياة المدينة وما لاحظه من تعقد الحياة فيها، إن حنينه إلى القرية يذكرنا بالشعراء الرومانسيين الذين نقموا على المدينة وغادروها ليعيشوا في القرية، هؤلاء الشعراء الذين لم يستطيعوا التكيف مع جو المدينة، وإن اختلف موقف عقل منهم – كما سنرى:

تربعت في الطفولة على أرصفة القرية
أسعدتني ألواح الصبار وحيوانات
أخرى ونباتات، وفي المدينة على
خبط العصا جوع يتمناني

الصورة الأولى للمدينة هي أنها مدينة نائمة، ولكن ما زال لها قلب. فهي إذن تملك مقومات الصحو، ليست ميتة وإنما نائمة، ولذلك بالإمكان تغيير الوضع إلى وضع أفضل ما دام العصب الرئيسي للحياة موجودا. المدينة إذن ( هرة مفقوءة العينين ) و ( فكرة ناصلة الهم ) هذه الهرة تحتاج إلى من يقودها، فهل قادها الشـاعر؟ إنه يقول في نفس القصيدة إنه مثل كل المتعبين ( فكرة مهروءة الأسنان تقتات سعال الآخرين )، إلا أن التغير الذي نلاحظه يكمن في أن الشاعر يقول بأن المدينة تضم فقراء طيبين، والشاعر يجب أن يكون الفكرة التي تضيء لهم حاراتهم، وتنتشر في أزقتهم. المدينة أيضاً ليست تعمرها الحكايا، ولعلنا نعود ونذكر صورة القرية التي ما زالت عالقة في ذهنه، فالناس في القرية بسطاء يتسامرون ويستمعون للحكايا، ولكن هذا مفقود في المدينة، حتى أن الناس فيها لا يصلون بعضهم بعضا.

هذي المدينة ليس تعمرها الحكايا
جدرانها نصلت صراخا
مات في أنحائها معنى الوصول

في قصيدة الرفض بالاعتراف تظهر الصورة أوضح، ويوضح الشاعر موقفه منها ويحدد الموقع الذي سيتخذه ليجابه حياة المدينة، وإذا كان – كما رأينا – في بداية القصيدة يبرز لنا أنه ما زال يعيش في غربة، هي امتداد لموقفه في ديوانه السابق، فهو لا يسأل عنها، ولا هي تسأل عنه، إنها المدينة اليباب، واليباب يعني الجدب والجفاف، ولم يكتف بوصفها مدينة يباب، بل حنق عليها أكثر حين وصفها بأنها:

سمينة، غبية، قصيرة الباع
خبيرة في الفحش
مستطيلة الثياب

وهي فوق ذلك تحترف الجهل والاكتئاب، حتى أن الجهل فيها سيد الأحكام، المدينة التي وعي فيها، وعاش فيها عمره المديد لم يعرف عنها أنها عرفت حلاوة الرفض ومتعة القيام للقعيد. إنها المدينة الساكتة الهادئة – والهدوء يعني هنا الذل والهوان. وسكانها – كما رأينا في ديوانه السابق – جهلة، لا هم لهم إلا التجارة والربح بل هم:
يفخرون أنهم ما ارتكبوا جريمة التفكير مرة

لكننا نقرأ في القصيدة نفسها أن مدينته شقية سعيدة. فكيف إذن تكون هكذا في الوقت نفسه؟ أم أن الشاعر غير من موقفه السوداوي تجاهها؟ أن الشاعر رغم حنقه عليها ألا أنه أصبح يتعاطف معها، لقد اكتشف أنه مقصر، ويبرز لنا هنا الموقف الجدلي بينهما، فالمدينة لم تكن على ما هي عليه إلا بنا نحن، ونحن أيضاً لم نصل إلى هذا الجو من التفتت إلا نتيجة لتضخم المدينة وازدياد عدد سكانها، ولهذا فإن الشاعر يطلب منها ألا تعتب عليه:

يا حلوة العينين يا حزينة الجديلة
لا تعتبي علي، أقصري العتاب

كما أنه بعد تصويره القاتم لها، وبعد أن يصل قمة التشاؤم يستدرك قائلاً:

ملحوظة نسيت أن أقولها
مدينتي واقعة ما بين شاطئ الرفض
وشاطئ الشعور بالعذاب.

إن مدينته نتيجة لذلك تتأرجح بين شيئين، لم تتخذ موقعاً معيناً بعد، وقد تكون هناك عوامل أثرت، وما زالت تؤثر، عليها، هذه العوامل تتمثل في تطور الحضارة، وتجدد الحياة يوماً بعد يوم.

والشاعر بعد اكتشافه الوجه الآخر للمدينة، وبعد اكتشافه أنه ملوم، يتخذ موقفاً آخر مناقض تماماً لموقفه في ديوانه الأول، لقد أصبح جزءاً من هذه المدينة، لها حقوق عليه وواجبات، وبالتالي فإنه كإنسان واع، عليه أن يفعل شيئاً ما لمدينته التي تحتضنه. فما الذي فعله الشاعر؟ قلنا أن رؤيته الشاعر للمدينة اختلفت عنها في السابق، واكتشف أنها أمه وأهلها أهله، وواجب عليه تغييرها نحو الأفضل، ولذا فأول ما فكر بعمله هو: أن يعيد للمدينة ( رشاقة المآذن البيض ورقة القباب )! وهو يريد أن يزيل الجهل المتمكن في نفوس أهلها، يريد أن يغير نظرتهم للحياة، يريد أن يعلمهم لكي يعيدوا النظر في حياتهم، ولكي يعرفوا قيمة الفكر:

أزرع في الجدران
فسائل الرفض وأصبغ الحيطان
أضخ في رئات أهلها التي تآكلت بالجهل والحرمان
دماً يعيد للجدران قامة الجدران

والشاعر يعرف أن هذا يكلفه الكثير، ويعرف أنه سيعاني هو وأهلها العذاب، سيشعرون به. ومع ذلك فإنهم بعد أن يعرفوا لذة الشعور بالعذاب حتماً سيغيرون أوضاعهم:

كيف إذا عرفنا لذة الشعور بالعذاب
تساقط الخوف من الرؤوس كلها
تمكن المحال
قصائد عن حب لا يعرف الرحمة:

السؤال الذي تثيره هنا هو: هل ظل الشاعر مصراً على إصلاحه المدينة والعمل على تغييرها أم أنه كل ومل؟ وهل كان هدفه إصلاحها هدفاً ناجماً عن وعي وإيمان؟

في مقدمته لهذا الديوان يقول عبد اللطيف عقل: ( إنهم يفعلون فقط، يحرثون ويجدرون ويتزاوجون، وفي البيادر يفعلون الحصاد ويزورون المدن ويعودون بالحلوى والملابس والسأم ) إذن لماذا ذكر السأم؟ وهذا يجعلنا نسأل: هل وفق الشاعر في تغيير المدينة ولو بعض الشيء؟

إن وجه المدينة الذي تلمحه هنا هو الوجه الأول وليس الوجه الآخر، وإن كان الشاعر لم يقس كثيراً. الحب في المدينة ما زال يموت في حاراتها الملساء كل مساء، أنها المدينة نفسها التي تدفن الأفكار والكلمات، إنها المدينة التي لا تحتوي على شيء إلا الموت، الناس فيها كحراس المقابر هؤلاء الحراس الذين:

يذبحون الحب
والأطفال والشعراء

المدينة هنا ارتحال للموت، أنها أصداء بلا كلمات .. فمحاولات الشاعر التي حاولها لم تجد شيئاً، ولم يستمر في محاولاته، لقد تعب لأنه – كما يبدو – لم يجد آذاناً صاغية تستمع له، ولم يجد أناساً يتفهمونه، لهذا عاش في الغربة، لقد يئس الشاعر ومل، لقد توصل إلى أن عمله بلا فائدة، ولهذا صرخ في وجه مدينته قائلاً:

مدينتي استريحي، هدني تعبي
أثاروا شهوة الكلمات في لحمي
ولم أتب.

هذه هي تجربة الشاعر مع المدينة، دخلها غريباً وحاول إصلاحها لكنه يئس وعاد يشعر بالغربة من جديد، لم يستمر في مسيرته رغم أنه يعترف أنه مقصر، لقد دار في دائرة مغلقة فانتهي إلى حيث بدأ، تمرد على وضع المدينة وحاول إصلاحها لكنه يئس دون أن يستمر.


10-7-2007
أ. د. عادل الأسطة

****

3- الفن والعصاب

مرة رأت أمي - رحمها الله - الشاعر المرحوم عبد اللطيف عقل في أحد شوارع نابلس، فاستغربت من هيئته الخارجية التي استقر عليها في سنواته الأخيرة. شعر طويل شاب كله فغدا أبيض، مردود نحو الخلف ولحية بيضاء أيضاً أطلق الشاعر لها العنان فطالت. كما لو أن الشاعر فيلسوف إغريقي. كما لو أنه أرسطو أو سقراط أو أفلاطون كما تظهر صورهم، ولكن أنى لأمي أن تعرف هؤلاء والصورة التي استقرت لهم في أذهان المثقفين!؟
لا أذكر بالضبط العبارة التي تفوهت أمي بها فلم يبق منها إلا ظلالها. "هذا شخص مجنون" فابتسمت وقلت لأمي: "هذا أكبر مفكر وفيلسوف في نابلس وربما في الضفة الغربية كلها. إنه أستاذ جامعي وكان علمنا في المدرسة".
حكمت أمي على الشكل الخارجي للشاعر وربما كانت بعض عبارات عنه تسللت إلى ذهنها من سكان المدينة التي هجاها الشاعر في شعره هجاء واضحاً. لفت نظري مبكراً فأنجزت أولى دراساتي القصيرة عن الشاعر والمدينة تحت عنوان "تجربة المدينة في شعر عبد اللطيف عقل" ونشرته في مجلة "البيادر" في 1977.
هل كان عقل حقاً كما ورد على لسان أمي ولسان بعض سكان المدينة؟
كنت صديقاً للشاعر وكنت، قبل هذا، أحد طلابه وغالباً ما كانت العلاقة ودية وإن تخللتها فترات خصام. ولكني أبداً لم أقلل من قيمته الأدبية والشعرية، ومرة باح لي ببعض ما أشيع عنه.
قبل أسبوع صورحت بما يشاع عني فابتسمت وتذكرت قصة عقل وما هو أكثر.
وأنا أدرس المنهج النفسي في مساق "مناهج النقد الأدبي ومذاهبه" وغالباً من كتاب (ديفيد ديتشس) "مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق"، أتوقف طويلاً أمام علاقة الفن والعصاب "فماذا يقول علماء النفس ونقاد الأدب في شكل العلاقة بين الموضوعين: الفن والعصاب"؟
يربط عالم النفس الشهير (سيجموند فرويد) بين الفن والعصاب، فيما يذهب (يونج) إلى أن الآثار الأدبية أصداء لأساطير عريقة تتردد في حياة البشر.
مثل (فرويد) الناقد الإنجليزي (أدموند ولسون) الذي ربط بين الفن والعصاب. لقد كتب هذا مقالاً عن مسرحية (سوفوكليس) "فيلوكتيتس" وربطت فيها بين الأمرين.
إن بطل المسرحية مصاب بجرح في قدمه يخرج رائحة كريهة يتضايق منها الآخرون، ولكنه في المقابل يملك قوساً سحرية تمكن جيش بلاده من الانتصار.
في الحروب الطروادية يصطحب الجيش (فيلوكتيتس) ويتضايق الجنود من رائحة قدمه فيقرر الجيش التخلي عن (فيلوكتيتس) وهكذا يتركه على جزيرة، ولكن الجيش يتذكر القوس السحرية التي تمكنه من الانتصار، لذا يعود ويصطحب (فيلوكتيتس) معه. يتحمل الجيش الرائحة حتى يتمكن من الانتصار. وهكذا يدفع الفنان مقابل رؤاه الخلاقة مرضاً. يتحمله الجمهور لكي يستمتع بفنه. ربما تذكرنا أسطورة (فيلوكتيتس) بقصة عنترة بن شداد.
لم يكن والد عنترة يعترف به إلا عند اشتداد المعارك، فالقوة التي يمتلكها عجيبة. وهكذا كان أبوه وعمه وعشيرته، وقت اشتداد المعارك يقولون له: "كر وأنت حر"! وقد أدرك عنترة هذا فقال:
ينادونني بالسلم يا بن زبيبة
وعند اشتداد الهول يا ابن الأكارم/الأطايب.
هل إذن نحن، الفنانين، مصابون بالجنون؟
الناقد وعالم النفس (ليونل ترلنج) له رأي مختلف هو أن الفنانين ليسوا وحدهم من يعاني من الجنون أو العصاب وليس العصاب مسؤولاً عن الإبداع.
يرى (ترلنج) أن العصاب مسؤول عن النجاح والفشل والإخفاق، وعليه فجل المجتمع مصاب به.
يفسر (ترلنج) الأمر على النحو الآتي: يلجأ أصحاب المهن الأخرى إلى الإخفاء والملاءمة، وهذا ما لا يلجأ إليه الأدباء والفنانون الذين يعبرون عن أنفسهم فيكونون أكثر عرضة للتفسير والتأويل. "الفن يفضح صاحبه" يقول بعض النقاد ويقوله أيضاً الأدباء الذين يمتلكون الجرأة.
هكذا وحسب رأي (ترلنج) لا ينفرد الفنانون بصفة الجنون أو العصاب. إنما هم أكثر قدرة على التعبير عن أنفسهم ولا يبالون.
هل كانت أمي على صواب؟ إذن فأنا كما يقال عني أو كما يشاع.
هجا عبد اللطيف عقل المدينة هجاء مراً. المدينة ليس تعمرها الحكايا وأهلها ما اقترفوا جريمة التفكير مرة، وفي آخر أشهره قرر مغادرة نابلس ليستقر في رام الله.
رحم الله الشاعر ورحم الله أمي وأما أنا فلا أرى في نابلس إلا مدينتي الثانية وربما الأولى.

عادل الأسطة
2018-03-25

****

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى