مصطفى الصميدي - هل ما زال الأدب قادراً على تغيير المجتمع؟

منذ اللحظة الأولى التي تحدث الإنسان فيها مجازاً، تفجر معنى الحياة أنهُراً بعد أن كان حجراً يقدح شرارة؛ فاخضَرَّ في مداه الغبار، وازْهرَّتِ الألباب وتفتح الوعي من بذرة سحرية فُهرِستْ في عالم الأسفار لاحقاً بالأدب. لم يأتِ الأدب دستورا صِيغَ بالشورى، ولا قانوناً صُودقَ عليه بالبروتوكولات، إنما جاء صوتاً خفياً تسلّل كظلٍ باردٍ إلى باطن الإنسان، لُيعيد تشكيل جوهره كما ينبغي، ثم يدفعه إلى تشكيل العالم من حوله بعد حين. ما كان لمجتمعٍ قطّ في بقاع الأرض قاطبة أن تتغير بالأنظمة والقوانين وحدها، وإن غُيِّرَت العقول ما هُذبتِ القلوب؛ فالأخرى لا يروِّضها سوى الأدب، فهو الذي يستميل ما استعصى على القانون فعله، يتغلغل في خفايا النفس؛ مُستنهِضاً ما نام من يقظات الضمير، وما اختنق في الحناجر من أسئلة حائرة. ولرُبَّ بيت شعرٍ أُعِيدَ ترديده على لسانِ حُرٍّ، فأحدَثَ طوفاناً مُركَّباً، وأحالَ لفح العاصفات نسيماً في عيون الثائرين.
وللحرية الحمراء باب
بكل يدٍ مُضرَّجة يُدَقُّ

ألم تكن رواية "عناقيد الغضب" أكثر من حكاية تُروى عن جرحٍ إنساني مفتوح على ضمير العالم؟ لقد اقتلعت البؤس من هوامش الحياة، وأقعدته في صميم الوعي البشري، فاجتاحتِ اللغات بفكرتها الصادقة كما تجتاح النار الهشيم. وهكذا حيثما وُجِدَ إنسانٌ مسحوق، وُجِدَ في صفحاتها شيءٌ من صوته المختنق. ذلك أنّ الأدب العظيم لا ينتمي إلى أرض بعينها، إنما إلى قلب الإنسان أينما كان وحيثما يمَّمَ وجهه. ولعلّ هذا ما جعل شخصياتٍ من طينةِ نيلسون مانديلا تؤمن بقوّة الكلمة في تهذيب الوعي ومقاومة القبح والظلم والاستغلال؛ فالرجل الذي قضى سبعةً وعشرين عاماً بين جدران زنزانة معتمةٍ، خرج مُلْهماً ومشبعاً ببصيرة هذه الرواية وفكرتها، حامِلاً مشروعاً أخلاقياً لتوحيد شعبٍ مزّقته العنصرية المقيتة. وهنا تتجلّى معجزة الأدب؛ كونها تعلّم الإنسان كيف ينتصر على خصمه وعلى الوحش الكامن داخله على حدٍّ سواء.

أليستِ المطالع الأولى لقصيدة أبو القاسم الشابي نشيداً أبدياً للحرية في الوجدان العربي؟! ألم تصادف –يوماً– في حياتك شخصاً لم يذق للتعليم طعماً، لكنك سمعته يترنم بــــ:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فـلا بد أن يستجيب الـقـدر
ولا بـد للـقـيد أن ينـجــلــي
ولا بـد للـقـيـد أن يـنـكـسـر

ألم يكن أحمد شوقي من جعل الأم مدرسة ثانية في وعينا الجمعي ببيت واحد خالد:
الأم مـدرســة إذا أعـددتـهـا
أعددت شعبا طيب الأعراق.

ألم تكن "البؤساء" رواية تحمل درساَ عالمياً للجوع والمعاناة. لقد كانت وما تزال قوة خفية مُنحت للإنسان، كي يرى العالم بقلبٍ أكثر اتساعاً. فهي الأدب الذي حول المعاناة في سجلات السياسة إلى صرخة لها وجه وعيون ودموع وكرامة، ليصبح الإنسان – بعد قرأتها – أقل قدرة على القسوة مما كان.

وما هذه إلا أمثلةٌ يسيرة من ميراث الأدب؛ ذلك الإرث الذي لم يُغير مظاهر الحياة وحدها، بل غير البنية العميقة للوعي الإنساني. فالأدب لا يصنع التحولات دفعةً واحدة، بل يزرع الفكرة أولاً، ثم يترك الزمن يتكفّل بتحويلها إلى واقع ملموس.
ولهذا سيظل الأدب قادراً على تغيير عوالم بأكملها، ما دام في الأرض قلبٌ يتألّم، وإنسانٌ يبحث عن معنى، وروحٌ تخاف أن تموت اختناقاً وسط هذا العالم المزدحم بالتكنولوجيا والفراغ. فالمجتمعات قد تبقى حية بالقوانين، لكنها لا تبقى إنسانيةً إلا بالأدب؛ بالأدب وحده.

مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى