اليوم في 01\06/2026 وبمناسبة امتحان السنة الأولى بكالوريا في مادة الفرنسية كان الموعد أيضا مع مسرحية أنتيغون للاختبار .
فمنذ عقود، يدخل التلميذ المغربي إلى قسم اللغة الفرنسية ليجد نفسه فجأة في مدينة طيبة الإغريقية، يتابع مأساة أنتيغون وهي تتحدى الملك كريون دفاعاً عن حق أخيها في الدفن. يتأثر، يحلل، يكتب الإنشاءات، ويحفظ أسماء الشخصيات أكثر مما يحفظ أحياناً أسماء بعض شوارع مدينته.
ولا أحد يعترض على قيمة المسرحية، فهي عمل أدبي كبير كتبه Jean Anouilh خلال فترة الاحتلال النازي لفرنسا، وحمّله كثير من القراء رمزية المقاومة ورفض الخضوع للسلطة الجائرة. في نفس الوقت الذي كانت فيه فرنسا محتلة وجائرة على المغرب ،لكن الفضول المغربي يظل يطرح سؤالاً بريئاً:
إذا كانت أنتيغون، Antigone, تدرَّس لأنها تدافع عن الحرية والكرامة والمبدأ، فهل هذه القيم انقرضت من المغرب حتى نستوردها من طيبة القديمة؟
لدينا كتّاب مغاربة كتبوا بالفرنسية عن المجتمع المغربي، وعن الاستعمار، وعن الفقر، وعن السلطة، وعن أحلام الناس وانكساراتهم. لدينا أحمد الصفريوي، والذي كان لمؤلفه صندوق العجائب حضا في المقررات بخلاف إدريس الشرايبي والطاهر بن جلون، ووعيد اللطيف اللعبي، يبدو أن هؤلاء ما زالوا ينتظرون تأشيرة دخول كاملة إلى بعض المقررات الدراسية.
فالتلميذ المغربي يستطيع أن يشرح بدقة لماذا رفضت أنتيغون أوامر كريون، لكنه قد يتخرج دون أن يعرف لماذا تمرد إدريس الشرايبي على التقاليد في رواياته، أو كيف صور عبد الكريم الخطيبي ابن الجديدة يعكس في كتابه الذاكرة الموشومة، الصراع الداخلي لـ الأنا بين الانتماء إلى التراث العربي والإسلامي والانجذاب إلى الثقافة الغربية.
ولعل الأمر يشبه مطعماً مغربياً فاخراً يملك الكسكس والطاجين والرفيسة والبسطيلة، لكنه يصر كل يوم على تقديم طبق أجنبي واحد للزبائن، ثم يشرح لهم أن المطبخ الوطني غني ومتنوّع!
المفارقة أن التلميذ يدرس مقاومة الاحتلال النازي في فرنسا، بينما قد لا يجد الوقت الكافي لاكتشاف كيف عبّر الأدباء المغاربة أنفسهم عن الاستعمار الفرنسي لبلدهم والهوية والتحرر والعدالة. وكأن الرسالة الضمنية تقول: الحرية فكرة ممتازة… شرط أن تأتي مترجمة من الخارج.
طبعاً، لا أحد يطالب بإعدام أنتيغون من المقرر الدراسي، فهي ليست مسؤولة عن الأمر، ولم تطلب هي نفسها هذا الامتياز. كل ما في الأمر أن كثيرين يتساءلون: لماذا تجلس أنتيغون وحدها في الصف الأمامي منذ عشرات السنين، بينما يقف الأدب المغربي الفرنكفوني في آخر القسم رافعاً يده دون أن يمنحه أحد فرصة للكلام؟
ربما حان الوقت ليتعايش الجميع داخل الكتاب المدرسي: أنتيغون القادمة من طيبة، الخطيبي ، والشرايبي القادمين من الجديدة، واللعبي القادم من رحاب النضال الفكري. فالتلميذ المغربي لا يحتاج فقط إلى أن يتعلم كيف قاومت فتاة يونانية السلطة، بل يحتاج أيضاً إلى أن يكتشف كيف روى أبناء بلده حكاياتهم هم، بلغات مختلفة، ولكن بهموم قريبة من حياته اليومية.
يبدو أن التلميذ المغربي يستطيع أن يشرح مأساة فتاة يونانية اسمها أنتيغون، ويحلل معاناة سجين ينتظر المقصلة في باريس، لكنه قد يحصل على البكالوريا دون أن يزور أدبيًا أحياء مغربية أو يتمرد مع ادريس الشرايبي على تناقضات المجتمع المغربي. كأن وزارة التربية تقول له: تعرف أولًا على مشاكل الآخرين، ثم إذا بقي وقت في المقرر سنتحدث عن بلادك!
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل بعض التلاميذ يتساءلون في صمت:
هل كانت أنتيغون ستنجح في الامتحان الجهوي لو درست هي أيضاً الأدب المغربي؟
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
فمنذ عقود، يدخل التلميذ المغربي إلى قسم اللغة الفرنسية ليجد نفسه فجأة في مدينة طيبة الإغريقية، يتابع مأساة أنتيغون وهي تتحدى الملك كريون دفاعاً عن حق أخيها في الدفن. يتأثر، يحلل، يكتب الإنشاءات، ويحفظ أسماء الشخصيات أكثر مما يحفظ أحياناً أسماء بعض شوارع مدينته.
ولا أحد يعترض على قيمة المسرحية، فهي عمل أدبي كبير كتبه Jean Anouilh خلال فترة الاحتلال النازي لفرنسا، وحمّله كثير من القراء رمزية المقاومة ورفض الخضوع للسلطة الجائرة. في نفس الوقت الذي كانت فيه فرنسا محتلة وجائرة على المغرب ،لكن الفضول المغربي يظل يطرح سؤالاً بريئاً:
إذا كانت أنتيغون، Antigone, تدرَّس لأنها تدافع عن الحرية والكرامة والمبدأ، فهل هذه القيم انقرضت من المغرب حتى نستوردها من طيبة القديمة؟
لدينا كتّاب مغاربة كتبوا بالفرنسية عن المجتمع المغربي، وعن الاستعمار، وعن الفقر، وعن السلطة، وعن أحلام الناس وانكساراتهم. لدينا أحمد الصفريوي، والذي كان لمؤلفه صندوق العجائب حضا في المقررات بخلاف إدريس الشرايبي والطاهر بن جلون، ووعيد اللطيف اللعبي، يبدو أن هؤلاء ما زالوا ينتظرون تأشيرة دخول كاملة إلى بعض المقررات الدراسية.
فالتلميذ المغربي يستطيع أن يشرح بدقة لماذا رفضت أنتيغون أوامر كريون، لكنه قد يتخرج دون أن يعرف لماذا تمرد إدريس الشرايبي على التقاليد في رواياته، أو كيف صور عبد الكريم الخطيبي ابن الجديدة يعكس في كتابه الذاكرة الموشومة، الصراع الداخلي لـ الأنا بين الانتماء إلى التراث العربي والإسلامي والانجذاب إلى الثقافة الغربية.
ولعل الأمر يشبه مطعماً مغربياً فاخراً يملك الكسكس والطاجين والرفيسة والبسطيلة، لكنه يصر كل يوم على تقديم طبق أجنبي واحد للزبائن، ثم يشرح لهم أن المطبخ الوطني غني ومتنوّع!
المفارقة أن التلميذ يدرس مقاومة الاحتلال النازي في فرنسا، بينما قد لا يجد الوقت الكافي لاكتشاف كيف عبّر الأدباء المغاربة أنفسهم عن الاستعمار الفرنسي لبلدهم والهوية والتحرر والعدالة. وكأن الرسالة الضمنية تقول: الحرية فكرة ممتازة… شرط أن تأتي مترجمة من الخارج.
طبعاً، لا أحد يطالب بإعدام أنتيغون من المقرر الدراسي، فهي ليست مسؤولة عن الأمر، ولم تطلب هي نفسها هذا الامتياز. كل ما في الأمر أن كثيرين يتساءلون: لماذا تجلس أنتيغون وحدها في الصف الأمامي منذ عشرات السنين، بينما يقف الأدب المغربي الفرنكفوني في آخر القسم رافعاً يده دون أن يمنحه أحد فرصة للكلام؟
ربما حان الوقت ليتعايش الجميع داخل الكتاب المدرسي: أنتيغون القادمة من طيبة، الخطيبي ، والشرايبي القادمين من الجديدة، واللعبي القادم من رحاب النضال الفكري. فالتلميذ المغربي لا يحتاج فقط إلى أن يتعلم كيف قاومت فتاة يونانية السلطة، بل يحتاج أيضاً إلى أن يكتشف كيف روى أبناء بلده حكاياتهم هم، بلغات مختلفة، ولكن بهموم قريبة من حياته اليومية.
يبدو أن التلميذ المغربي يستطيع أن يشرح مأساة فتاة يونانية اسمها أنتيغون، ويحلل معاناة سجين ينتظر المقصلة في باريس، لكنه قد يحصل على البكالوريا دون أن يزور أدبيًا أحياء مغربية أو يتمرد مع ادريس الشرايبي على تناقضات المجتمع المغربي. كأن وزارة التربية تقول له: تعرف أولًا على مشاكل الآخرين، ثم إذا بقي وقت في المقرر سنتحدث عن بلادك!
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل بعض التلاميذ يتساءلون في صمت:
هل كانت أنتيغون ستنجح في الامتحان الجهوي لو درست هي أيضاً الأدب المغربي؟
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي