خالد صالح عطية - تفكّك أفق النهاية أم تحوّل بنية الفعل؟ في مساءلة شروط الحسم داخل الصراعات المعاصرة

في هذا المقال، لا أحاول الإجابة على سؤال لماذا لا تنتهي الصراعات، بل أقترب من سؤال مختلف: ماذا يحدث للأثر داخلها، ولماذا لا يتحول—رغم حضوره—إلى نتيجة مستقرة؟

في خضمّ الاشتباك الفكري المتصاعد حول ظاهرة “اللا-حسم” في الصراعات المعاصرة، تعددت المقاربات التي سعت إلى تفسير هذا النمط: بين من رأى فيه تعبيرًا عن تعقيد بنيوي يمنع الإغلاق، ومن قرأه بوصفه نتيجة لإدارة ضمنية للنهايات داخل نظام عالمي متشابك، ومن أعاد مساءلته عبر تفكيك فرضية “المركز” ذاته، لصالح فهم شبكي متعدد المستويات.

غير أن هذا التعدد، على أهميته، يكشف عن مفارقة أعمق: فبينما تتجه هذه القراءات إلى تفسير غياب النهاية، يبقى سؤال آخر أقل ظهورًا، لكنه أكثر إلحاحًا: ماذا يحدث للفعل نفسه داخل هذه البنى؟ وكيف يمكن تفسير أن التحولات—رغم تحققها في أكثر من مستوى—لا تترسخ في نتائج قابلة للتثبيت؟

بهذا المعنى، لا ينطلق هذا الطرح من معارضة هذه المقاربات، بقدر ما يسعى إلى التحرك داخل المساحة التي تفتحها، حيث لا يعود السؤال متعلقًا بوجود النهاية أو غيابها، ولا بإدارتها أو تعذرها، بل بطبيعة العلاقة بين الفعل ونتيجته، داخل بنية يبدو أنها لا تمنع التحول بقدر ما تعيد توزيعه دون أن تسمح له بالاستقرار.

ليس هذا الطرح تعبيرًا عن تشاؤم، ولا مراجعة لأفق النهايات، ولا دعوة إلى تعليق الأمل أو استبداله بيقين مضاد. فالسؤال هنا لا ينطلق من موقع نفسي، بل من ضرورة معرفية تفرضها طبيعة الواقع نفسه.
نحن لا نبحث عن نفي النهاية، بل عن فهم الطريق الذي يفترض أنه يقود إليها. لا لأن هذا الطريق غامض فحسب، بل لأن ما يكشفه الواقع هو أن الفعل—رغم كثافته وامتداده—لا يتحول بالضرورة إلى نتيجة قابلة للتثبيت، وأن التراكم—مهما بلغ—لا يفضي تلقائيًا إلى لحظة انعطاف واضحة. ليس لأن التحولات غائبة، بل لأن انتقالها من مستوى الأثر إلى مستوى النتيجة لم يعد مضمونًا كما كان.

بهذا المعنى، لا ينشأ الإشكال من غياب الإيمان بالنهاية، بل من محاولة فهم لماذا لا تظهر ضمن الشروط التي يعمل فيها الصراع. فالمسألة لا تتعلق بما ينبغي أن يحدث، بل بما يحدث فعلاً، ولا بما نرغب في أن يفضي إليه الفعل، بل بكيفية اشتغاله داخل بنية قد تعيد إنتاجه دون أن تسمح له بالتحول إلى إغلاق.

ما يتكشف هنا لا يتعلق فقط بتأخر النتائج، بل بتحوّل أعمق في آلية إنتاجها، حيث لم يعد الفعل يقود بالضرورة إلى نتيجة، بل قد يُعاد إدخاله في البنية التي يعمل داخلها. ليس بوصفه أثرًا ملغى، بل بوصفه أثرًا يُعاد توزيعه دون أن يبلغ عتبة الاستقرار.
إن السعي هنا ليس لتقرير مصير الصراع، بل لتفكيك آليته. ليس لمصادرة الأفق، بل لقراءة شروطه كما هي. فالفارق ليس بين من يؤمن بالنهاية ومن ينكرها، بل بين من يفترض أن الطريق إليها يعمل كما كان، ومن يسائل ما إذا كانت شروط هذا الطريق ما تزال قائمة.

أولًا: حين يتحول المفهوم من أداة إلى افتراض

في قراءة الصراعات المعاصرة، يبرز خطر مزدوج: ليس فقط في تحويل المفاهيم إلى نماذج مغلقة تدّعي الإحاطة، بل أيضًا في إعادة فتحها داخل أفق تفسيري يفترض مسبقًا استمرارية ما لم يعد مفحوصًا.
فإذا كان تحويل التعقيد إلى استحالة يُفضي إلى إغلاق التحليل، فإن تحويله إلى تأجيل دائم للحسم، دون مساءلة شروط هذا التأجيل، لا يقل إشكالية. في الحالتين، يتحول المفهوم من أداة لفهم الواقع إلى إطار يُعاد إنتاج الواقع داخله.

وهنا، لا يعود السؤال متعلقًا بمدى انفتاح المفهوم أو انغلاقه، بل بما إذا كان يستبطن افتراضًا ضمنيًا: أن التاريخ، بحكم بنيته، ما يزال قادرًا على إنتاج لحظات تحوّل قابلة للتثبيت.

ثانيًا: الحسم—بين التعريف وإمكان التحقق

لم يعد الحسم يُفهم، في كثير من القراءات المعاصرة، بوصفه نهاية مغلقة، بل تحولًا في موقع القوة داخل الصراع. وهو تعريف يتجاوز التصورات المبسطة، ويعيد إدخال الحسم داخل دينامية الصراع نفسه.

غير أن الإشكال لا يكمن في تعريف الحسم، بل في افتراض استمرارية إمكان تحققه.
فما تكشفه الصراعات المعاصرة ليس غياب التحولات، بل صعوبة تحوّلها إلى نتائج قابلة للتثبيت. تتحقق تحولات جزئية، تتغير مواقع، تتبدل موازين، لكن هذه الحركة—رغم كثافتها—لا تتجه نحو نقطة انعطاف نوعي، بل تُعاد إدخالها في شبكة من التفاعلات تمنع تثبيتها.

هنا، لا يكون الخلاف على تعريف الحسم، بل على ما إذا كان هذا التعريف ما يزال يجد ما يقابله في الواقع.

ثالثًا: الزمن—من وسيط للتراكم إلى بنية لإعادة الإنتاج

يُعاد إدخال الزمن، في كثير من التحليلات، بوصفه البعد الغائب، حيث يُفهم ما يبدو “لا-حسمًا” كمرحلة ضمن تراكم أطول يقود—في لحظة ما—إلى تحول.
غير أن هذا الطرح يفترض ضمنيًا أن الزمن يعمل بوصفه وسيطًا للتراكم الذي يفضي إلى الحسم.
لكن ماذا لو لم يعد الزمن يؤدي هذه الوظيفة؟
في كثير من الحالات المعاصرة، لا يبدو الزمن مسارًا يقود إلى التحول، بل فضاءً تُعاد فيه إنتاج البنية نفسها. لا لأن الفعل غائب، بل لأن أثره لا يتراكم خارج النظام، بل يُعاد امتصاصه داخله—ليس بمعنى إلغائه، بل إعادة توزيعه داخل البنية دون أن يبلغ عتبة الاستقرار.

ليس لأن الزمن توقف عن العمل، بل لأن التراكم نفسه لم يعد يخرج من البنية، بل يُعاد تدويره داخلها.
وهنا، لا يعود الزمن عنصرًا محايدًا، بل جزءًا من آلية اشتغال الصراع، حيث كل امتداد زمني يعيد توزيع الفعل بدل أن يدفعه نحو الحسم.

رابعًا: المثال التاريخي وحدود القياس

غالبًا ما يُستدعى التاريخ لإثبات أن ما يبدو استعصاءً قد ينتهي إلى حسم في مدى أطول. غير أن هذا الاستدعاء يفترض تشابهًا ضمنيًا في بنية الصراع، وهو افتراض يحتاج إلى مراجعة.
فالصراعات المعاصرة لا تتميز فقط بتعقيدها، بل بقدرتها على:
• إعادة تشكيل نفسها عبر مستويات متعددة
• امتصاص الصدمات بدل الانهيار تحتها
• إعادة توزيع الفعل دون السماح بتثبيته

بهذا المعنى، لا يكفي القول إن التاريخ أنتج حسمًا سابقًا، لإثبات أنه سيعيد إنتاجه ضمن شروط مختلفة.

خامسًا: الاستمرار والحسم—تداخل المستويات

يُقدَّم التفريق بين “الاستمرار” و”الحسم” كأداة تحليلية لضبط القراءة، غير أن ما تكشفه بعض الصراعات المعاصرة هو تداخل يتجاوز هذا التفريق.
ففي كثير من الحالات، لا يقف الاستمرار مقابل الحسم، بل يعيد إنتاجه داخله. ما يبدو تحولًا في موقع القوة، لا يلبث أن يُعاد إدخاله في بنية أوسع تُفرغه من قدرته على الاستقرار.

هنا، لا يعود الحسم مجرد تحول داخل الصراع، بل يصبح جزءًا من آلية استمراره.

سادسًا: القوة والحق—من الانهيار إلى الإدارة

يُفترض، في كثير من القراءات، أن اختلال العلاقة بين القوة والحق يولد استنزافًا يؤدي، في نهاية المطاف، إلى انهيار القوة غير الشرعية.
غير أن هذا الطرح يفترض أن البنية لا تستطيع الاستمرار طويلًا خارج الشرعية.
لكن ما تكشفه بعض النماذج المعاصرة هو إمكانية مختلفة: أن يتحول هذا الاختلال نفسه إلى نمط اشتغال دائم، تُدار فيه حالة اللااستقرار دون أن تُحسم.
هنا، لا يؤدي التوتر إلى الانهيار، بل إلى إعادة إنتاج النظام في حالة توازن غير مستقر.

سابعًا: ما الذي تغيّر فعلًا؟

ربما يكمن التحول الأعمق هنا: ليس في غياب الفعل، ولا في ضعف التراكم، بل في العلاقة بين الفعل ونتيجته.
في نماذج سابقة، كان بالإمكان—رغم التعقيد—تتبع مسار يقود من التراكم إلى لحظة انعطاف واضحة.
أما اليوم، فيبدو أن هذا المسار لم يعد يعمل بنفس الكيفية. ليس لأن الفعل فقد قدرته، بل لأن البنية أصبحت قادرة على امتصاص أثره وإعادة إدخاله ضمن اشتغالها.
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل بعض الأحداث المفصلية—مثل طوفان الأقصى—التي لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد حالات امتصاص، نظرًا لما أحدثته من تصدعات عميقة في بنية القوة والسرديات. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود هذا الأثر، بل في مساره: هل يتجه نحو إعادة تثبيت في بنية الصراع، أم يُعاد إدخاله ضمنها بوصفه تحولًا غير مكتمل؟
هنا تحديدًا يظهر الفرق بين أثر الحدث ونتيجته؛ فليس كل ما يُحدث تحولًا، يتحول بالضرورة إلى حسم.

خاتمة: ليس غياب الحسم… بل تحوّل شروطه

لا ينطلق هذا الطرح من نفي لإمكان الحسم، ولا من إنكار لطبيعة الصراعات الممتدة، بل من محاولة لفهم لماذا لم يعد الحسم—حتى بصيغته غير المكتملة—يظهر كما كان.
فالإشكال لا يكمن في غياب النتائج، بل في تحوّل آلية إنتاجها. حيث لم تعد الكثافة تقود بالضرورة إلى الانعطاف، بل قد تقود إلى إعادة توزيع الأثر داخل البنية دون أن يتحول إلى نتيجة مستقرة.
بهذا المعنى، لا يكون “تفكك أفق النهاية” حكمًا على التاريخ، بل توصيفًا لتحول في العلاقة بين الفعل ونتيجته.
ومن هنا، لا يعود السؤال: هل هناك حسم؟
بل: هل ما زالت العلاقة بين الفعل والنتيجة تعمل وفق المنطق الذي نفترضه؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى